الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 3، الدرس الثالث:من( 2-والمندوب لغة:المدعو ... أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاًً بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأحكام الشرعية الخمسة: الواجب، المندوب، المحرم، المكروه، والمباح، مع التركيز على تعريف كل منها وتطبيقاتها. كما يوضح معاني المندوب والمحرم والمكروه في الشريعة الإسلامية.
يتناول المقطع شرح الأحكام الوضعية مثل الصحة والفساد، ويشرح معنى الصحة في العبادات والعقود، حيث يشترط لصحة الشيء تمام شروطه وانتفاء موانعه.
يعطي المقطع أمثلة على الصحة في العبادات مثل الصلاة، وفي العقود مثل البيع، ويوضح حكم البيع وقت صلاة الجمعة لمن لا تلزمه الجمعة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: الكلام عن أحكام التكليف، والمندوب، وغير ذلك. قال: والمندوب لغة المدعو، يعني في اللغة بمعنى المدعو، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه في سبيله إلا ابتغاء مرضاتي، فهو على ضامن أن أرجعه إلى مسكنه بما أجر أو غنيمة» يبغي في الصحيحين: «انتدب الله» يعني دعا الله لمن فعل ذلك أن يكون له هذا الأجر وهذا الثواب. قال: واصطلاحا ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام، كالرواتب. فخرج بقولنا «ما أمر به الشارع» المحرم والمكره والمباح، وخرج بقولنا «لا على وجه الإلزام» الواجب. فالمندوب ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام، كالرواتب، يعني كالسنن الرواتب، فهي مأمور بها، لكن ليس أمر وجوب، ولكن أمر استحباب. فقوله «ما أمر به الشارع» خرج به المحرم والمكره والمباح؛ لأن المحرم نهى عنه، والمكره كذلك نهى عنه، والمباح ليس فيه أمر ولا نهي. وخرج بقولنا «لا على وجه الإلزام» الواجب؛ لأن الواجب مأمور به على وجه الإلزام. قال: والمندوب يثاب فاعله امتثالا، ولا يعاقب تاركه. يثاب فاعله امتثالا، ولا يعاقب تاركه إذا فعل المندوب والمستحب فعله امتثالا لأمر الشرع، فإنه يثاب على ذلك، لكن إذا قصد الامتثال كما أمر، ما يفعله رياء ولا سمعة ولا آخر ذلك، هنا يثاب على فعله. وإذا تركه لا يعاقب على تركه؛ لأنه ليس بواجب. ومع ذلك لا ينبغي التساهل في ترك المندوب؛ لأن ذلك سبب ربما في التساهل في الواجب. سبب التساهل في الواجب، والمحافظة على المندوبات سبب للمحافظة على الواجبات، فينبغي للمسلم أن يحرص عليها، وعلى طالب العلم على وجه الخصوص. قال: ويسمى سنة ومسنونا ومستحبا ونفلا. أي يسمى المندوب سنة ومسنونا ومستحبا ونفلا. كل هذه الألفاظ لمسمى واحد وهو المندوب. ولا يفرق بين السنة وبين المستحب، أو بين المستحب والندب. الذين فرقوا بينهم هم الحنفية. الحنفية فرقوا بين السنة وبين المستحب. قالوا: السنة ما ثبت من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأما المستحب ما ثبت من قوله. والصحيح أنه لا فرق بينهما. قال: والمحرم لغة الممنوع. واصطلاحا ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك. كعقوق الوالدين. فخرج بقولنا «ما نهى عنه الشارع» الواجب والمندوب والمباح. وخرج بقولنا «لا على وجه الإلزام بالترك» المكروه. قال: والمحرم يثاب تاركه امتثالا، ويستحق العقاب فاعله. ويسمى محظورا أو ممنوعا. قال: المحرم لغة الممنوع، هذا معناه في اللغة. ومنه قول الله ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ يعني منعناه. قال: واصطلاحا ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك. على وجه الإلزام بالترك جاء فيه النهي في الشرع على وجه الإلزام بتركه، فهذا هو المحرم، كعقوق الوالدين. