الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 40، ألقاها
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله يُرى يوم القيامة في موطنين، ولا يُرى في الدنيا لضعف البشر. استدلوا بحديث أبي هريرة وآية تجلي الله للجبل.
نُقل الإجماع على رؤية الله في المنام، ولكن ليس على صورته الحقيقية. رؤية الله في الدنيا محجوبة حتى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المقطع يشرح معنى حديث "إنكم سترون ربكم" ويبين أن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله هو المأخوذ من الكتاب والسنة.
الحديث النبوي دليل قاطع على صحة المعتقد المستند إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، ويُعتبر مرجعاً لكل زمان ومكان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على مسألة رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا. وأهل السنة والجماعة يقولون بأن الله جل وعلا يُرى يوم القيامة، أما في الدنيا فإنه لا يُرى. ويوم القيامة يُرى في موطنين: الأول في العرصات، والثاني في الجنة. هذا مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. وأما في الدنيا، فإن الله جل وعلا لا يُرى في الدنيا، يدل على هذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. فالمؤمنون كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأنهم لا يرون ربهم جل وعلا في هذه الدنيا، وإنما يرونه يوم القيامة. لهذا النص، وعلَّل العلماء رحمهم الله تعالى كذلك من حيث المعنى، بأن المؤمنين أو أن البشر في هذه الحياة الدنيا لا يستطيعون ولا يقدرون على رؤية الله رب العالمين جل وعلا لضعفهم، مستدلين على ذلك بقول الله جل وعلا لموسى عليه السلام حينما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، فقال له ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا. قال العلماء رحمهم الله تعالى: إذا كان ربنا تبارك وتعالى لعظمته وجلاله، لما تجلى للجبل العظيم، الجبل صار دكًا، فكيف بالإنسان؟ إذا كان ربنا تبارك وتعالى تجلى للجبل وهو جبل فصار الجبل دكًا ترابًا، فكيف بالإنسان؟ بل إن موسى عليه السلام وهو كليم الرحمن، لما رأى هذا الأمر، وهو من عرف بالقوة والصلابة والشجاعة عليه الصلاة والسلام، خر موسى صعقًا. حصل له بالنظر في آثاره تجلي رؤية الله جل وعلا للجبل، رأى الأثر فقط، فخر صعقًا. فكيف بإنسان إذا تجلى له ربه جل وعلا في الدنيا؟ فكما ذكر من ذكر من العلماء أن رؤية الله جل وعلا لا تكون في الدنيا، كما دل على ذلك الأثر، وكذلك المعنى المذكور. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أيضًا في هذا الباب، بأن الله جل وعلا كما سمعتم أنه لا يرى إلا يوم القيامة، وأما في الدنيا فإنه لا يرى. لكن هل يرى ربنا تبارك وتعالى في المنام؟ الجواب: نقل الإجماع على أن الله جل وعلا يرى في المنام. لكن ما معنى يرى في المنام؟ هل يرى على صورته التي هو عليها تبارك وتعالى؟ الجواب: كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتعالى، أنه يحصل للعبد انكشافات، وينقذف في قلبه أن تلك الصور التي رآها أو ذلك الصوت الذي سمعه من الله جل وعلا، فهو بهذا الاعتبار، لا أنه يرى ربنا جل وعلا بصفاته على ما هو عليه في منامه. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهو محجوب عن رؤية أن يراه أحد في هذه الحياة الدنيا، ولو كان في المنام، أي على صورته التي هو عليها تبارك وتعالى بصفاته التي اتصف بها ربنا تبارك وتعالى. ووقع في ذلك أمر خصه العلماء رحمهم الله وتعالى، وهو في رؤية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لربه جل وعلا، أي هل رأى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه جل وعلا بعينيه، أي بالبصر؟ بعضهم نقل خلافًا، وبعضهم نقل إجماعًا في المسألة، من أن الله جل وعلا لم يره، لم يره حتى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بل جاء في صحيح مسلم أن مسروقًا دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فأخبرها أو سألها: هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه؟ فماذا كان جواب عائشة الصديقة بنت الصديق زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «لقد قف شعري من هذا» -أي من السؤال- قف شعره كما يقال، اختل شعرها من عظيم ذلك السؤال. كيف يسأل عن هذا الأمر؟ فقالت رضي الله عنها وأرضاها بعد ذلك: «من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» إلى آخر ما ذكرته في ذلك الحديث. فقال لها: فقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. أي ذكر لها ما جاء في آيات سورة النجم. فقالت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كنت أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فقال: «هو جبريل». أي رأى جبريل، فكانت الرؤية في الآيات المذكورة رؤية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لجبريل، لا لربه جل وعلا. قوله: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، قال: «والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي». وهذا من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تحقيق لخبر الرؤية، أي أن الله جل وعلا يرى حقيقة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر. أي فيه معنى من معاني تحقيق الرؤية، لذا قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: «والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية»، أي رؤيتكم لله تبارك وتعالى من حيث الوضوح، من حيث الجلاء، من حيث الظهور، هي كرؤيتكم للبدر أو للقمر ليلة البدر، أي واضحة جلية بينة، ليس بينكم وبينه ما يمنعكم من الرؤية. لذا هو كما ذكر تشبيه للرؤية بالرؤية لتحقيق الرؤية، تشبيه للرؤية بالرؤية تحقيقًا لحقيقة الرؤية. كما قال صلى الله عليه وسلم حينما قرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وأشار إلى سمعه وبصره. ماذا أراد بهذه الإشارة؟ هل أراد أن عين الله جل وعلا أو رؤية الله جل وعلا مثل رؤيته، أو سمع سمع الله جل وعلا كسمعه؟ الجواب: لا، ولا شك ولا ريب. لماذا؟ لأنه هو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه جل وعلا، وهو الذي أنزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. إذن ما مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الإشارة؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: أراد بهذه الإشارة تحقيق معنى الصفة، وإثبات أن الصفة التي اتصف ربنا تبارك وتعالى بها صفة حقيقية. فهو كما قيل تشبيه لحقيقة سمع الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يسمع، وأن الله جل وعلا يبصر، فهو تحقيق لمعنى الصفة. كما في هذا المثال أو في هذا الحديث الذي بين أيدينا: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، تشبيه للرؤية بالرؤية لتحقيق معنى الرؤية، لا لتشبيه الله جل وعلا بشيء من مخلوقاته جل وعلا. وهذا إن دل على شيء، دل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وأنه مأخوذ من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالذين يقولون: إنكم بإثباتكم لهذه الصفات تجسيمون الله جل وعلا، يقال لهم: أأنتم أعلم أم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمراد الله جل وعلا وبمراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ إلى غير ذلك. في هذا المثال، وفي هذا الحديث الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به، دليل قاطع وحجة دامغة على كل من خالف ما عليه هذا المعتقد الصحيح الذي مصدره كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعليه إجماع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون وتابعهم بإحسان، والأئمة الأعلام في كل زمان ومكان. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.