الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 4، ألقاها
ناقش الشيخ أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، موضحا أن الآيات الخمس الأولى من سورة العلق كانت أول ما نزل. ثم فتر الوحي وبعد ذلك نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر.
يناقش المقطع نزول القرآن ابتدائيًا دون سبب وسببيًا بسبب معين، ويقدم أمثلة على كل نوع. كما يشير إلى ضعف بعض الأحاديث المتعلقة بقصة ثعلبة بن حاطب وأولوية نزول الآيات.
يتناول المقطع أسباب نزول القرآن الكريم وتعددها، حيث يشرح أن الأسباب تشمل أسئلة يجيب الله عنها وأحداث عظيمة تحتاج إلى بيان وتحذير وأفعال تحتاج إلى معرفة حكمها.
المقطع يشرح أسباب نزول بعض الآيات القرآنية، حيث يبين أن بعض الآيات نزلت لسبب معين مثل سؤال أو استفسار أو تهكم، بينما نزلت أخرى بدون سبب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى: أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قطعا الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. ففي الصحيحين، صحيح البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، قالت: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ. ما أنا بقارئ -يعني لست أعرف القراءة- فذكر الحديث، فيه: ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: وفيه ما عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، وهو يحدث عن فترة الوحي: بينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتا من السماء، فذكر الحديث، وفيه: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. والحديث كذلك فيهما، كما قال الشيخ رحمه الله: فيهما، أي في الصحيحين. قال: وثمت آيات، يقال فيها: أول ما نزل، والمراد: أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة، مثل حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين: أن أبا سلمة -أبو سلمة ابن عبد الرحمن- سألهم: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: «يا أيها المدثر». نعم. قال أبو سلمة: أنبئت أنه: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري هبطت، فذكر الحديث، فيه: فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء باردا. وأنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قولي: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: فهذه الأولوية التي ذكرها جابر رضي الله عنه باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة «اقرأ» ثبتت به نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل من سورة «المدثر» ثبت به الرسالة، في قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. ولهذا قال أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نبئ بـ«اقرأ»، وأرسل بـ«المدثر». طيب، هذه أيضا مسألة من مسائل أصول التفسير، وهي: ما هو أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن؟ كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن هذه الأولوية على قسمين: أولوية مطلقة، وأولوية نسبية إضافية. فأما الأولوية المطلقة: فهو كما ذكر رحمه الله تعالى: ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من الخمس الآيات التي هي أول سورة «اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم». فهذه الآيات أول ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، حينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاورته في حراء، وأن الملك جاءه، فضمه ضمة شديدة، وقالوا: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ -أي لست أحسن القراءة، ولست أعرف القراءة- لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ماذا؟ كان أميا. فكرر عليه ثلاث مرات، وهو يضمه، ثم يرسله، ويقول: اقرأ. فيقول: ما أنا بقارئ. ثم ضمه في الثالثة، وأرسله، ثم قال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى آخر الخمس الآيات. فكانت هذه الآيات هي أول الآيات التي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما ترون أن الله جل وعلا افتتحها بماذا؟ بالقراءة، أي بالعلم. افتتحها بالقراءة؛ ليدلنا على أن أعظم ما بعث الله جل وعلا به هو العلم النافع، الذي من ثمرته العمل الصالح. العلم النافع الذي ثمرته العمل الصالح؛ لأن الله جل وعلا أول ما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وقوله: «باسم ربك» كذلك في البدء والتبرك باسم الله جل وعلا؛ ففيه معنى الاستعانة بالله جل وعلا في أول الأمور. ثم قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وفي هذا إشارة كذلك، بل تصريح من الله جل وعلا: إلى أن الخالق جل وعلا هو ربنا جل وعلا، وهو الذي علمك أو يعلمك القراءة، وهو الذي نبأك بما نبأك به، وهو خالقك جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾؛ ليبين حقارة الإنسان، أو ليبين أن الإنسان خلق ضعيفا، وخلق من شيء مهين. ثم قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. كرر عليه ماذا؟ القراءة: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ بأنه -أي الله جل وعلا- يكرمه. فالله يقول: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. ففيه تشجيع له، وفيه تسلية له: بأن ربه جل وعلا أكرم، وهو أكرم الأكرمين جل وعلا. ومن أكرم ما أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن امتن الله جل وعلا عليه بالنبوة والرسالة. وفي هذا -كما ذكر من ذكر من علماء رحمهم الله تعالى- حث على طلب العلم، وأنه من أسباب الرزق؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، أي: تعلم وربك الأكرم، هو الذي يكفيك، وهو الذي يغنيك جل جلاله. وهذا من فضائل العلم؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِينِ كُلِّهِ﴾. وكما ذكر المفسرون: أن الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾، قالوا: أي بالعلم النافع. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي بالعمل الصالح. وقال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فكانت هذه الآيات -كما ترون- مهيئة وموطئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يتهيأ لما يلقى عليه من العلم، وما يوحى إليه من العلم. وفيه كذلك استحضار شرف العلم؛ إذا قال الله جل وعلا في الآية التي تليها: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ومن أعظم ما علم الله جل وعلا به العباد: علمهم ما يحتاجون إلى العلم به، من معرفة ربهم جل وعلا، من توحيد الله جل وعلا، توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. كذلك مما علمهم الله جل وعلا: ما بينه لهم ربنا جل وعلا من الشرائع التي بها يتقربون إلى ربهم جل وعلا ومولاهم. فهذا كله -لو تأملنا في هذه الآيات- وجدنا أن هذه الآية تدور على معاني متقاربة، كلها تصب في مصب واحد: تدلنا على شرف العلم، وعلى أن الله جل وعلا أكرم محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا العلم، وأكرم من أخذ بهذا العلم أخذا صحيحا طيبا، على وفق سنته صلى الله عليه وسلم. وكما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الحديث الذي يحسنه جماعة من أهل العلم- «إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، ولكن ورثوا العلم». فمن أخذ به أخذ بنصيب وافر. فالحاصل: أن هذه الآيات التي أول ما أنزلها الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم كلها تحث على هذا الأمر، فهي كالمهيئة، والموطئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتلقي ما يأتيه من العلم من الله رب العالمين جل وعلا. فالله جل وعلا هو الذي علمه ما لم يكن يعلم، وعلمك ما لم تكن تعلم، وهو الذي قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. إلى غير ذلك مما يدلنا على أن الله جل وعلا أكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا العلم الذي أنزله الله جل وعلا عليه. فالحاصل: أن أول سورة، أو أول الآيات التي أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي الخمس الآيات. ومنه نعلم أن بعض أهل العلم الذين يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما أنزل عليه سورة «اقرأ»: هؤلاء لعلهم أرادوا ذكر الكل، وأرادوا الجزء. قال رحمه الله تعالى: وثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد: أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة. والشيخ يقول: مثل