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقوق الوالدين، فالنهي على وجه الإلزام، ودل عليه كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». فذلك على أنه من الكبائر. ولأن الأصل في النهي أنه للتحريم. قال: فخرج بقولنا «ما نهى عنه الشارع» الواجب والمندوب والمباح؛ لأن الواجب لم ينه عنه، وإنما أمر به. والمندوب كذلك لم ينه عنه. والمباح لم يأت فيه أمر ولا نهي. وخرج بقولنا «على وجه الإلزام بالترك» المكروه؛ لأن المكروه ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك. نهى عنه لكن نهيا خفيفا، ليس نهي تحريم، إنما نهي تنزيه كما سيأتي. قال: والمحرم يثاب تاركه امتثالا، ويستحق العقاب فاعله. هذا ثمرة المحرم. يثاب تاركه امتثالا إذا ترك المحرم امتثالا لأمر الشرع، فإنه يثاب. هذا إذا خطر الحرام في باله، وفكر فيه، ثم تركه، فإنه يثاب على تركه له. لكن إذا لم يخطر بباله، ما فكر فيه أبدا، هذا لا يثاب. قال: ويستحق العقاب فاعله. وقوله «امتثالا» يدل على حصول الثواب إذا تركه لأجل الله سبحانه وتعالى، لم يتركه عجزا. كأن يكون مثلا عازما على فعل هذا الحرام، فنواه بقلبه، وعزم على فعله، لكن عجز، إما لعجز من استطاعته، أو لخوف من رؤية أناس، أو نحو ذلك، فهذا يأثم ولا يؤجر؛ لأنه لم يتركه امتثالا، وإنما تركه عجزا. قال: والمكروه لغة المبغض. يعني المبغض إلى النفس أو إلى الشخص. فهو مكروه. كل ذلك كان سيئا عند ربك. مكروه، مع أن المكروه يطلق ويراد به التحريم كما في هذه الآية. أطلق وورد به معنى التحريم. لكن معناه في اللغة بمعنى المبغض، الشيء البغيض الذي تبغضه النفوس. ومن قولهم: «حرب بغيضة» يعني مكروهة. قال: واصطلاحا ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك. كالأخذ بالشمال والإعطاء بها. ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام، جاء فيه النهي، لكن النهي ليس على وجه الإلزام، إنما على وجه الاستحباب والأفضل. فهذا يسمى مكروها. يسمى نهي تنزيه ونهي كراهة. كالأخذ بالشمال والإعطاء بها. ليس محرما، لكن يكره، الأفضل ألا يفعل ذلك. قال: فخرج بقولنا «ما نهى عنه الشارع» الواجب والمندوب والمباح؛ لأن الواجب ما أمر به. والمندوب كذلك ما أمر به. والمباح ليس فيه أمر ولا نهي. وخرج بقولنا «لا على وجه الإلزام بالترك» المحرم؛ لأن المحرم كما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام. قال: والمكروه يثاب تاركه امتثالا، ولا يعاقب فاعله. المكروه يثاب تاركه امتثالا. إنسان ترك هذا المكروه امتثالا لأمر الشرع، فإنه يثاب. يثاب على تركه. مثلا الشرب قائما مكروه، فهو يحرص على أن يشرب جالسا. هل يثاب على ذلك؟ الجواب نعم، إذا فعل ذلك امتثالا لنهي الشرع، فإنه يثاب. ولا يعاقب فاعله، يعني لا يعاقب على فعل المكروه. لو شرب قائما، أو أخذ وتناول بالشمال، ليس بحرام، لكن خلاف الأفضل. قال، وكذلك أيضا ما قيل في المستحب وعدم التهاون به، كذلك يقال في المكروه. ينبغي أن لا يتهاون في ارتكاب المكروهات؛ لأن التهاون فيها ربما يكون سببا بعد ذلك في التهاون في المحرمات. بل يحرص ما استطاع على ترك المكروهات. قال: والمباح لغة المعلن والمأذون فيه. هذا في اللغة. المباح لغة المعلن والمأذون فيه. قال: مثلا: «أباح فلان سره» يعني أعلنه. وهذه مثلا «أرض مباحة» يعني مأذون فيها. قال: واصطلاحا ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته. كالأكل في رمضان ليلا. ما لا يتعلق به أمر ولا نهي. لم يأت فيه أمر بفعله، ولم يأت فيه نهي بتركه. وقوله «لذاته» سيأتي. قال: كالأكل في رمضان ليلا. يعني الأكل في ليالي رمضان مباح. هل يجب أن تأكل في ليالي رمضان؟ الجواب لا. وهل يحرم؟ الجواب لا. إذن هو مباح. إن شئت أكلت، وإن شئت لم تأكل، هو مباح. قال: فخرج بقولنا «ما لا يتعلق به أمر» الواجب والمندوب؛ لأن الواجب والمندوب قد تعلق به الأمر. وخرج بقولنا «ولا نهي» المحرم والمكروه؛ لأن المحرم والمكروه تعلق به النهي. وخرج بقولنا «لذاته» ما لو تعلق به أمر لكونه وسيلة للمأمور به، أو النهي لكونه وسيلة لمنهي عنه. فإن له حكم ما كان وسيلة له من مأمور أو منهي. قال: ولا يخرجه ذلك عن كونه مباحا في الأصل. وهذا معنى قول القاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد». فإذا كان المباح وسيلة لمأمور به، صار مأمورا به. وإذا كان وسيلة لمنهي عنه، صار منهي عنه. مثلا: شراء العنب مباح. إذا رأى الإنسان يشتري ليأكله، فمباح. فإذا اشترى العنب لكي يصنع منه خمرا، فما حكم شراءه؟ هنا الآن صار شراءه حرام. صار شراءه حرام؛ لأنه وسيلة إلى فعل المحرم. فأخذ المباح حكم الوسيلة أو المقصد. صار وسيلة إلى فعل المحرم، فأخذت الوسيلة حكم المقصد، فصار شراءه له حرام. قال: ومثله السلاح. مثلا شراءه مباح. فإذا اشتراه ليقتل به إنسانا، صار شراءه له حرام. مع أنه مباح في الأصل، لكن لما تعلق بمقصد محرم، صار حكم التحريم. وهكذا في سائر ما كان بمعنى ذلك. قال: وهكذا أيضا في الواجب. مثلا نفس المثال. مثلا شراء السلاح مباح. فإذا أراد أن يشتري ليجاهد به أعداء الله سبحانه وتعالى، صار شراءه مستحبا. وقد يكون واجبا إذا لم يمكن إلا بذلك. قد يصير واجبا. وهكذا أيضا ما كان لمعنى ذلك من أمثلة. قال: فإن الوسيلة تأخذ حكم المقصد. فما كان وسيلة للحرام، فهو حرام. وما كان وسيلة لمأمور به، فهو مأمور به. قال: والمباح ما دام على وصف الإباحة، فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب. يعني إذا لم يصر وسيلة، فهو لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب. إذا فعله فلا يثاب على فعله، وإذا تركه فلا يعاقب على تركه. قال: ومع ذلك إذا تعلقت به النية الصالحة والصادقة، فإنه قد يثاب على فعله. المباح يثاب على فعله. مثلا النوم مباح. فإذا نام مبكرا، ونوى بهذا النوم التقوي للعبادة والاستيقاظ مبكرا لأداء صلاة الفجر، فإنه يؤجر على هذه النية. مع كون النوم مباحا، لكن يؤجر على نومه بسبب نيته. قال: والأكل مباح. فإذا أراد بهذا الأكل ونوى التقوي به للطاعة والعبادة، أجر على أكله وشربه. مع أنه في الأصل مباح. وهكذا أيضا الجماع. مثلا جماع رجل أهله مباح. فإذا نوى به العفاف، فإنه يؤجر ويثاب على ذلك. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال: ويسمى حلالا وجائزا. يعني يسمى المباح حلالا، ويسمى جائزا. فكل هذه من ألفاظ المباح. قال: الأحكام الوضعية. هذه الآن التي مرت معنا هي الأحكام الشرعية خمسة أحكام. قلنا: أخذت وذكرت بالاستقراء. فإذا قال قائل: كيف أدخل المباح مع هذه الأحكام مع أنه لا يتعلق به حكم، ليس فيه أمر ولا نهي؟ فكيف أدخل من ضمن الأحكام؟ الصيح في هذا: أنه أدخل المباح لكونه إذا تعلق أو صار وسيلة إلى ما أمر به أو نهى عنه، أخذ حكم المقصد، فيتعلق به الحكم إذا كان وسيلة. فأدرج في ضمن هذه الأحكام. قال: الأحكام الوضعية. قال: الأحكام الوضعية ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت أو انتفاء أو نفوذ أو إلغاء. قال: ما وضعه الشارع، يعني الشرع، الكتاب أو السنة، من أمارات، يعني علامات، لثبوت، يعني ثبوت حكم من الأحكام، أو انتفاء، أي انتفاء هذا الحكم، أو نفوذ، أو إلغاء، يعني نفوذ هذه العبادة أو المعاملة، أو كذلك إلغاء هذه العبادة أو المعاملة. فهذا يسمى حكما وضعيا. يسمى حكما وضعيا. قالوا: منه الصحة والفساد. يعني الصحة والفساد من الأحكام الوضعية. والأحكام الوضعية كثيرة: الأسباب، والشروط، والموانع، والرخصة، والعزيمة، إلى آخر ذلك، كثيرة. لكن المؤلف رحمه الله اقتصر على ذكر الصحة والفساد. فالصحة والفساد من الأحكام الوضعية. قال: فالصحيح لغة السليم من المرض. الصحيح لغة السليم من المرض. خلق صحيح، يعني سالم من المرض. قال: واصطلاحا ما ترتبت آثار فعله عليه، عبادة كان أم عقدا. فالصحيح من العبادات ما برئت به الذمة، وسقط به الطلب. والصحيح من العقود ما ترتبت آثاره على وجوده. كترتب الملك على عقد البيع مثلا. قال: ولا يكون الشيء صحيحا إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه. يقول: الصحيح ما ترتبت آثار فعله عليه، سواء كان عبادة أو عقدا. فصحيح من العبادات ما برئت به الذمة، وسقط به الطلب. هذا هو أثر العبادة. كالصلاة مثلا. أمر بها الشرع. فإذا صلى الإنسان الصلاة، وأتى بها بشروطها وواجباتها، وانتفت موانعها، فنقول: هذه صلاة صحيحة. قال: وما معنى «صحيحة»؟ معنى «صحيحة»: أي برئت بها ذمته، وسقط بفعله لها الطلب. يعني لا يطالب بفعل الصلاة هذه؛ لأنه قد أتى بها، وبرئت بها ذمته. يعني لم يتعلق بها ذمته؛ لأنه قبل أداء الصلاة، ذمته معلقة بفعلها. فإذا فعلها، برئت الذمة. لا يبقى مأمورا بها. قال: وهكذا أيضا العقود. فالصحيح من العقود ما ترتبت آثاره على وجوده. كترتب الملك على العقد البيع. عقد البيع ما هي ثمرة أو آثار هذا العقد إذا كان صحيحا؟ هو ترتب الملك، انتقال الملك من يد البائع إلى يد المشتري. قال: باع رجل سلعة، واشتراها المشتري منه، وتم العقد على وجه الشرع الصحيح. وجدت الشروط، وانتفت الموانع. هذا يسمى ماذا؟ يسمى عقدا صحيحا. يسمى عقدا صحيحا. ما الذي ترتب على هذا العقد؟ ترتبت آثاره عليه، بانتقال الملك من البائع إلى المشتري. فيسمى هذا عقدا صحيحا. قال: ومثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها، تامة شروطها وأركانها وواجباتها. إذا أتى بالصلاة في وقتها، صلى في الوقت، بشروطها وأركانها وواجباتها، هذا يسمى صلاة صحيحة. قال: ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعا تامة شروطه المعروفة، مع انتفاء موانعه. بيع تام شروطه، يملك المبيع، وهكذا أيضا يقدع تسليمه إلى آخر ذلك من شروط. وليس هناك موانع، وتم هذا العقد، فهو عقد صحيح. سم عقدا صحيحا. قال: فإن فقد شرط من الشروط، أو وجد مانع من الموانع، امتنعت الصحة. فمثال فقد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة. إنسان صلى صلاة، باطمئنان وخشوع، لكن بلا طهارة. هل تصح صلاته؟ ما تصح. لماذا؟ هنا فقد شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة. قال: ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع ما لا يملك. مشروط في البيع أن يبيع ما يملك، يكون شيئا يملكه. فإذا باع شيئا ما يملكه، فهذا بيع ليس بصحيح، ليس بعقد صحيح. قال: ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي. أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي. نفل مطلق في وقت النهي، يعني ليس له سبب. نفل ليس له سبب من الأسباب. فهذا لا يجوز أن يتنفل الإنسان بنفل مطلق في وقت نهي. أوقات النهي خمسة: بعد الفجر، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند زوال الشمس. هذه خمسة أوقات نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها. قال: فهل للإنسان أن يتنفل في مثل هذه الأوقات بنفل مطلق؟ يأتي ويقول: أن أتعبد لله سبحانه وتعالى، مثلا بعد الفجر، سأصلي لله سبحانه وتعالى ما تيسر من الركعات. نقول له: لا يجوز ذلك. لماذا؟ نقول له: هذا الوقت منهي عن الصلاة فيه. فهذا مانع من صحة العبادة في مثل هذا الوقت. بل ربما يأثم، لا يؤجر، بل يأثم على فعله لهذه العبادة في هذا الوقت. قال: فقوله «بنفل مطلق» يدل على ما إذا كان النفل ليس مطلقا، لكن لسبب، فلا بأس به، ولو في وقت نهي. مثل: صلاة ركعتي الفجر إذا فاتته، مثلا ما صلاها قبل الفجر، فله أن يصليها بعد الفجر. أو صلاة تحية المسجد إذا دخل، مثلا بعد الفجر، أو بعد العصر، فله أن يصلي، ولا شيء عليه. وهكذا يقول في سائر الصلوات ذوات الأسباب: صلاة الجنازة، صلاة الكسوف، إلى آخر ذلك. وإنما النهي إذا كان نفلا مطلقا. هذا مانع. فعل النفل المطلق في وقت النهي مانع من موانع صحة العبادة. قال: ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئا بعد ندائها الثاني، على وجه لا يباح. أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئا بعد ندائها الثاني. من تلزمه الجمعة، يعني المكلف البالغ العاقل المقيم القادر. فتلزمه الجمعة. ليس له أن يبيع ويشتري بعد نداء الجمعة. قال: وقول الشيخ رحمه الله «بعد ندائها الثاني». فالشيخ رحمه الله كان يرى جواز أو مشروعية أذانين لصلاة الجمعة. والصحيح أن الجمعة لها أذان واحد فقط، كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر. وأما فعل الأذان الثاني، فهو اجتهاد من عثمان رضي الله تعالى عنه. لكن المقصود إذا حصل هذا البيع بعد الأذان، أذان الجمعة. قال: فقال «على وجه لا يباح». ففعل هذا البيع لا ينعقد؛ لأن فعله في مثل هذا الوقت مانع من صحة البيع. مانع من صحة البيع. وقول «على وجه لا يباح» يعني إذا كان على وجه يباح، فلا بأس، ويصح. إذا كان مثلا مضطرا. إنسان جاء وقت الجمعة، وما عنده ماء، وأراد أن يتوضأ، ويوجد من يبيع الماء، فهنا ماذا؟ هل يشتري أم لا؟ الجواب: يشتري؛ لأنه مضطر. والضرار تبيح المحظورات. فله أن يشتري. أو هكذا إذا أراد أن يشتري عورته، ولا يمكن إلا بشراء ما يشتري. بيع عورته بعد النداء الجمعة، فيشتري، ولا شيء عليه. قال: لكن إذا كان لا لحاجة ولا ضرورة، هذا الذي ماذا؟ لا ينعقد بيعه؛ لوجود المانع، وهو النهي عن البيع في هذا الوقت. وقول «من تلزمه الجمعة» يخرج به من لا تلزمه، فيصح بيعه وشراؤه، كالمرأة مثلا، أو صبي. فهذا لا تلزمه الجمعة. فإذا باع في مثل هذا الوقت، يصح بيعه.