شرح الشمائل المحمدية 86

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 86، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

مقدمة في أخلاق النبي: ترك الفحش والصخب والعفو عن الإساءة

يشرح المقطع حديث عائشة رضي الله عنها الذي يصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة بل يعفو ويصفح. ويبين معنى الفحش والمتفحش مع ضرب الأمثلة على عفو النبي صلى الله عليه وسلم عمن آذوه كما في فتح مكة.

تتمة أخلاق النبي: العفو والشجاعة واختيار الأيسر

يستعرض المقطع أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العفو عن المسيئين، وعدم ضربه للخدم والنساء، وشجاعته في الجهاد مع رحمته. كما يبين عدم انتصاره لنفسه بل لغضب الله، واختياره للأيسر في الأمور ما لم يكن إثماً.

حديث عائشة في المداراة وحال المستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن استئذان رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فذمه قبل دخوله ثم ألان له القول عند دخوله، مبيناً جواز ذكر أهل الفساد للردع والنصيحة. كما يناقش أقوال العلماء في تحديد شخصية المستأذن وحكم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس أخو العشيرة".

الغيبة المستثناة شرعاً وأهمية شرح الأحاديث النبوية

يبيّن المقطع أن الغيبة ليست مذمومة شرعاً إذا كانت للنصيحة أو في أحد المواضع الستة التي ذكرها النووي، ويفرق بين الغيبة اللغوية والشرعية. كما يؤكد على ضرورة العناية بشرح الأحاديث النبوية لفهم مقاصدها واستنباط الأحكام والأخلاق النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: بقي في الباب حديث: باب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي، واسمه عبد بن عبد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. وهذا الحديث صحيح، صححه الألباني رحمه الله برقم 298 في مختصر الشمائل. وقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام البخاري، وبوّب عليه الإمام البخاري: باب لم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. هذا الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فيقول في الحديث - أو تقول عائشة في الحديث -: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. قال الحافظ: والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح. والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول والفعل والصفة. كذلك يعني: هماز، مشاء بلميم. هماز يهمز بعيونه ويغمز بعيونه، وهكذا ربما يحرك لسانه أو شفتيه أو فمه، وغير ذلك. يعني يفعل حركات، يفعل ماذا؟ حركات. فهذا من الفحش. انتبه: فالفحش هذه كلمة ماذا؟ كلمة عامة تشمل هذا، تشمل القول باللسان، ومنها السب واللعن والكلام السيء البذيء، وكذلك الأفعال. الأفعال تكون بالأعين، وتكون بالصفات، وتكون كذلك باللسان؛ لأن يخرج لسانه أو يحرك شفتيه أو نحو ذلك. وهكذا أيضاً سواء كان الفحش بالأيدي أو بالأرجل أو نحو ذلك، كل هذا داخل في كلمة الفحش: كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح. قال: ويدخل في القول والفعل والصفة. يقال: طويل فاحش الطول. هذه صفته، صفته ماذا؟ طويل. صفة هذا الإنسان طويل، أو قصير. قصير يقال: هذا ماذا؟ قصير. فهذه الصفة. أو مثلاً: أعرج، أعرج، أو أعمش، أو أعمى. هذه صفة، صفة في هذا الإنسان. فإذا كان الإنسان يكرهها فلا تلقبه بها. إذا كان يكرهها فلا تلقبه بها. لكن تأتي بها إذا كانت من باب التعريف، لا في وجه الإنسان، لا في وجهه. مثل ما يقال في الحديث عن الأعرج، عن أبي هريرة، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، لكن اشتهر بأنه أعرج. الأعمش سليمان بن مهران، اشتهر بأنه الأعمش، فكان يقال: الأعمش، وكان يقال: الأعرج. هذه الصفات. أو الطويل: حميد بن أبي حميد الطويل، فيقال في هذا من باب الصفات أنه طويل. ذو اليدين كان رجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: قال له ماذا؟ ذو اليدين. هذا ذو اليدين، يداه طويلتان. فقال رجل: قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: وماذا؟ ماذا يقولون؟ قالوا: صدق ذو اليدين. قال: لم أنس ولم تقص. في حديث السهو. فإذا كان من باب ذكر الصفة التي اشتهر بها ولا يعرف إلا بها، فهنا تذكره بصفته التي ذكر. لكن في وجهه إذا كان يغضب وما يرضى، هذا فلا تذهب تقول له: يا أعرج، يا أعمش، يا كذا. هو ما يرضى بهذه أن يقال له الأعمش أو غير ذلك من الألقاب، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. قال: إذا أفرط في طوله ويقال: طويل فاحش الطول. إذا أفرط في طوله. لكن استعماله في القول أكثر، يعني استعمال الفحش في القول أكثر من الفعل، أكثر من ماذا؟ من الفعل. فيقال: هذا إنسان فاحش، فاحش، إذا كان دائماً كلامه بذيء وكلامه سيء، كلام السقط، كلام السوق. هذا فاحش. يقال: لا، فاحش، بيستعمل في القول أكثر. قال: والمتفحش بالتشديد الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه، يقال: متفحش. قال: هنا في الحديث ماذا؟ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. فالمتفحش فيه زيادة مبالغة بالتشديد، فيه زيادة مبالغة، فيتعمد ويكثر من هذا الفحش. هذا معنى كلمة ماذا؟ المتفحش. قال: وأغرب الداودي فقال: الفحش الذي يقول الفحش، والمتفحش الذي يستعمل الفحش ليضحك الناس. لكن التعريف الأول هو الأولى كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى. فليس الفحش في القول فقط، وإنما الفحش في القول والفحش كذلك في الفعل، وليس فقط في يضحك الناس. المتفحش الذي يضحك الناس، يعني الذي يأتي بالنكات يضحك الناس، هذا ليس في هذا المعنى، وإنما كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح. قال: هذا الفعل قبيح، وهذا القول قبيح. قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، بل كان طيب الكلام صلى الله عليه وسلم. قال: ولا صخاباً في الأسواق، يعني إذا خرج السوق ما كان صياحاً في الأسواق بصوت عال. ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. ولا يجزي كذلك عليه الصلاة والسلام بالسيئة. وكم عفى عليه الصلاة والسلام عن أناس آذوه، كثير، كثير في حياته صلى الله عليه وسلم، الأعراب وغير الأعراب، بل هموا بقتله، فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام. وأكبر دليل: لما دخل مكة، ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ حاربوا، قاتلوا، أخرجوا، آذوه هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم. الآن منتصر عليه الصلاة والسلام، والقوة معه، كلهم حول الكعبة حاملين الأسلحة معهم، الأسلحة السيوف والرماح، عشرة آلاف أو أكثر. ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ أي أهل مكة. ماذا قالوا؟ أخ كريم وابن أخ كريم. وقال: اذهبوا أنتم الطلقاء. اذهبوا أنتم الطلقاء. عليه الصلاة والسلام ما يجازي بالسيئة، السيئة يرد بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. فجعل من شمائله ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام العفو، وهو قادر على أن يجازي بالسيئة. أنا قادر، هذا إنسان أساء له، قادر أن أرد عليه، قادر أن أغربه، ممكن أن أغربه، وماذا وآذيه مثلاً، أنا أقوى منه، لكن ما أفعل ذلك. فيجعل أخلاقه الأفضل. ما هو الأفضل؟ الأفضل العفو. فمن عفا وأصلح فأجره على الله. أريد الأجر من الله عز وجل، هذا الأفضل. فيقابل السيئة بالعفو، ويقابل الحسنة بماذا؟ بما هو أحسن منها، فيثيب عليه الصلاة والسلام. فأنت تقابل السيئة بماذا؟ بالعفو، بالحلم. تحلم عن هذا السفيه الجاهل مثلاً الذي سبك أو الذي كذا، فما تقابل بهذا، ولك الحق. لك الحق، وجزاء سيئة سيئة مثلها. وانظروا إلى ربيعة لما قال له أبو بكر كلمة كرهها، قال: رد علي مثلها. يقول لربيعة: حتى تكون قصاصاً، رد علي مثلها. قال ربيعة: لا، ما أرد عليك مثلها، لا أفعل. فاختصموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وذهب يشتكي، حتى تكون قصاصاً، وجزاء سيئة سيئة مثلها. قال: ما أظلها، ما أرد عليك. فحمل نفسه على ماذا؟ على الأفضل والعفو، ولأنه يعرف مقام الصديق، وأنها خرجت منه، ما يريد أن يقولها، لكن هذا ما حصل، خرجت منه، فعفا. قال: غفر الله لك يا أبا بكر. هكذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر. قال: فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. هذا الأفضل، هذا ماذا؟ الأفضل. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعفو ويصفح. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادماً ولا امرأة. انظروا بهذا الحديث الصحيح، وهو صحيح مسلم، وصحح الألباني رحمه الله برقم مائتين وتسعة وتسعين. يقول: للنبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب شيئاً قط، لا خادماً ولا امرأة. حتى في الجهاد عليه الصلاة والسلام، لما كان يدفع، يدفع، يدفع، يدفع عن نفسه عليه الصلاة والسلام، لأنه رحمة، لأنه ماذا؟ رحمة. وهذا من أخلاقه العالية الرفيعة. ما يضرب أحد عليه الصلاة والسلام، ولا يعتدي على أحد بالضرب. فمن سيكون مثله عليه الصلاة والسلام في التحمل، وفي الصبر، وفي الحلم، وفي العفو؟ سجايا هذه كلها ما يستطيع أحد إلا أن يشاء الله عز وجل. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله، الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أخلاق عظيمة. هذا يحتاج إلى أن الإنسان عنده إيمان، عنده إيمان عظيم، عنده ثقة بالله، توكل على الله، رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى، فيأخذ نفسه على هذه الأخلاق الحميدة الطيبة. ما ضرب رسول الله بيده شيئاً قط، تقول عائشة: إلا أن يجاهد في سبيل الله. كان يحمل عليه الصلاة والسلام السيف، كان يجاهد، وكان عليه الصلاة والسلام يدفع، حتى في الجهاد، حتى ماذا؟ في الجهاد عليه الصلاة والسلام، رجاء أن يسلموا، وهو عليه الصلاة والسلام الشجاع الذي ما يقاب... كما في غزوة حنين، وأنا آخذ، يقول أبو سفيان بن الحارث بلجام الدابة لألا تقدم، آخذ يجر الدابة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتقدم. لما أرشقوهم بماذا؟ بالنبل. رجع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أي الذين أسلموا حديثاً، وأما أصحاب السمرة، أصحاب البأس والقوة، كانوا حول النبي عليه الصلاة والسلام. فنادى: يا عباس، نادي أصحاب السمرة. فنادى: يا أصحاب السمرة، أي الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية عند الشجرة، السمرة. فنادى، قال: فكأن عطفتهم، عطفت ماذا؟ الحمر أو البقر على أولادها، فجاءوا يجرون. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. فكان يرميهم بماذا؟ بيه الحجارة، ويضل شاة الوجوه. فما كان أحد أشجع منه صلى الله عليه وسلم، كما قال البراء في ذلك، في تلك الحرب، في ذلك الجهاد، وكان مقداماً عليه الصلاة، وكان شجاعاً. ومع ذلك يضرب عليه الصلاة والسلام، ويدفع. قال: ولا ضرب خادماً ولا امرأة، لأنهم ضعفاء. ما تجعل قوتك على الضعفاء. فبعضهم ما يكونوا أقوياء إلا على الضعفاء، كما قال القائل: أسد علي، وفي الحروب نعامة، تدخى، تهرب من صفير الصافري. نعامة تهرب، تدس رأسها في التراب، لأنها لو شافت الأسد هربت. لكن بعض الناس شجاع، أسد على من؟ على امرأة، على الطفل، على الخادم. سبحان الله! وعلى غيرك الشجاع هناك في الميدان، الشجاع في مقابلة الرجال. هنا كنت شجاعاً، أما شجاع على الضعفاء ما شجاع، ما تسمى شجاعاً. شجاع على الضعفاء، هذا على الضعفاء تسمى جبن، تسمى ماذا؟ جبن وخور. تسوي شجاعتك على ضعيف. لكن الشجاع فعلاً هو من يجابه الأعداء، ويجابه الرجال، ويقدم حيث الإقدام. