الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 14، الدرس الرابع عشر:من( 4-الأسماء الموصولة ... كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه ولا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس ببر ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شرح صيغ العموم في القرآن الكريم مثل الأسماء الموصولة والنكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري والمعرف بالإضافة. يُظهر كيف تُستخدم هذه الصيغ للتعبير عن العموم في الآيات القرآنية.
يناقش هذا الفصل أقسام المعرف مثل المعرف بأل الاستغراقية والعهدية، ويبين كيف تؤثر في دلالة اللفظ على العموم. كما يشير إلى ضرورة العمل بعموم اللفظ حتى يثبت تخصيصه.
إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص، وجب العمل بعمومه لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا إذا دل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب. يُستدل على ذلك من القرآن والسنة وفهم الصحابة وتطبيقاتهم العملية كما في حديث أبي هريرة في الصيام أثناء السفر.
بسم الله المقال مؤلف رحمه الله بذكر صيغ العموم، قال: رابعًا: الأسماء الموصولة، فقوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، ﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾، ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾، هذه الآن أسماء موصولة دالة على العموم، ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ "الذي جاء" يشمل كل من جاء بالصدق، فهو عام في الآية، ﴿والذين جاهدوا فينا﴾ كل من جاهد في الله، فهو عام في الآية، ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ أي في كل ما ذكره الله سبحانه وتعالى، فهو داخل في عموم الآية، ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ كل ما في السماوات وما في الأرض لله. قال: خامسًا: النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري، قوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾، ﴿إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا﴾، ﴿من إله غير الله يأتيكم بضياء﴾، يقول: النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ﴿ما من إله إلا الله﴾ أين النفي "ما"، والنكرة "إله"، فهي نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، أي: ليس مع الله سبحانه وتعالى إله. ويقول أهل الأصول: في مثل هذا الموضع، إذا كانت النكرة في سياق النفي مع "من" حرف الجر قبلها، فهي في غاية العموم، تكون مصرًا في العموم، ﴿ما من إله إلا الله﴾، ومثله: "لا إله إلا الله"، قال: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾، هذا الآن نكرة في سياق النهي، النهي "ولا"، و"شيئًا" نكرة، فجاءت النكرة في سياق النهي، فتفيد العموم، يعني: لا تشركوا مع الله سبحانه وتعالى شيئًا، يدخل فيه كل شيء، لا ملك ولا نبي ولا شمس ولا قمر ولا حجر ولا شجر ولا جن إلى آخر ذلك، ﴿ولا تشركوا به شيئًا﴾. قال: ﴿إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا﴾، ﴿إن تبدوا شيئًا أو تخفوه﴾ هذه نكرة في سياق الشرط، "إن" شرطية، و"شيئًا" نكرة جاءت في سياق الشرط، فتفيد العموم، أي شيء تبدونه أو تخفونه، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، ﴿إن تبدوا شيئًا﴾ كبر أو صغر، عظم أو حقر، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، فمر معنا أن أسماء الشرط من ألفاظ العموم، ويزيد العموم قوة مجيء النكرة في سياق الشرط، فهي كذلك مما تفيد العموم. قال: ﴿من إله غير الله يأتيكم بضياء﴾، هنا نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري، الله سبحانه وتعالى ينكر على المشركين اتخاذهم آلهة دون الله سبحانه وتعالى، فيقول: ﴿من إله غير الله يأتيكم بضياء﴾، لو أن الله أذهب بالضياء وجعل الدنيا كلها ليل، ما فيها نهار، ﴿من إله غير الله يأتيكم بضياء﴾ يأتيكم بضوء، استفهام، لكنه استفهام عن إنكار، استفهام عن إنكار، يعني: أن الذي يأتيكم بذلك هو الله سبحانه وتعالى، كيف تعبدون غير الله، تصرفون العبادة لغير الله سبحانه وتعالى؟ فهو استفهام مع الإنكار عليهم على ما يفعلون، ﴿من إله﴾ "إله" نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري، فتفيد العموم. قال: السادس: المعرف بالإضافة، مفردًا كان أو مجموعًا، فقوله تعالى: ﴿فاذكروا نعمة الله عليكم﴾، ﴿فاذكروا آلاء الله﴾، المعرف بالإضافة مما يفيد العموم، سواء كان مفردًا أو جمعًا، ﴿فاذكروا نعمة الله﴾ "نعمة" مفرد، لكن أضيفت إلى لفظ الجلالة، فأفادت العموم، ﴿فاذكروا نعمة الله﴾ يعني: نعم الله كلها، فالمفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم، ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ "عن أمره" مفرد، لكنه مضاف للضمير، فأفاد العموم، يعني: عن أي أمر من أوامره، وهكذا إذا أضيف إلى جمع، ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ يعني: نعم الله، "آلاء" جمع أضيف، فأفاد العموم، ﴿آلاء الله﴾ يعني: جميع نعم الله. قال: السابع: المعرف بأل الاستغراقية، مفردًا كان أم مجموعًا، قال: قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾، ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾، وأما المعرف بأل العهدية، فإنه بحسب المعهود، فإن كان عامًا فالمعرف عام، وإن كان خاصًا فالمعرف خاص، مثال العام: قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾، ومثال الخاص: قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول﴾، يقول: المعرف بأل الاستغراقية، مفردًا كان أم مجموعًا، يعني: الاسم الذي دخلته "أل" الاستغراقية، فتفيد العموم، وسميت استغراقية لأنها تستغرق جميع أفراد جنس هذه الكلمة، أو جميع أفراد الكلمة، وضابطها كما يقول أهل النحو: هو محل أن تحل محلها "كل"، أن يحل محلها "كل"، ﴿خلق الإنسان﴾ يعني: كل إنسان، خلق ضعيفًا، فـ"أل" في "الإنسان" تستغرق جميع أفراد الإنسان، كل من هو إنسان، فهو داخل في هذه الآية أنه خلق من ضعف. ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ "الأطفال" جمع، عرف بأل الاستغراقية، فأفاد العموم، ﴿بلغ الأطفال﴾ يعني: كل طفل، فيدخل فيه جميع الأطفال، قال: وأما المعرف بأل العهدية، لأن "أل" تأتي للاستغراق، وتأتي للعهد الذهني أو الذكري أو الحضوري، فيقول: المعرف بأل العهدية، فإنه بحسب المعهود، فإن كان عامًا فالمعرف عام، وإن كان خاصًا فالمعرف خاص، والمراد طبعًا به هنا العهد الذكري، مثل العام: قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾، ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾، "الملائكة" الآن معرف بأل العهدية، المراد "الملائكة" المعهود ذكرهم، المعهود ذكرهم قبل في قوله: ﴿إذ قال ربك للملائكة﴾، فهل "الملائكة" هنا تفيد العموم أم لا؟ هنا تفيد العموم، لماذا؟ لأن معهودها عام، قوله: ﴿إذ قال ربك للملائكة﴾ يعني: جميع الملائكة، وهنا صارت عائدة على لفظ عام، فتفيد العموم لأن معهودها عام. والخاص: كما في قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول﴾، "الرسول" هنا معرف بأل العهدية، "عصى فرعون الرسول" أي: المعهود ذكره، وهو موسى، وهو موسى، ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول﴾ يعني: الرسول المذكور، وهذا رسول خاص، ولا عام، خاص، فصار هنا لا تفيد العموم، لأن معهودها خاص، واضح، فالاستغراقية تفيد العموم، والعهدية قد تفيده وقد لا تفيده، على حسب معهودها. قال: وأما المعرف بالذي لبيان الجنس، فلا يعم الأفراد، فإذا قلت: "الرجل خير من المرأة" أو "الرجال خير من النساء"، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس، وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال، يعني: يقول: المعرف بالذي لبيان الجنس، لا يعُم جميع الأفراد، فإذا تقول مثلًا: "الرجال خير من النساء"، تريد: جنس الرجال أنه خير من جنس النساء، وهل هذا يشمل جميع الأفراد؟ يعني: جميع أفراد الرجال خير من جميع أفراد النساء؟ الجواب: لا، قد يولد من النساء خير من آلاف الرجال، حيث الأفراد، تولد منهم امرأة هي خير من آلاف الرجال، لكن المقصود: هو الجنس، جنس هذا أفضل من جنس هذا. قال: العمل بالعام، قال: يجب العمل بعموم اللفظ حتى يثبت تخصيصه، لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقضيه دلالتها، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك، الواجب العمل بعموم اللفظ، إذا عندنا لفظ عام، فيجب العمل بهذا العموم حتى يتبين تخصيصه، فلا يجب أن نبحث عن المخصص له، لا نعمل بعمومه إذا لا نعلم له تخصيص، فنعمل بعمومه، فإن ظهر أنه بعد ذلك ما يخصصه، فإنه يخصص هذا اللفظ العام. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، هذا عام، يسري على كل سارق وكل سارقة، ما في تخصيص له، نعمل بعمومه، ﴿الزاني والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، عام، يعمل بعمومه حتى يخصص، ويدل كذلك على ذلك فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم لعمومات الأدلة، فإنهم عملوا بعمومها، وبحثوا عن مخصص لها. قال: وإذا ورد اللفظ العام على سبب خاص، وجب العمل بعمومه، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله، فيختص بما يشبهها، يقول: إذا ورد العام على سبب خاص، وجب العمل بعمومه، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يقع مثلًا فعل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تنزل آيات في حكم هذا الفعل، هل يكون هذا الحكم خاص بسبب النزول، أو من كان سببًا في نزول هذه الآيات، أو أنه عام يشمل سبب النزول، ويشمل غيره؟ الصحيح: أنه عام يشمل السبب الخاص الذي نزل به هذا الدليل، ويشمل كذلك غيره، لأن العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه. مثلًا: آيات الظهار نزلت في أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته، فجاءت آيات الظهار: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ إلى آخر ذلك، هل هذا حكم خاص به، أو أنه عام يشمله ويشمل غيره ممن يفعل مثله؟ الجواب: أنه عام يشمله ويشمل من فعل مثله، لماذا؟ لأن العبرة بعموم اللفظ، لو نظرنا إلى الآيات لوجدناها ألفاظها عامة، ﴿والذين يظاهرون﴾ "الذين" اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم، إذن العبرة بعموم لفظ هذه الآيات والأدلة، فألفاظها عامة، فتفيد العموم، فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها، السبب خاص، صح، نزلت في شخص، لكن العبرة بعموم لفظها. قال: مثال ذلك آيات اللعان نزلت مثلًا في هلال بن أمية حين لعن امرأته، هذا سبب خاص، لكن اللفظ في الآية عام: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ "الذين" اسم موصول، فالعبرة بعموم لفظ لا بخصوص السبب، وكذلك في سائر الأدلة التي نزلت في أسباب خاصة، فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها. قال: ومثال ما دل على تخصيصه آيات الظهار، فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت، والحكم عام فيه وفي غيره، لماذا؟ لأن ألفاظها عامة كما قلنا: ﴿والذين يظاهرون﴾، هذا دليل ما دل على تخصيصه، ومثال ما دل على تخصيصه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر"، فإن سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه - يعني: أغمي عليه - فازدحم عليه الناس وظلل، فقال: "ما هذا؟" قالوا: "صائم"، قال: "ليس من البر الصيام في السفر"، فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل، وهو من يشق عليه الصيام في السفر، والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه، ولا يفعل صلى الله عليه وسلم ما ليس ببر، واضح، هذا الآن دليل دلنا على تخصيص هذا العام بما يشبه حال السبب. قال: ومثال ما دل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب، قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر"، رجل ظلل عليه - أغمي عليه - من شدة التعب من الصيام، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، هذا لفظ عام، أن الصيام في السفر ليس من البر، ليس "من الطاعة" ولا "قربة"، طيب هل نقول: هل العبرة بعموم اللفظ هنا؟ فلا يشرع الصيام في كل سفر؟ الجواب: لا، بل دل الدليل على تخصيص هذا العموم بهذه الحالة، وهو من كانت حالته تشبه حالة هذا الرجل، يصوم فيشق عليه الصيام، وهنا صومه ليس من البر، صيامه ليس من البر، ما دل على هذا التخصيص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر، والصحابة كانوا يصومون، وما كان ينكر عليهم ذلك، كما قال أبو الدرداء، وأبو هريرة رضي الله عنهما: "كلا، كنا نسافر، منا الصائم ومنا المفتر، فلا ينكر الصائم على المفتر، والمفتر على الصائم"، دل على جواز الصيام في السفر، فدل على أن المراد بهذا العموم: خصوص من كانت حالته كحالة هذا الرجل، فالصوم بالنسبة له ليس من البر، ليس من البر الصيام في السفر. وإلا في الأصل أننا نبقى على ظاهر أو عموم اللفظ، إلا إذا دل دليل على تخصيصه، تخصيصه، طيب، نقيم إن شاء الله هنا، ونقيم لأسه القادم، والله تعالى على كل شيء قدير.