الدرس في شرح الشمائل المحمدية 54، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
استعرض المقطع أحاديث باب ضحك النبي صلى الله عليه وسلم في الشمائل المحمدية، مبيناً أن ضحكه كان غالباً تبسماً كما في حديثي جابر بن سمرة وعبد الله بن الحارث. كما ذكر قصة ضحكه حتى بدت نواجذه عند حديث بريدة، وشرح حديث جرير بن عبد الله الذي صححه الألباني بأن النبي لم يحجبه منذ أسلم وكان يتبسم في وجهه.
شرح المقطع حديث جرير بن عبد الله عن تبسم النبي صلى الله عليه وسلم له دائماً مع تعليق النووي على معناه. ثم سرد أسانيد متعددة لحديث عبد الله بن مسعود عن آخر أهل النار خروجاً، مبيناً مكانة ابن مسعود وحفظه للقرآن من فم النبي صلى الله عليه وسلم.
وصف المقطع حال آخر شخص يخرج من النار فيزحف ويحبو حتى يبلغ باب الجنة، فيُعطى ما تمنى وعشرة أمثال الدنيا، فيتعجب ويقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟» فيضحك النبي ﷺ من قوله. وبين المقطع فضل الله الواسع على من في قلبه ذرة من توحيد.
اختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى أن الموقف المذكور يُعد من باب المقابلة، وذكر ضحك النبي صلى الله عليه وسلم منه. ووعد بشرح الحديث بالتفصيل في الليلة المقبلة، داعياً الله أن يمنّ بالفقه والعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذنا في الشمائل المحمدية للترمذي رحمه الله، باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الترمذي في هذا الباب عدة أحاديث. أخذنا حديث جابر بن سمرة، وهو ضعيف، ضعفه الألباني رحمه الله تعالى، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضحك إلا تبسمًا. وهكذا حديث عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه، أنه كان يرى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر الناس تبسمًا. وهكذا أيضًا كان ضحكه صلى الله عليه وسلم تبسمًا. وحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه في قصة ذلكم الرجل الذي يؤتى يوم القيامة، فتعرض عليه ذنوبه الصغيرة، فيشفق من الكبيرة، ثم تبدل تلكم الذنوب، فكل سيئة عملها مكانها حسنة، ثم يقول هذا الرجل: «إن لي ذنوبًا ما أراها ها هنا»، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا معاوية بن عمر، وهؤلاء يتقدمون كثيرًا معنا في الأسانيد، وهم ثقات. قال: حدثنا زائدة، وزائدة هو ابن قدامة، وهو ثقة ثبت، صاحب سنة، وقليل أن يوصف الرجل بصاحب سنة، يعني أنه كان يهتم بالسنن حتى قيل: صاحب سنة. قال: عن بيان، ووثقة ثبت، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، وهو البجلي، قد تقدم شيء من ترجمته في الحديث السابق. قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك». وهذا الحديث قد صححه الألباني رحمه الله في مختصر الشمائل برقم مئة وستة وتسعين. ومعنى قول جرير: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت»، قال العلماء، ومنهم الحافظ رحمه الله: أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته، فاستأذنت عليه، فأذن. فهذا الحديث محمول على الاستئذان، يعني أن جريرًا عندما يأتي إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام ويستأذن في الدخول، النبي صلى الله عليه وسلم يأذن له ولا يحجبه، أي لا يمنعه من الدخول.كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى، فهو محمول على أنه يدخل باستئذان، لا أنه يدخل بغير استئذان، كما قد يفهمه بعضهم، أنه متى ما أراد الدخول يدخل، لا، لأن البيت فيه نساء، وقد نزلت آيات الحجاب وغير ذلك، فهذا محمول كما قال الحافظ على ماذا؟ على الاستئذان، أنه يستأذن فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول. وهذه منقبة لجرير بن عبد الله رضي الله عنه. وقال النووي رحمه الله: معناه ما منعني الدخول عليه في وقت من الأوقات، في وقت من الأوقات، يعني أي وقت يأتي إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فيأذن له في الدخول بعد الاستئذان. قال: ومعنى ضحك... كلام النووي: ومعنى ضحك تبسم، لأنه قال: «وما رآني إلا ضحك»، يعني عندما يرى جرير النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم دائمًا في وجه جرير. قال: «ولا رآني إلا ضحك». وسيأتي الحديث الذي بعد هذا من حديثه أيضًا، أنه قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رآني إلا تبسم»، فالضحك هنا محمول على التبسم. قال النووي: ومعنى ضحك تبسم، كما صرح به في الرواية الثانية، وفعل ذلك إكرامًا ولطفًا وبشاشة، ففيه استحباب هذا اللطف للوارد، وفيه فضيلة ظاهرة لجرير. انتهى كلام النووي رحم الله. إذن النبي عليه الصلاة والسلام عندما يرى جرير بن عبد الله البجلي يتبسم في وجهه، وهذا منه لطف وإكرام وبشاشة، يحب عليه الصلاة والسلام أصحابه، وفيه منقبة لجرير، أنه كل ما رآه تبسم، كل ما رآه تبسم. قال رحمه الله: وحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا معاوية بن عمر، والحديث المتقدم في البخاري ومسلم أيضًا في الفضائل. قال: حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير. إذن زائدة في هذا الحديث له شيخان: أحدهما بيان، والآخر إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما ثقات. قال: عن جرير بن عبد الله، قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم». والحديث أيضًا متفق عليه. قال رحمه الله: وحدثنا هناد بن السري، وهو ثقة، قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، المعروف بالضرير، وهو من أثبت الناس في الأعمش. قال: عن الأعمش سليمان بن مهران الكوفي، قال: عن إبراهيم، وهو النخعي، إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من مشايخ الأعمش، ووثيق، إلا أنه ذكر عنه أنه كان ربما دلس. قال: عن عبيدة السلماني، وعبيدة من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه. قال: عن عبد الله بن مسعود. ومعنى قوله: من أصحاب الرجل، يعني المكثرين من الملازمة له من أصحابه، يعني يكثر دائمًا أن يكون مع هذا الصحابي ومخالطًا لهم. قال: عن عبد الله بن مسعود، وهو ابن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، من علماء وأكابر الصحابة، وقد أسلم من القدماء الذين أسلموا، ربما من الأوائل العشرة أو السبعة الذين أسلموا، وقد صدح بالقرآن رضي الله تعالى عنه في مكة، وقد ضرب رضي الله تعالى عنه من المشركين آنذاك، ولكنه تحمل، وهو الذي يقول: «ما من سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأنا أعلم أين نزلت ومتى أنزلت، ولو كنت أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه». وهذا من حرصه على جمع القرآن، وأنه كان من حفاظ الصحابة رضي الله تعالى عنه. حفظ من فم النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظ إلى هذا، قال: «حفظت من فم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين سورة»، والقرآن كم؟ مئة وأربع عشرة سورة، فهو حفظ مباشرة من فم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وهو من علماء الصحابة الكبار، ومن أفقههم، وأثنى عليه العلماء من بعده، رضي الله عنه وأرضاه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا، رجل يخرج منها زحفًا»، فيقال له... والزحف غالبًا يكون على ماذا؟ على اليدين، يكون على اليدين، ومع ماذا؟ مع الرجلين، أي مع الركب، يكون هذا غالبًا الزحف. منهم من قال: هو ماذا؟ يكون أيضًا على البطن، يكون يزحف، وبعضهم يسمي هذا الذي هو مثل الطفل يسميه الحبو، لأنه قد جاءت بعض الروايات أن هذا الرجل يحبو، فيحبو ويزحف، قد تكونان بمعنى واحد، وقد تختلفان، ماذا؟ قليلًا يختلف الزحف عن الحبو. قال: فيقال له: «انطلق فادخل الجنة». قال: فيذهب ليدخل، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، يعني يشرف هذا الرجل من الجنة، فيرى أن الناس قد أخذوا منازلهم، وأنها ملأت، قد امتلأت، وأنه لا مكان له في ماذا؟ في الجنة. وفي بعض الرواية أن هذا الرجل قد أخذت عليه ماذا؟ المواثيق والعهود، أن لا يسأل أكثر من ذلك، لأنه كان من آخر أهل النار خروجًا، وهو قد طلب من الله سبحانه وتعالى أن يخفف عنه العذاب، فخفف، ثم هكذا يستظل فظُلل، حتى رأى باب الجنة، قال: الباب، فأدخل إلى الباب، ثم بعد ذلك ماذا؟ أعطي مما... مما تمنى، وأكثر مما سأل، وأكثر مما سأل، وهذا من فضل الله عز وجل. وهذا يحمل على أن هذا الرجل كان في قلبه ماذا؟ مثل قال: ذرة، وأكثر من ذلك من التوحيد، أي أنه من أهل التوحيد الذين لا يخلدون في نار جهنم، لكن عذب بسبب ذنوبه ومعاصيه، فأخرج من النار، وقد أخذت عليه العهود والمواثيق أنه لا يسأل أكثر من ذلك، ولكنه بعد ذلك سأل، والروايات في هذا الحديث كثيرة، لكن الترمذي رحمه الله تعالى اختصر هذا. قال: فيقال له: «ادخل الجنة»، فيذهب ليدخل، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب، قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: «اذكر الزمان الذي كنت فيه»، فيقول: نعم، فيقال له: «تمنَّ»، قال: فيتمنى، فيقال له: «فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا». وهذا فضل الله عز وجل على عبده، أن هذا آخر أهل النار خروجًا يعطى عشرة أضعاف الدنيا، عشرة أضعاف الدنيا، وأنت تعلم ما الدنيا وما فيها، لكن هناك شيء اسمه نعيم أبدي لا يزول، خالدين فيها، كما قال الله عز وجل، وهو نعيم الجنة، أي لك عشرة أضعاف ما تمنيت. قال: فيقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟» قال: هذا الرجل لما يقال له ويعطى أكثر مما تمنى، أنت تمنيت ماذا؟ جنة واحدة، لك أضعاف هذا عشر مرات، يعطيه الله سبحانه وتعالى عشرة أضعاف، فهنا هذا الرجل يقول: «أتسخر بي؟» يقول لمن يخاطب؟ من يخاطب الله جل جلاله، ويقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟» قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه من هذه المقولة. ضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه قال مقولة رجل ماذا؟ مستغرب، مستعجب، يقول: أنا قد أخذت علي العهود والمواثيق لا أسأل أكثر من ذلك، ومع ذلك طمعت وتمنيت وسألت، وكلما يقال له: خلاص هذا يكفيك، يقول: خلاص، بس هذا يكفي، هذا، ثم بعد ذلك يطمع ويسأل ويتمنى أكثر، ويقرب ويقرب ويقرب حتى يدخل إلى الجنة، ثم بعد ذلك يقول: كفاية، هذا الذي تمنيت، ثم بعد ذلك يقال له: تمنَّ، فيتمنى الجنة، فيدخل الجنة، ويقال لك: عشرة أضعافها، فهنا الرجل يقول: بعد كل هذا الذي أنا قلت وأنا فعلت وأنا سويت، يقال له: خذ عشرة أضعاف، لعل هذا ماذا؟ أن يكون من باب المقابلة، أن يكون من باب المقابلة، فيقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟» يقول لله سبحانه وتعالى، وهنا ضحك النبي صلى الله عليه وسلم مما قال هذا الرجل. وهذا الحديث إن شاء الله تعالى سنأتي على شرحه وافيًا في الليلة المقبلة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وأن يعلمنا، أنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.