الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 56، ألقاها
يشرح مفهوم القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة، ويبين أن الخير والشر بقضاء الله وقدره. يؤكد أن الأمر بيد الله وحده مستدلاً بالأحاديث والآيات.
يشرح مفهوم إضافة الشر إلى الله، حيث يرى أهل السنة أن الشر مخلوق لله ولكن لا يضاف إليه إفراداً. يستشهد بآيات وأحاديث لتوضيح هذا المفهوم.
أهل السنة يعتقدون أن الشر لا يضاف إلى الله إضافة فعل، بل يضاف إليه إضافة مخلوق لأن أفعال الله كلها خير. يستدلون على ذلك بالأحاديث والآيات.
يتضمن تأكيدًا على علو الله وعلمه، ويتبعه تسبيح لله والاستغفار والتوبة إليه. يُظهر تواضع المتحدث ورغبته في التوبة ويُنهي بالتضرع إلى الله بالاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: قال وأخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أنبأنا أبو العباس أسراج، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، هو ابن راهويه، قال: أنبأنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النار، فإذا كان عند موته عمل بعمل أهل النار، فمات، فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته عملا بعمل أهل الجنة، فمات، فدخل الجنة». وهذا الحديث من حيث الإسناد صحيح، رواه إسحاق بن راهوي في مسنده، وكذلك الإمام أحمد وغير واحد. ومن حيث المعنى، هو بمعنى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه السابق. قال رحمه الله: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، وليصيب المرء إلا ما كتب له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدر عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقدر عليه، كما ورد به خبر عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الحديث المشهور: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فهذا الحديث دل على المعنى الذي ذكره الشيخ رحمه الله، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن الخير والشر والنافع والضر بقضاء الله وقدره. لأن الأمر بيد الله جل وعلا، الخير والشر والنافع والضر بيد الله جل وعلا، يفعل ما يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء، ويخفض من يشاء. قال الله جل وعلا: ﴿قل الله مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾. فالأمر بيد الله جل وعلا، الخير والشر والنافع والضر بيد الله جل وعلا. وإذا شاء الله جل وعلا كان، وما من حال إلا وهو فيه، وإذا لم يشأ الله جل وعلا شيئا لم يكن، ولو اجتمع عليه الأولون والآخرون والإنس والجن، فإنه لن يكون أبدا، لأن الله جل وعلا لم يشأه، ولا يكون إلا ما شاء الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾. وهذه الآية أيضا تدل على المعنى المذكور. وإن يمسسك الله بضر، فمن يكشف هذا الضر ويرفع ذلك الضر؟ لا أحد إلا الله جل وعلا. لذا قال: ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾، أتى ربنا تبارك وتعالى بهذا الأسلوب البليغ الذي يدل على الحصر، وعلى القصر أيضا، أي أن هذا الأمر محصور على الله جل وعلا، لا يكون إلا من الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم، مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهى منه نقص على الانفراد، فيقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه. وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: «تبارك وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك». ومعناه -الله أعلم- أن الشر ليس إليك مما يضاف إليك إفرادا وقصدا، حتى يقال لك في المنادى: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر. وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعا. لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال -فيما أخبر الله عنه- في قوله: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها﴾، أضاف العيب إلى نفسه. قال: ولما ذكر الخير والبر والرحمة، أضاف إرادتها إلى الله عز وجل، فقال: ﴿فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما رحمة من ربك﴾. ولذلك قال -أي ربنا تبارك وتعالى- مخبرا عن إبراهيم عليه السلام: أنه قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، وإذا مرضت أضاف المرض إلى نفسه، والشفاء أضافه إلى ربه. وإن كان الجميع منه، وإن كان الجميع منه -أي الجميع من الله جل وعلا- الخير والشر من الله جل وعلا. فقوله رحمه الله تعالى: ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم، أي في باب القضاء والقدر، في الكلام على الشر، أن أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الشر مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، خلقه الله جل وعلا، إذ كل مخلوق وكل موجود سوى الله جل وعلا، فهو مخلوق لله جل وعلا. الخير والشر من مخلوقات الله جل وعلا، فهو مخلوق خلقه الله جل وعلا، كما خلق غيره. فمثال ذلك إبليس رأس الشر، والعياذ بالله، من خلقه الله جل وعلا. خلقه وهو رأس الشر، والعياذ بالله. فالله جل وعلا هو خالق الشر -نعم- الله جل وعلا هو خالق الخير والشر. قال الله جل وعلا: ﴿الله خالق كل شيء﴾، فيدخل في هذا العموم كل شيء، الخير والشر. إلا أنه عند إضافة الشر، لا يضاف الشر إلى الله جل وعلا إضافة إفراد، لا يضاف الشر إلى الله جل وعلا إضافة إفراد، كما عبر الإمام الصابوني. فلا يقال: رب إبليس، رب الخنازير، رب الكلاب. لا يقال هذا من سوء الأدب مع الله جل وعلا، وإن كان الله جل وعلا هو خالقها. لكن هذا الباب لا يليق، ليس من الأدب مع الله جل وعلا أن يقال في حق الله جل وعلا هذا التعبير. فالأدب مع الله جل وعلا أن يضاف إليه الشر إضافة مجملة، فيقال: الله جل وعلا خالق الخير والشر. الشر من مخلوقات الله جل وعلا، هذا لا بأس. أو يؤتى به على سبيل الإجمال، من غير ذكر الرب جل وعلا، بحذف المضاف إليه، كما قال الله جل وعلا عن الجن: أنهم قالوا: ﴿ماذا أراد بمن في الأرض أو أراد بهم ربهم رشدا﴾. عند الشر قالوا: ﴿أراد﴾، وعند الخير قالوا: ﴿أراد بهم ربهم رشدا﴾. فهذا من الأدب مع الله جل وعلا. بقي قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي -في الصحيح في مسلم-: «تبارك وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك». الشر ليس إليك، ما معنى الشر ليس إليك؟ أي: هل معناه ليس مخلوقا لك؟ أم ماذا يقال؟ هذه المسألة -هذه المسألة- كغيرها من مسائل الاعتقاد، الناس فيها طرفان ووسط. الطرف الأول القدرية، القدرية نفت خلق الله جل وعلا للشر، فقالوا: الشر ليس من مخلوقات الله جل وعلا. لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والشر ليس إليك». واضح. قالوا: لأنه لو كان خالق الشر لكان شريرا، تعالى الله وتقدس عن ذلك. وفي المقابل الجبرية، الجبرية قالت: من أفعال الله جل وعلا الشر، لأن الله جل وعلا خالق كل شيء، ومن خلق الله جل وعلا الشر، فإذا من أفعال الله جل وعلا الشر، والعياذ بالله. وكل القولين باطل منكر، والعياذ بالله. لأن القول الأول يلزم إثبات مخلوق مع الله جل وعلا، لأنه إذا لم يكن الله جل وعلا خالقا للشر، فمن خالق الشر؟ واضح. قالوا: العباد هم الخالقون للشر، إذن أثبتوا خالقا مع الله جل وعلا، فوقعوا في الشرك بالله جل وعلا. وفي المقابل، الجبرية قولهم باطل، لأنهم نسبوا إلى الله جل وعلا النقائص، فقالوا: من أفعال الله جل وعلا الشر، تعالى الله وتقدس عن ذلك. والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء. ما عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أن الشر لا يضاف إلى الله جل وعلا إضافة فعل، فليس من أفعال الله جل وعلا الشر، ليس من أفعال الله جل وعلا، ولا من صفات الله جل وعلا الشر، كما جاء في الحديث: «والشر ليس إليك»، أي: ليس من أفعالك. لأن أفعال الله جل وعلا كلها خير. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث-: «تبارك وتعاليت، والخير بيديك، والشر ليس إليك». وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير﴾. بيدك الخير، الخير بيد الله جل وعلا، من أفعال الله جل وعلا. أما الشر، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك». فالسنة والجماعة يقولون: إن الشر لا يضاف إلى الله جل وعلا إضافة فعل، ولا صفة، لأنه نقص، والله جل وعلا منزه عن العيوب والنقائص. وإنما يضاف إلى الله جل وعلا إضافة مخلوق، يضاف إلى الله جل وعلا إضافة مخلوق، لقول الله جل وعلا: ﴿الله خالق كل شيء﴾، فكل شيء خالقه الله جل وعلا، خيرا كان ذلك الشيء أو شرا. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، من حيث الإجمال، أي: قال بأن الله جل وعلا خالق الخير والشر، فكل مخلوق الله جل وعلا خالقه. في الوقت نفسه، أهل السنة والجماعة يقولون: ليس من الأدب مع الله جل وعلا أن يضاف إليه الشر على سبيل الإفراد، فلا يقال في حق الله جل وعلا: رب الكلب، رب الخنزير. لماذا؟ لأن هذا فيه معنى من معاني النقص، والله جل وعلا منزه عن نقائص والعيوب. وإن كان الله جل وعلا هو الذي خلقها، من الذي خلقها؟ الله جل وعلا. لكن إضافتها -إضافة إفراد- هذه المخلوقات الشريرة أو التي فيها شر إلى الله جل وعلا، هذا فيه معنى من معاني النقص والتنقص، والله جل وعلا منزه عن ذلك. فخلصنا من ذلك بأن المعتقد الصحيح الذي عليه الصحابة الكرام، ما عليه الأنبياء والرسل، كما مر معنا في خبر الله جل وعلا عن خليله إبراهيم عليه السلام، ماذا قال؟ قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، أضاف المرض إلى نفسه، ما قال: يا رب، ما قال: وإذا أمردتني فأنت تشفين، مع أن المرض ممن؟ من الله جل وعلا. لكنه تأدب مع الله جل وعلا، فخاطب الله جل وعلا بخطاب يليق بالله جل وعلا، فأضاف المرض إلى نفسه، فقال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، فأضاف الشر إليه، وأضاف الخير إلى من بيده الخير. كذلك الخضر عليه السلام، وهو كذلك من أنبياء الله جل وعلا -على الصحيح من أقوال العلماء-، عندما ذكر الشر أضافه إلى نفسه، وعندما أضاف الخير أراد الخير أو ذكر الخير، أضافه إلى الله جل وعلا. قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها﴾، أضاف العيب إلى نفسه. وعند ذكر الخير قال: ﴿فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما رحمة من ربك﴾. الشاهد: عند ذكر الخير أضاف الخير إلى الله، وعند الشر أضاف الشر إلى نفسه. كذلك كما سمعتم مؤمنوا الجن، ماذا قالوا؟ ﴿وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾، عند الشر قالوا: ﴿أريد﴾، وعند الرشد ذكروا: ﴿ربهم﴾. سموا الفاعل، سموا الله جل وعلا. وعند الشر لم يذكروا، بل أتوا بالفعل المبني للمجهول، أصله: أراد. فعلم من هذا، وخلصنا من هذا: أن الشر لا يضاف إلى الله جل وعلا إضافة فعل، لأن أفعال الله جل وعلا من صفاته، وأفعال الله جل وعلا كلها خير، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿بيدك الخير﴾، كما قال الله جل وعلا: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الخير بيديك، والشر ليس إليك». الشر ليس إليك، لا يضاف إلى الله جل وعلا إضافة فعل. ولكن الشر يضاف إلى الله جل وعلا إضافة مخلوق إلى خالقه، فيقال: الشر من مخلوقات الله جل وعلا، كما أن الخير من مخلوقات الله جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.