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا فضيل بن عياض، الإمام المعروف، الفضيل، عن منصور، عن الزهري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله منتصراً من مظلمة ظلمها قط، ما لم تنتهك من محارم الله شيء. فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم في ذلك غضباً. وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً. وهذا الحديث متفق عليه، يعني في البخاري ومسلم، وهو صحيح برقم 300. إذن في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان ينتصر لنفسه. احذر: تنتصر لنفسك، ما هو كل شيء تنتصر له لنفسك. انتصر للحق، انتصر للحق. هكذا يربغين الشخص إذا انتصر أن ينتصر للدين. إذا انتهكت محارم الله، تقول عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب، اغضب إذا انتهكت المحارم أمامك، فعلت المعاصي أمامك، تغضب، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ما تنتصر لشخصك. أنت إذا أوذيت ما لتصبر. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذى، ومع ذلك كان يصبر، فما يقوم عليه الصلاة والسلام بإيذاء أحد، وإنما كان يصبر عليه الصلاة والسلام. فيأخذ بالصبر، وكم من الناس ممن آذوه كما تقدم، وظلموا أنفسهم بإيذائه، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينتصر لنفسه، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يغير إذا انتهكت حرومات الله عز وجل، فيغضب لله سبحانه وتعالى. وما خير بين أمرين، يا رسول الله ما رأيك في كذا، ما رأيك في كذا، يعني يختار الأيسر والأسهل. وهكذا الشخص يكون ماذا؟ دائماً يختار الأيسر والأسهل، يميل يجعل نفسه إلى الأسهل والأيسر. مثل ما حصل في بدر في أسارى بدر. عمر قال: نقطع الرقاب، من هنا ما في الله سيف على هولاء الأسارى، نقطع الرقاب. تمكنني من فلان، ابن عمي أو كذا قريب لي، يقطع رقبته، وتمكن فلان من فلان، أخوه وأبوه، يقطع رقبته. قال أبو بكر: يا رسول الله، خذ منهم الفداء، خذ منهم ماذا؟ الفداء. هذا مشاورة في أسارى بدر. أبو بكر قال: يا رسول الله، يفدون بالمال، ومن قدر ما عنده مال، يعلم أولاد المسلمين، يعني عنده مثلاً شيء في الخط والكتابة والتعليم ونحو ذلك، يعلم مقابل فدائه، مقابل يطلب أسره. فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر، اختار الأيسر عليه الصلاة والسلام، ما لم يكن إثمه، ما في إثم، فاختار قول أبي بكر، ومال إليه. بعد ذلك جاء القرآن، وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. فكان عمر مصيباً في هذا، والقرآن أيده بهذا، والنبي صلى الله عليه وسلم كمان قال: عائشة، اختار الأيسر، اختار الأيسر للأمة، دار دائماً الأيسر. ما خير بين أمرين إلا اختار ماذا؟ الأيسر. وانت كذلك في شؤونك، اختار الأيسر، ما لم يكن إثمه، يعني ما يكون هذا الأيسر فيه إثم، تركه. أما الأيسر ما فيه إثم والأسهل، خذه لك ولأهلك. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدني، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا عنده، فقال: بئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة. ثم أذن له، فألان له القول. فلما خرج، قلت: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له القول. فقال: يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم. حديث عائشة رضي الله عنها، وقد بوّب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب. باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب. هذا أحد الأبواب التي بوّب عليها البخاري هذا الحديث، وأنه يذكر أهل الفساد وإيش؟ والريب. لأنه قال: بئس أخو العشيرة، أو بئس ابن العشيرة، فذكره واغتابه. هذا باب، سمى الغيبة هو ماذا؟ الغيبة اللغوية أنك تذكر شيئاً، كلام ما يسمعه الآخر، ما سمع أنه قال له أخو العشيرة، هذا المستأذن. فقال ماذا؟ باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب. وسيأتي من هو هذا الرجل المستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وذكره، أي البخاري، في باب: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. طيب، هذا قال: بئس أخو العشيرة، ثم بعد ذلك ألان له الكلام. فهذا لأنه ما كان عليه الصلاة والسلام فاحشاً ولا متفحشاً. لما دخل: مرحبا، أهلا وسهلاً، وغير ذلك، بشبش له، وأجلسه، وأعطاه، وخرج. هذا الرجل، ألان له الكلام، أي أتى له بكلام لين وطيب. فهذا الحديث ينبغي أن نعرف في مسألة تسمى مسألة ماذا؟ المداراة. هذه مهمة جداً لطالب العلم، للعالم، المسلم. باب اسمه: باب المداراة. وهذا الحديث ذكره العلماء في باب المداراة، كما سيأتي إن شاء الله من كلام العلماء. فانظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل لما استأذن، كان بر، يقول لعائشة: إذن له، بئس أخو العشيرة. هذه كلمة ذم، بئس كلمة ماذا؟ ذم. فلما دخل، قال: أهلاً، حياك، تفضل، ادخل، وألان له الكلام. فإذن أولاً النبي عليه الصلاة والسلام ذكر هذا الشيء، الشيء وهو كلمة بئس، من باب الذم. ثم ألان له الكلام، لأنه من أخلاقه عليه الصلاة والسلام في مقابلة الناس، في مقابلة الناس. وإنما يجوز ذلك، أي في حال الاغتياب، ما يجوز من ذكر أهل الفساد والريب، كما قال البخاري رحمه الله، وبوّب ماذا؟ عليه. طيب، من هذا المستأذن؟ هذا الرجل قال: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده. من هذا الرجل المستأذن؟ قال الحافظ: قال ابن بطال: هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. ورجى النبي صلى الله عليه وسلم بإقباله عليه تأليفه ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم. وكذا فسره عياض، ثم القرطبي والنووي جازمين بذلك، ونقله ابن التين عن الداودي. لكن احتمالاً، لا جزماً. انتبهوا بكلام الحافظ رحمه الله تعالى، نقل كلام ابن بطال، شراح البخاري. قال: هذا الرجل المستأذن اسمه عيينة بن ماذا؟ بن حصن بن بدر الفزاري، سيد بني فزارة، سيد بني فزارة، كانوا في جهة ماذا؟ في جهة نجد، في جهة نجد، من قبائل بني تميم. فجاء هذا المستأذن، قال: وكان يقال له الأحمق المطاع، المطاع لأنه سيد. لكن كلمة أحمق هذه ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى عندما دخل في هذا، وقال: من هذه؟ قال: هذه عائشة. قال: أيش رأيك؟ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: نزوجك واحدة أجمل منها. يعني عرض على النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة موجودة عنده. فلما خرج، قالت: يا رسول الله، من هذا؟ قال: هذا أحمق، هذا أحمق. هذا ذكره الحافظ رحمه الله تعالى. حديث، طبعاً هذا أسلم، عيينة بن حصن. بعض العلماء قال أنه كان منافقاً، وذكر فيها شيئاً، لكن يقال أنه مسلم، يقال أنه مسلم. أما كلمة النفاق فالظاهر والله أعلم ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى أنها بعيدة منه، أنها بعيدة منه. لكن يقال في خلقه: مستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألان له الكلام عليه الصلاة والسلام، تأليفا له ولقومه، لأنه رئيسه، فإذا حسن إسلامه سيسلمون بعده، سيسلمون بعده. ولهذا ألان له الكلام. ولهذا عائشة لما خرج هذا الرجل، قالت: يا رسول الله، أولاً قلت كذا، ثم قلت، ثم فعلت كذا. إذن فيه قول، وفيه ماذا؟ فعل. هذا على قول أن المستأذن هو عيينة بن حصن الفزاري رضي الله عنه. وقول آخر: أنه المخرم، والد المسور. وقول آخر: أنه المخرم، والد المسور، هو المستأذن، وكان في خلقه شيء، كما جاء في حديث المسور بن مخرم، أنه قال: جاءت أقبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوزعها، وخب واحداً. قال: فجاء أبي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خبأت لك هذا، خبأت لك هذا. قال: وكان في خلقه شيء، كان في خلقه شيء، يعني أن هذا أيضاً مخرم، والد المسور، والمسور صحابي جليل. لما جاء للنبي عليه صلى الله عليه وسلم، كأنه يقول: وين حقي، وين قسمي؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بادره قبل أن يسأل، قبل أن يقول: أين الذي قسمت؟ بادره فقال: رفع له الثوب، خبأت هذا لك، يعني هذا قسمك موجود، لا تخاف، فأعطاه إياه وذهب. فالنووي وعياض، وكذلك القرطبي في المفهم، كلهم جزموا بأنه ماذا؟ طبعاً قبل ابن بطال، هؤلاء جزموا بأنه ماذا؟ بأنه عيينة بن حصن. قال: وقد حكى المنذر القولين، لعله ابن المنذر، كذا رأيته في الفتح، القولين، فقال: هو عيينة بن حصن، وقيل مخرمة. أما شيخنا ابن الملقن، وهو شيخ الحافظ، ابن الملقن، فاقتصر على أنه مخرمة. الحافظ ما إلى من الآن، عندنا رجلان استأذنا على النبي عليه الصلاة والسلام، أحدهما عيينة بن حصن، والآخر مخرمة. فأي الرجلين الذين استأذنا؟ أحدهما الحافظ يميل إلى أنه مخرمة، إلى أنه مخرمة، تبعاً لشيخه ابن الملقن. وأما النووي وعياض قبل النووي، وكذلك القرطبي، فجزموا بأنه من، بأنه عيينة بن حصن الفزاري. فإذا استأذن على النبي عليه الصلاة والسلام، طيب، فلما دخل، قال، أو قبل أن يدخل، بعد الإذن، قال: بئس أخ العشيرة. هل هذه غيبة أم ليست بغيبة؟ هل هذه غيبة أم ليست بغيبة؟ هذا قول، هذا قول، يعني قوله عليه الصلاة والسلام، وليس فعله. قال الحافظ: وقد نوزع في كون ما وقع من ذلك غيبة، وإنما هو نصيحة ليحذر السامع. بعضهم قال: نصيحة. فإذا كان من باب النصيحة، فهذا ليس بغيبة، كما قال النووي رحمه الله، ذكر هذا في شرح مسلم، قال: والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومبدر، ولمظهر فسق، مستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. هذا قال عليه الصلاة... باب النصيحة، أي ليحذره السامع من، السامع عنده عائشة رضي الله عنها، وهي بعد ذلك ستخبر، ستخبر الناس ماذا؟ طيب. قد نوزع، يعني فيه نزاع، هل هذه غيبة أم ليست بغيبة؟ فمنهم من قال: ليست بغيبة لأنها من باب النصيحة. قال: وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك لحسن خلقه صلى الله عليه وسلم، ولو واجه المقول فيه بذلك لكان حسناً، ولكن حصل المقصود بدون مواجهة، ولكن حصل المقصود بدون مواجهة، من حسن أخلاقه عليه الصلاة والسلام أنه ما واجه الرجل فقال: أنت بئس أخو العشيرة، وإنما ترك ذلك وقال في عدم حضوره. قال: والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه، إن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعاً، وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعاً. صورة الغيبة موجودة، لأن هذا غائب، محاضر، وما سمع هذه الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم، هذه صورة الغيبة. لكن هل هذه مذمومة شرعاً؟ الجواب: لا. الغيبة المذمومة شرعاً: ذكرك أخاك بما يكره. فإن كان من باب النصيحة، فليس ماذا؟ بغيبة. قال: وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أولاً هو اللغوي، وإذا استثني منه ما ذكر، كان ذلك تعريفه الشرعي. إذا استثنينا ذلك، أي أن هذا من باب النصيحة، فلا يدخل فيه الغيبة. الغيبة الشرعية: ذكرك أخاك بما يكره، ويستثنى من ذلك الأمور الستة التي ذكرت، فلا تعد ماذا؟ غيبة. وأما الغيبة اللغوية فداخلة، هذا من باب الغيبة، لكن غيبة ماذا؟ شرعية أم لغوية؟ يقول الحافظ: أنها من باب الغيبة اللغوية، وليست من باب الغيبة الشرعية، لأن هناك مستثنات من هذا الأمر. طيب، لعل وقت الصلاة جاء وما أكملنا فوائد الحديث. الحديث إن شاء الله له بقية، ولو تتمه، فيه فوائد مهمة جداً، لما نقرأ في كتب العلماء، وكيف العلماء يأتون بهذه الدرر، الفوائد، رحمهم الله. الحافظ ينقل عن فلان، وذاك ينقل عن فلان، وذاك ينقل عن فلان. أنت إذا رجعت تجد: يا سبحان الله! يعني بعض الناس ربما يقرأ حديث، ما يفهم لماذا قال هذا عليه الصلاة والسلام، لكن أهل العلم يأتون لك ويفسرون لك ويبينون لك، عالم عن عالم عن عالم، رحمهم الله. فتعرف أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف تعامل مع الناس صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يزول عنك كثير من الشبهات، تزول، حتى أنت تعرف بنفسك، عرفت المضمون، عرفت كيف التعامل، أنت تستطيع أن تتعامل مع الناس بهذا، يكون عندك فقه، عندك علم، تعرف ماذا قال العلماء، تعرف إيش الجائز وغير الجائز، إيش المحرم وغير المحرم. لهذا ينبغي علينا نحن طلبة العلم أن نهتم بماذا؟ بشرح الأحاديث. ما يكتفى أن نحفظ أحاديث، لكن علينا أن نهتم أيضاً بشرح الأحاديث. فإذا جئت إلى البخاري، فاهتم بماذا؟ بالفتح. مسلم، يهتم كذلك بالنووي، وهكذا. شروح الأحاديث توضح لك حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتمشي على نور وهدى. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.