الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 19، ألقاها
يتكلم المؤلف عن الأحكام الشرعية الوضعية التي تتلقى من خطاب الوضع والأخبار، ويشرح أن الشرع يضع أمورا مثل الأسباب والشروط والموانع.
خطاب الوضع هو ما وضعه الشرع كالأسباب والشروط والموانع، ويختلف عن خطاب التكليف في أنه إخبار وليس إنشاء، ويمكن التفريق بينهما بفارقين ظاهرين.
خطاب التكليف يتعلق بالأوامر والنواهي ويشترط أن يكون في قدرة المكلف، بينما خطاب الوضع أعم ويتعلق بالأحكام الوضعية مثل الشروط والأسباب، ويمكن أن يجتمع خطاب التكليف والوضع في شيء واحد.
المقطع يتضمن تأكيداً على علو الله تعالى علماً وتقديراً، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم على الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى، على المؤلف رحمه الله. الضرب الثاني من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار، وهو أقسام أيضا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. أوله رحمه الله تعالى، الضرب الثاني من الأحكام، أي من الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية كما مر معنا على ضربين: أحكام شرعية تكليفية، وأحكام شرعية وضعية. وقد فرغنا فيما مضى بحمد الله تبارك وتعالى من الكلام على الأحكام الشرعية التكليفية، والآن نتكلم بإذن الله تبارك وتعالى على الأحكام الشرعية الوضعية. يقول العلامة الشنقيطي: قال المؤلف رحمه الله: «الضرب الثاني من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار». وهذا الخطاب كما أنه يسمى خطاب الوضع، كذلك يسمى خطاب الوضع والأخبار. يسمى خطاب الوضع، أي معنى الوضع. قالوا: فهو أن الشرع وضع، أي شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع، يعرف عند وجودها أحكام الشرع. فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بوجود المانع وانتفاء الأسباب والشروط. فهذا معنى أنه خطاب الوضع. وأما معنى الأخبار، فهو أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه وانتفائها عند وجود تلك الأمور وانتفائها. واضحة. الشرع أخبرنا بوجود ماذا؟ أحكام شرعية بوجود تلك الأشياء، وانتفاء أحكام بانتفاء تلك الأشياء. الشروط والأسباب وجدت توجد ماذا؟ الأحكام. انتفت انتفت الأحكام. وقد يكون لكن مانع تنتفي الأحكام. مثال ذلك -يعني- كأن الشرع يقول لنا: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني قد أوجبت عليكم أداء الزكاة. واضحة. فهو كما ذكر أنها أشياء، أمور أخبرنا الشرع بوجود أحكام وانتفائها عند وجودها أو انتفائها. واضح. وانتفائها مثل ماذا؟ مثل إذا لم تزل الشمس لا تشرع صلاة الظهر. واضح لماذا؟ لعدم وجود سبب، عدم وجود سببها وهو ماذا؟ زوال الشمس. وهكذا. قال رحمه الله: «اعلم أن ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام: القسم الأول ما يظهر به الحكم، وهو نوعان: العلل والأسباب، الثالث الشروط، الرابع الموانع، الخامس الصحة، السادسة الفساد. وانجر الكلام إلى الرخصة والعزيمة والقضاء والأداء والإعادة». وهذه تفاصيل ذلك كله. ومعنى هذا أن الأحكام الوضعية هي إما علل وأسباب وشروط وموانع. أضاف بعضهم كذلك الصحة والفساد. ثم قال: «وآضاف». وقوله: «وانجر الكلام» أي وآضاف آخرون إلى ماذا؟ إلى الأحكام الوضعية الرخصة، العزيمة، القضاء، الأداء، الإعادة. وإلا هذه محل النزاع: من أحكام التكليف أو من أحكام الوضعية؟ وسأتي الكلام عليها بإذن الله. قال رحمه الله: «اعلم أولا أن خطاب الوضع إنما سمي خطاب الوضع لأن الشرع وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع مثلا». بمعنى أنه يقول: إذا زالت الشمس مثلا فقد وضعت وجوب الصلاة. وإذا تم النصاب والحول فقد وضعت وجوب الزكاة. وإذا حصل الحيض فقد وضعت سقوط الصلاة والصوم. وقس على هذا. ومعنى هذا أن خطاب الشرع إنما سمي بذلك لأنه شيء وضعه الله في شرائعه. شيء وضعه الله في شرائعه، أي جعله دليلا وسببا وشرطا. لا أنه أمر به عبادة، ولا أنه أناطه بأفعاله من حيث هو خطاب وضع. ولذلك -كما سيأتي معنا- لا يشترط في خطاب الوضع العلم والقدرة في أكثر خطاب الوضع، كالتوريث ونحوه. فقول العلامة الشنقيطي رحمه الله: «سمي خطاب الوضع لأن الشرع وضع الخطاب» أي شرع الخطاب بماذا؟ بأن جعل الأسباب والشروط لماذا؟ لشرعية أفعال أمر الله جل وعلا بها. فكأنه يقول: متى وجدت الأسباب؟ وحصلت الشروط وجدت أوجبت عليكم ماذا؟ كذا وكذا. وجعلها كذلك لماذا؟ لانتفاء أعمال لم يشرعها لنا ربنا تبارك وتعالى. يقول ماذا؟ إذا وجد ذلك المانع، أو بعدم وجود ذلك السبب أو ذلك الشرط. قال رحمه الله: «واعلم أنه يفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين، وهما أن خطاب الوضع علامته أنه إما أن لا يكون في قدرة المكلف أصلا كزوال الشمس والنقاء من الحيض، أو يكون في قدرته ولا يؤمر به كالنصاب للزكاة والاستطاعة للحج وعدم السفر للصوم». هذه مسألة مهمة؛ ما دام أننا ذكرنا ومر معنا أن خطاب الشارع ينقسم إلى قسمين: إلى خطاب تكليف وخطاب وضع. فما الفرق بينهما؟ يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: بأنه يفرق بينهما بماذا؟ بفارقين ظاهرين. وقوله رحمه الله تعالى: «بفارقين ظاهرين» في إشارة إلى ماذا؟ إلى غيرهما من الفوارق. في إشارة إلى غيرهما من الفوارق. وقد ذكر جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى فوارق كثيرة في التفريق بين خطاب الوضع وبين خطاب التكليف. منها أن خطاب الوضع خبر ليس بإنشاء، بخلاف خطاب التكليف فإنه ماذا؟ إنشاء. خطاب شرع إخبار: متى زالت الشمس ماذا؟ شرعت الصلاة. مجرد إخبار، إخبار عن الأسباب، إخبار عن العلامات، عن الشروط وهكذا. قال رحمه الله: «وبهذا تعرف أن خطاب التكليف علامته أمران: أن يكون في قدرة المكلف، ويؤمر به فعلا كالوضوء للصلاة، أو تركا كسائر المنهيات. وخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف؛ لأن كل تكليف معه خطاب وضع، إذ لا يخلو من شرط أو مانع مثلا. وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، كلزوم غرم المتلفات وأوروش الجنايات لغير المكلف كالصبي. وقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، واعتمده القرافي في الفروق. والأول أشبه». ما هو القول الأول؟ القول الأول: أن خطاب الوضع أعم مطلقا من خطاب التكليف؛ إذ لا خطاب تكليفي إلا ويتضمن أو يلزم منه خطاب وضعي. مثلا الصلاة، الصيام، الزكاة، الصدقات إلى غير ذلك. لا يجب أن يوجد فيه ماذا؟ سبب لمشروعيته لإيجابه لاستحبابه. لا يجب أن يوجد فيه كذلك ماذا؟ الشروط. وإذا كان حكما معللا تكون فيه ماذا؟ عللا إلى غير ذلك. وهذه كلها من أحكامه الوضع. بخلاف الحكم الوضعي قد يوجد ولا يوجد معه ماذا؟ الحكم التكليفي. مثل ماذا؟ مثل ما ذكر: دابة أتلفت شيئا. من يضمنها؟ صاحبها. هل هناك خطاب تكليفي في هذه الصورة؟ الجواب: لا. إنما هو خطاب خطاب وضعي. فكل خطاب تكليفي لا يخلو من خطاب ماذا؟ وضعي. ولا عكس. وقد ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن خطاب التكليف والوضع قد يجتمعان في شيء واحد. خطاب التكليف يعني حادث واحد أو أمر واحد يجتمع فيه أنه خطاب وضع، وأنه كذا خطاب ماذا؟ تكليف. هذا ممكن. قد يجتمع في شيء واحد باعتبارات. يكون شرعيا، يكون تكليفيا باعتبار، ويكون وضعيا باعتبار. مثل ماذا؟ قالوا: مثل الزينة. قالوا: فإن الزينة حرام. والحرام من أي الأحكام؟ تكليفيا. فالزينة ماذا؟ حرام. وهو كذلك ماذا؟ سببا للحد. والأسباب من أي الأبواب؟ الأسباب الوضعية. فهو شيء واحد اجتمع فيه ماذا؟ خطابان، لكن باعتبارين. باعتبار النظر إلى فعل الزينة هو حرام، فهو داخل في الأحكام التكليفية. وباعتبار ما ترتب على ذلك الفعل، أو ما يترتب على ذلك الفعل. ومن خطاب الشرع من خطاب ماذا؟ من خطاب الوضع؛ إذ أنه سبب للحد. فقد يجتمعا كما ذكر، وقد ينفرد خطاب الوضع كأوقات العبادات. وأما انفراد التكليف دون الوضع، قالوا: فلا يتصور خلوه عن الوضع أبدا كما تقدم. فكل خطاب تكليفي لابد أن يكون معه خطاب ماذا؟ وضع. ولا عكس. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبته أجمعين.