الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 15، الدرس الخامس عشر:من( الخاص ... فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
هذا الفصل يشرح تعريف الخاص لغة واصطلاحا ومعنى التخصيص وأنواع دليل التخصيص. يفرق بين ذكر بعض أفراد العام وإخراج بعضهم.
يناقش هذا الفصل الاستثناء كأسلوب تخصيص ويشترط لصحة الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكما. يبين شروط صحة الاستثناء.
هذا الفصل يناقش الشرط كأداة تخصيص متصلة ويشرح تعليق شيء بشيء وجودا أو عدما. يوضح دلالة الشرط على التخصيص ويقدم أمثلة من القرآن الكريم.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مذل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدا عبده ورسوله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخاص قال تعريفه الخاص لغة: ضد العام. ومر معنى أن العام هو معنى الشمول، تقول: عممت زيدا وعمرا بالعطاء، شملتهما. فالخاص ضد العام، واستلحا اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام والإشارة والعدد. هذا تعريف الخاص في الاستلحاق، فهو لفظ دال على محصور، يعني على حصر، فليس هو بلفظ عام يشمل أفرادا متعددة، وإنما لفظ يدل على حصر، إما بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام أو الإشارة والعدد. بالشخص، مثلا، كنت تقول: أعطي محمدا، أو أعطي عليا، فهذا خاص، حصرت الآن الإعطاء لشخص معين. أو عدد، كنت تقول مثلا: أعطي خمسة فقراء، أو مئة فقير، أو ألف فقير، هذا خاص لأنه محصور بعدد. أو أسماء الأعلام والإشارة لإسماء الأعلام، كما مر: محمد، زيد. والإشارة مثل هذا، تقول: أعطي هذا، أو أكرم هؤلاء، فهذا خاص. قال: فخرج بقولنا على محصور العام، لأن العام لا يدل على محصور. والتخصيص لغة: ضد التعميم. واصطلاحا: إخراج بعض أفراد العام. هذا هو التخصيص، إخراج بعض أفراد العام. فالتخصيص هو أن تخرج بعض أفراد العام، لأن العام يشمل بعمومه جميع الأفراد، يشمل بعمومه جميع أفراد هذا العام. فإذا أخرجت بعض الأفراد من هذا العموم، فهو التخصيص. مثلا، إذا قلت: أكرم الطلاب إلا زيدا، أكرم الطلاب إلا زيدا، فزيد هو أحد الطلاب، فأنا أخرجته من هذا العموم، هو عموم الإكرام، فصار زيد مخصّصا. ومثله مثلا أن تقول: اعط الفقراء إلا عليا، فعلي خصص من بين هؤلاء الفقراء بعدم الإعطاء. وهناك فرق بين إخراج بعض أفراد العام وبين ذكر بعض أفراد العام، فذكر بعض أفراد العام لا يفيد التخصيص، وإنما التخصيص هو بإخراج بعض أفراد العام. فمثلا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، هل هذا تخصيص؟ الجواب: لا، هذا ذكر بعض أفراد العام، لأن الصلاة الوسطى هي أحد الصلوات الخمس، فتخصيصها بالذكر هو لأجل فائدة وبيان أهمية هذه الصلاة، لكنها ليس بتخصيص. ومثله إذا قلت: أكرم الطلاب وزيدا، أكرم الطلاب وزيدا، فالآن أمرت بإكرام جميع الطلاب، ومن ضمنهم زيد، فذكر زيد في هذا الموضع ليس هو تخصيصا، وإنما هو ذكر بعض أفراد العام، لأنه داخل في الإكرام من بين الطلاب، لكن خص بالذكر لمزيد أهمية وشرف له عن غيره. وضابط ذلك الذي يفرق به بين ذكر بعض أفراد العام وبين إخراج بعض أفراد العام هو: إن اختلف الحكم، فهو التخصيص، وهو إخراج بعض أفراد العام. وإن اتفق الحكم، فهو ذكر بعض أفراد العام. فعندما أقول: أكرم الطلاب إلا زيدا، هنا اختلف الحكم، في الأول إكرام للطلاب، ثم استثناء زيد من عدم الإكرام. لكن أكرم الطلاب وزيدا، الحكم واحد، إكرام الطلاب وإكرام زيد، فهذا ذكر بعض أفراد العام. إذن التخصيص هو إخراج بعض أفراد العام. قال: والمخصص بكسر الصاد: فاعل التخصيص، وهو الشارع، يعني الشرع المشرع لذلك، وهو الله سبحانه وتعالى، أو الرسول صلى الله عليه وسلم. ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص، يعني كذلك الدليل الذي حصل به التخصيص يقال له مخصص، فيطلق المخصص على فاعل التخصيص وعلى الدليل الذي حصل به التخصيص. قال: ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل، فالمتصل ما لا يستقل بنفسه، والمنفصل ما يستقل بنفسه. المتصل ما لا يستقل بنفسه، يعني يكون في نفس النص الذي فيه العموم، فيأتي اللفظ العام ثم يأتي التخصيص في نفس النص. ومنفصل يأتي العموم في نص والتخصيص في نص آخر، وسيأتي تفصيل ذلك. قال: فمن المخصص المتصل أولا: الاستثناء، وهو لغة من الثني، وهو رد بعض الشيء إلى بعضه، كثني الحبل، فيقال: الحبل الثني، يعني يرد بعضه على بعض. وهذا معنى الاستثناء في اللغة، وهو رد بعض الشيء إلى بعضه. واصطلاحا: اخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، فخرج بقولنا بإلا أو إحدى أخواتها التخصيص بالشرط وغيره. فالآن الاستثناء قال: اخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها. ومر معنا أن التخصيص هو إخراج بعض أفراد العام، لماذا يخرج؟ قال: بإلا، هذا الاستثناء، يعني يكون الاستثناء بأداة الاستثناء إلا أو إحدى أخواتها، يعني التي تعمل عمل إلا، مثل غير والسواء وخلاء وعداء وحاشاء وغيرها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، الإنسان لفظ عام، كل إنسان في خسارة، ثم استثنى الله سبحانه وتعالى بذلك أهل الإيمان والعمل الصالح، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآية. والاستثناء كما يقول أهل العلم هو معيار العموم، إذا وجدت نصا فيه استثناء فاعلم أنه عام. فالآن لما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، خرج من هذه الخسارة أهل الإيمان والعمل الصالح، ومن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. قال: شروط الاستثناء، يشترط لصحة الاستثناء شروط، منها أولا: اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكما، لابد أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه، أو الاستثناء لابد أن يكون متصلا، يتصل المستثنى بالمستثنى منه إما حقيقة أو حكما. قال: فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه، بحيث لا يفصل بينهما فاصل، فهذا يسمى استثناء حقيقيا، مثل إذا قلت: عبيدي أحرار إلا محمدا، هذا يسمى استثناء حقيقيا، لأنه حصل مباشرة من غير فاصل. قال: والمتصل حكما: ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه، كالسعال والعطاس، إذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه، فهذا له حكم الاتصال، مثل أن تقول: عبيدي أحرار، ثم يأتيك كحة أو عطاس، ثم تقول: إلا زيدا، وهنا يصلح الاتصال ويكون له حكم الاتصال، هذا معنى قولهم متصل حكما، يعني له حكم الاتصال، لأن الفاصل الذي فصل بين المستثنى ومستثنى منه فاصل عارض. قال: فإن فصل بينهما فاصل أو سكوت لم يصح الاستثناء، مثل أن يقول: عبيدي أحرار، ثم يسكت أو يتكلم بكلام آخر، ثم يقول: إلا سعيدا، فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع. وقيل: يصح الاستثناء مع السكوت أو الفاصل، إلى الآن الكلام واحدا، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه»، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر». وهذا القول أرجح لدلالة هذا الحديث عليه، يعني الآن عندنا قولان، فإذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه فاصل، فإن كان هذا الفاصل بكلام لا يتعلق بالاستثناء، وكذلك أيضا أو كان كذلك سكت بعد أن تكلم وأتى باللفظ العام ثم استثناء بعد ذلك، فقال بعض العلماء هنا لا يصح الاستثناء. وقال بعضهم: إذا كان الكلام واحدا، يعني متعلق بما أريد الاستثناء منه، فيصح، لحديث ابن عباس، وهو الصحيح. فالنبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر حرمة مكة، فقال: «لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه»، فأعم النبي صلى الله عليه وسلم الحكم في جميع أشجارها، فقال العباس: «إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لقينهم وبيوتهم»، يعني مما يستعمله الحداد في إشعال النار، وكذلك مما يستخدم في البيوت في السقف، في سقف البيوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر»، فاستثناء بعد كلام، بعد كلام العباس، فكلام العباس فصل بين المستثنى ومستثنى منه، ومع ذلك صح الاستثناء لأن الكلام كان واحدا، يعني يتعلق بشيء واحد، فصح. وهذا هو القول كما قلنا هو الصحيح. قال: شرط الثاني: أن لا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، فلو قال له: علي عشرة دراهم إلا ستة، لم يصح الاستثناء ولزمته العشرة كلها، هذا قول لبعض العلماء، أن المستثنى لابد أن يكون أقل من المستثنى منه، فلو قال له: علي عشرة دراهم إلا ستة، لزمته العشرة كلها، لماذا؟ لأن الاستثناء هنا أكبر وأكثر من مستثنى منه. وقال بعضهم: لا يشترط ذلك، كما قال رحمه الله تعالى، فلا يشترط ذلك، فيصح الاستثناء وإن كان المستثنى أكثر من النصف، فلا يلزمه في المثال المذكور إلا أربعة، وهذا هو الصحيح، فعندما تقول له: علي عشرة دراهم إلا ستة، فلا يلزمه إلا أربعة. قال: أما إن يستثنى الكل فلا يصح على القولين، يعني لو قال له: علي عشرة إلا عشرة، فتلزمه العشرة كلها، ويكون هذا الاستثناء ملغى كما قال أهل العلم، وبعض من قال: الإجماع على ذلك، لأنه يكون عبثا. لهذا قال: فلو قال له: علي عشرة إلا عشرة، لزمته العشرة كلها. وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل أو الأكثر، يعني هذا الخلاف إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان في النصف وصفة فيصح ولو كان استثناء الكل. قال: مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، قال: وأتبعوا إبليس من بني آدم أكثر من النصف، فالله سبحانه وتعالى هنا استثناء الأكثر، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، يعني الشيطان لا يستطيع أن يتسلط على عباد الله سبحانه وتعالى، هذا عموم، ثم استثنى الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وهذا استثناء الأكثر، لماذا؟ لأن أكثر الناس على غواية، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إذن فهذا استثناء الأكثر. قال: ولو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء، صح الاستثناء ولم يعطوا شيئا، وهذا استثناء للكل، لأنه وصف، أنا قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، استثنيت وصفهم الأغنياء لا يعطون، فإذا كل من في البيت أغنياء، فهنا صح الاستثناء ولم يعط أحد شيئا. قال: ثانيا، يعني من المخصصات المتصلة، قال: الشرط، وهو لغة العلامة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، يعني عن الساعة، على أي علاماتها. ومنه الشرط الشرطة، قيل: سميت بذلك لأنها علامة، لأنها علامة على القيام بما يجب تجاه الناس ونحو ذلك. قال: والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجودا أو عدما، بإن الشرطية أو إحدى أخواتها، هذا هو معنى الشرط، تعليق شيء بشيء وجودا أو عدما، بإن الشرطية أو إحدى أخواتها. مثل مثلا عندما تقول: إن جاء زيد فأكرمه، إن جاء زيد فأكرمه، هذا الآن تعليق الإكرام بمجيء زيد، تعليق الإكرام بمجيء زيد، هذا وجودا. وعدما، كنت تقول مثلا: إن لم يأت زيد فلا تكرمه، أو إن جاء زيد فلا تكرمه، هذا فيه عدم الإكرام. قال: والشرط مخصص، سواء تقدم أم تأخر، يعني لا يشترط في الشرط أن يتقدم، بل يجوز أن يتقدم ويجوز أن يتأخر. مثال متقدم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، فهنا قدم الله سبحانه وتعالى الشرط، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، هذا الشرط، وجوابه: فخلوا سبيلهم. قالوا: مثال متأخر: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، هنا اشترط الله سبحانه وتعالى في مكاتبة السيد لعبده، لعبده إذا أراد أن يكاتبه، فإنه أمر بمكاتبته بشرط أن يعلم فيه الخير، وأخر هنا الشرط، هو قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فهذا من المخصصات المتصلة. ويشترط فيه الشرط أن يكون متصلا حقيقة أو حكما، كما مر في الاستثناء. وكذلك يشترط أن لا يكون خرج مخرج الغالب، أو أن لا يكون بيانا للواقع، أن لا يكون بيانا للواقع، فإن كان بيانا للواقع فلا يدل على الاستثناء أو على التخصيص. مثل مثلا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، فقول الله عز وجل: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، ليس هذا شرط يحصل به التخصيص، ويكون له مفهوم، فيكون مفهومه: إن لم يردن التحصن فلا بأس بإكراههن، لا، لأن هذا خرج بيانا للواقع، والواقع أن هؤلاء الإماء يردن التحصن، فلذا نهى الله سبحانه وتعالى عن إكراههن على الزنا. فإذا كان الشر، كان بيانا للواقع، فلا يدل على التخصيص. طيب، نتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.