حديث جابر في الصحيحين. مثل. وقوله: مثل، في إشارة إلى أن هذا ليس على سبيل الحصر، تكون الأولوية نسبية إضافية. قال رحمه الله تعالى: الثالث: نزول القرآن ابتدائي ونسبي. ومعنى ابتدائي: نعم. نزول القرآن ابتدائي وسببي. ومعنى ابتدائي: أي أنه ليس له سبب معين خاص، ليس له سبب معين خاص، بل الله جل وعلا يبتدئ الحكم، فينزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ككثير من آيات القرآن الكريم. كقول الله جل وعلا في كثير من الآيات: يعني مثلا إذا رأينا في جميع أو أكثر السور، أو في كثير من السور -سورة البقرة- ذلك: ﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ هُوَ الْحَقُّ﴾ إلى آخر ذلك. سورة آل عمران: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. ونظرنا في كثير من آيات السور، هذه ابتداؤها ماذا؟ ابتداؤها -يعني أو نزولها- ابتدائي، ليس لسبب، ليس لسبب. ابتدائي. وبعض الآيات تنزل لماذا؟ لسبب. والأسباب كثيرة، ذكر منها جملة الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الرسالة، يأتي ذكرها. قال رحمه الله تعالى: ينقسم نزول القرآن إلى قسمين: القسم الأول: ابتدائي، وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه. قال: وهو غالب آيات القرآن؛ أي: غالب آيات القرآن أنها تنزل ابتداء من غير سبب، من غير سبب. قالوا: منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾. قال: فإنها نزلت ابتداء في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين، وروجها كثير من الوعاظ: فضعيف، لا صحة له -يعني أثر- يعني هذا المثال ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في أمر النزول الابتدائي- والشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذه الآية، وكأنه أراد أن ينبه على القصة المذكورة في أمر ثعلبة بن حاطب الأنصاري. قال: في كتب التفاسير: أن ثعلبة بن حاطب سأل الله جل وعلا لئن آتاه مالا لئن آتاه خيرا ليصدقن على الفقراء، وليصل رحمه، ولا يفعلن الخير. فلما آتاه الله جل وعلا ما آتاه: بخل، فلم يوف بما عاهد الله جل وعلا عليه. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل إليه بمن يجبى الصدقات، فأبى، امتنع من دفع الزكاة. ثم ندم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا -حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم- فجاء بصدقاته إليه، فقال: لا أخذ ما لم يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم في عهد عمر جاء إلى عمر، فأبى. ثم في عهد عثمان، فأبى -حتى مات في عهد عثمان- والأثر ليس بصحيح. والحديث جاء مسندا، وهو ضعيف. جاء من طريق معن بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن ثعلبة. ومعن بن رفاعة ضعيف، والألهاني متروك، وكذلك القاسم بن عبد الرحمن في ضعف. وجاء كذلك بإسناد موقوف على ابن عباس، ولكنه مسلسل بالعوفيين -مسلسل بالعوفيين- وهي سلسلة ضعيفة. فالحاصل: أنه لم يثبت. والحاصل: أنه -من حيث الأثر- لم يثبت. وباعتبار المثال الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: وهو قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾. هذا المثال لهذا الموضع قد ينازع فيه الشيخ رحمه الله تعالى؛ وذلك لأن الآية ظاهرها أنها نزلت في شيء معين، أو في سبب معين. الآية ظاهرها أنها نزلت في ماذا؟ في سبب؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، أي: حصلت المعاهدة. فهذا خبر من الله عن شيء وقع. وماذا؟ ﴿لَئِنْ آتَانَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾. فلما آتاهم الله -آتاهم ماذا؟- بخلوا واستغنوا -يعني حصل الأمر الذي أخبر الله جل وعلا به- إذا نزلت الآية حقيقة لسبب، أم ليس لسبب؟ لسبب. الآية نزلت لسبب. نعم. الأحاديث أو الأسانيد إلى أنه ثعلبة لم تثبت. ومعنى أنه لم يثبت في الأسانيد عن ثعلبة: أن لا يكون هذا الأمر قد وقع -قد وقع من غير ثعلبة- واضح. لا مانع من أن يكون هذا الأمر قد وقع، سواء كان من ثعلبة، أم لم يكن من ثعلبة، من رجل آخر؛ لأن الآية ظاهرها أنها نزلت لسبب. فلو أن الشيخ رحمه الله تعالى مثل بمثال آخر -مثال آخر- كما أشرنا وذكرنا: أوائل السور، أو أكثر آية -كما قال بكر رحمه الله- أنه غالب القرآن من هذا النوع. لو قال: مثال ما يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذا إيش؟ نزولا إيش؟ ابتدائيا أو سببيا؟ ابتدائيا. وآيات كثيرة، وآيات كثيرة من هذا النوع. فالحاصل: أن المثال قد ينازع من هذه الحيثية؛ إذ أن ظاهره أنه نزلت هذه الآية لسبب. وإن لم نكن نعلم هذا السبب بعينه، لكن ظاهره وتدل على أنه نزلت لسبب. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني: سبب، وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه. سبب -كما ذكر- أنه يحصل سبب، فلأجل هذا السبب ينزل -أو ينزل الله جل وعلا ما ينزل من القرآن- لأجل ذلك السبب. وكما ذكر الشيخ، وسيذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن الأسباب كثيرة. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: والسبب: إما سؤال يجيب الله عنه، مثل: قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. ها هنا سؤال، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يسألونك عن الأهلة. فقال الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. ثم قالوا: ﴿وَالْحَجِّ﴾. قول الله جل وعلا: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، أي: مواقيت يوقت الناس عليها أمورا كثيرة، باعتبار بيعهم وشرائهم، باعتبار الديون، باعتبار كذلك عدد النساء، وأشياء كثيرة. يعني: كان في زمن السابق يقولون مثلا: فلان على فلان دين، كم المدة؟ المدة مثل ثلاثة أهلة، أربع أهلة، أو كذا وكذا شهر. وبماذا يعرفون الشهر؟ بالأهلة. وقد ذكروا أنهم سميوا: أن الهلال سمي «أهلة». سميت «أهلة»، ومفردها «هلال». قالوا: لأن الناس كانوا إذا رأوا الهلال هللوا. إذا رأوا الهلال هللوا. وقد يكون من لفظ «هلال» نفسه. قد يكون من لفظ ماذا؟ الهلال نفسه. فشاهدوا من هذا: أن الله جل وعلا قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْهِلَالِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. ثم قال: ﴿وَالْحَجِّ﴾، أي: كذلك مواقيت للحج. فمن باب ذكر الخاص بعد ماذا؟ العام؛ لأن قول الله جل وعلا: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يدخل فيها ماذا؟ كل ميقات: شهر رمضان، الحج، وغيرها من الأمور الدينية أو الدنيوية. فهذا الشاهد من هذا: أن هذا سبب لأجله أنزل الله جل وعلا هذه الآية. قال: أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير، مثل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآيات. نزلتا في رجل من المنافقين. قال: في غزوة تبوك، في مجلس: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء» -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابه- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن. فجاء الرجل يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فيجيبهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. هذا أيضا سبب آخر. يعني: السبب من الأسباب: أن يكون أن ينزل القرآن جوابا على سؤال، كما في الحالة الأولى. الحالة الثانية: أن ينزل بما ذلك أمر عظيم، حادثة تحصل، فيبين الله جل وعلا حكمها، يبين الله جل وعلا حكمها للناس. ومنها هذا الأمر، منها هذا الأمر: حينما حصل من بعض الناس شيء من السخرية بماذا؟ برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وحسبوه سهلا، وهو عند الله -وهو عند الله عظيم- وهو عند الله جل وعلا عظيم. من هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. ومنها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى آخر ما ذكر الله جل وعلا من العشر الآيات في سورة النور، في هذا الحكم؛ لبيان ماذا؟ لبيان أمر عظيم، ربما استهان به الناس؛ لأن الله جل وعلا أخبر: أن بعضنا استهان في هذا الأمر. فقال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. فهذا من هذا الأمر. وكذلك هذا الذي ذكره الشيخ، ومثل به الشيخ: من هذا الأمر وقع من بعض الناس هذه الكلمات: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء». هذا يقوله فيمن؟ في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما جاء في الحديث: قال الرجل الذي أراد أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بما سمعه: فما -قال- فكان الوحي أسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مني. الرجل جاء إلى رسول الله ليخبروه بما سمع، فما وصل الرجل -حتى أنزل الله جل وعلا الوحي على نبيه صلى الله عليه وسلم- وجاء الحكم في هؤلاء. والشيء من هذا: أن هذا من أسباب النزول. أو قل: هذه آيات نزلت لسبب. ما هو السبب؟ حادثة عظيمة، بين الله جل وعلا حكمها، بين الله جل وعلا حكمها: تحذيرا من الوقوع فيها. وها هنا مسألة يذكرها العلماء رحمه الله تعالى: وهي: هل هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمات: هل هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمات كانوا منافقين، أو كانوا مسلمين؟ كانوا منافقين أو كانوا مسلمين؟ بعض أهل العلم ذهب إلى أنهم كانوا منافقين اعتقاديين، وإنما قالوا ما قالوا باعتبار ما كانوا يظهرونه من الإيمان. وذهب آخرون -وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- كما في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»، أو في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: ذهب إلى أن هؤلاء كانوا مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف. مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف. فحصل منهم الردة بتلك الكلمة، بتلك الكلمة؛ لأن الله جل وعلا قال ماذا؟ قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فأثبت الله جل وعلا لهم الإيمان. والمنافق لا يقال فيه: بأنه مؤمن؛ لأن المنافق إذا قيل: إنما يقال فيه: «أسلم»؛ لأن ظاهره ماذا؟ يظهر الإسلام، ويبطن ماذا؟ الكفر. أما الإيمان إذا أطلق: فإنه يتبادل إلى إيش؟ إلى الباطن. والمنافق في باطنه إيش؟ مؤمن أو كافر؟ كافر. واضح. قلنا: وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، كما في آخر كتاب «كشف الشبهات». ومن المعاصرين كذلك العلامة الشيخ الفوزان -حفظه الله تعالى- ورحم الله علماءنا جميعا. شاهدنا في المسألة قولان، وكل أدل بدلوه. لكن أظهر -والله أعلى وأعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذلك. قال رحمه الله تعالى: أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه، مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الآيات. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: يعني: من الأشياء التي هي أسباب لنزول القرآن: أن يحصل أمر، أن يحصل أمر يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى بيان، ومعرفة حكم. يحتاج إلى بيان، ومعرفة حكم؛ كما ذكر الله جل وعلا في قصة مجادلة خولة رضي الله عنها: أن خولة بنت حكيم «المجادلة» جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله جل وعلا هذه الآيات من سورة «قد سمع» -من سورة المجادلة- بل سميت سورة بماذا؟ باسم هذه المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. فهذا -كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى- من الأسباب، من أسباب النزول: أن يأتي مستفت، أن يأتي مستفت مستعلم عن حكم ما، فينزل الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم ما هو الحكم في ذلك، ما هو الحكم في ذلك. وذكر كذلك: أن يظهر الله جل وعلا كمال علمه وسمعه وبصره. ومنه أيضا ما جاء كذلك في أمر اليهود الذين أخبروا وقالوا: بأن الله جل وعلا إيش؟ فقير. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخر ما ذكره الله جل وعلا. وفي هذا كذلك أشياء وأشياء كثيرة. ولكن -كما سمعتم- أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذه الأشياء على سبيل ماذا؟ على سبيل تمثيل، على سبيل التمثيل. فنعلم من هذه الأمور: أن القرآن منه ما نزل ابتداء لغير سبب، ومنه ما نزل لإيش؟ لسبب. إما سؤال -يعني استفهام واستعلام- وإما أحيانا كذلك قد يكون سؤال ماذا؟ سؤال فيه نوع من ماذا؟ من التهكم. وسؤال فيه نوع من التعجيز، ونحو ذلك؛ كما جاء عن اليهود حينما سألوا عن الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. فالروح من أمر الله عز وجل. فالشيء من هذا: أن هذه من الأسباب، وهي مختلفة وكثيرة. وأشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى شيء منها. نكتفي بهذا القدر. إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.