التعليق على شرح علل الترمذي 54

التعليق على شرح علل الترمذي 54

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

منهج الأئمة في إثبات السماع ونفيه بالقرائن والظروف الجغرافية

يستعرض هذا المحور منهج أئمة الحديث كالأحمد وابن المديني والدارقطني وأبي حاتم في ثبوت السماع بين الرواة، معتمدين على قرائن البعد الجغرافي وعدم ثبوت الرحلة أو اللقاء، ودخول الواسطة في الإسناد كدليل على نفي السماع المباشر. ويقررون أن مجرد المعاصرة أو الرؤية لا تكفي لإثبات السماع دون تصريح به أو ثبوت لقاء محقق.

نقد أسانيد الحديث: التساهل في صيغ الأداء والتدليس وأخطاء الرواة

يناقش المحور أخطاء الرواة في نسبة السماع المباشر كدخول الواسطة دون تنبيه، والتساهل في صيغة "حدثنا" كما فعل أهل الشام، مع نقد الأئمة لرواة رووا عمن لم يسمعوا منهم. ويحذر من الاغترار بمجرد ذكر صيغ الأداء في الأسانيد دون تحقق من حقيقة السماع والاتصال.

شروط ثبوت السماع عند النقاد وحالة الحسن البصري والرد على دعوى الإجماع

يقرر المحور مذهب أئمة الجرح والتعديل المتفق عليه في أن رواية المعاصر بواسطة تدل على عدم السماع المباشر، مستطبقين ذلك على الحسن البصري حيث لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من صرح به وما عدا ذلك مرسل. ويرد بذلك على دعوى مسلم للإجماع على خلاف ذلك مبيناً عدم صحتها.

الرد على مسلم في بعض الأسانيد واحتمال عدم اطلاعه على أقوال الأئمة

يختم النص بالإشارة إلى نية المؤلف الرد على الإمام مسلم في بعض الأسانيد التي ذكرها في صحيحه، مرجحاً أن يكون مسلم لم يطلع على أقوال الأئمة النقاد الذين قرروا الإرسال في تلك الأسانيد المحددة، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم، وقال البرديج: وقال البرديج: لا أعلم. وحكى البرديج قولين في ثبوت السماع بمجرد اللقاء؛ فإنه قال: قال قتادة: حدث عن الزهري. قال بعض أهل الحديث: لم يسمع منه. وقال بعضهم: سمع منه؛ لأنهم التقيا عند هشام بن عبد الملك. ومما يستدل به: أن الزهري كان ملازماً لهشام، عنده كالوزير، وقتادة قد جاء إلى هشام، فلذلك بعضهم ظن أن قتادة قد التقى مع الزهري بهذا، لكن لم يأتِ تصريح أن قتادة لقي الزهري. ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال: أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يُعْلَم أنه رحل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلده، كان يروي عنه. فيه نقل مهنة عن أحمد قال: لم يسمع زرارة من عوف، من تميم الداري. تميم بالشام، وزرارة بصري. وهذا إذا كان معنى ما يحتمل أنه التقى، معنى ليس مثل مثلاً من يكون في مكة أو المدينة؛ أن الناس يفدون إليها دائماً، والعلماء كذلك يفدون إليها لأجل الحج والعمرة، فلذلك تجد أنهم يذكرون الشام والبصرة والكوفة؛ لأجل أنه غالباً ما يلتقون. مثل هؤلاء بلدان بعيدة، ولم يُسْمَع أن هذا ذهب إلى بلد هذا، فمن أين سيروي عنه إلا أن يكون أخذه عن غيره؟ قال أبو حاتم في رواية ابن سِيلِين عن أبي الدرداء: قد أدركه، ولأظنه سمع منه. ذاك بالشام، وهذا بالبصرة. وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس؛ كان الضحاك يكون بالبوادي. وقال الدارقطني: لا يثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا. ومراده: أنه لم يثبت لقاؤهما، لا أنه ثبت انتفاؤه؛ لأن نفيه لم يَلْتَقِ في رواية. معنى هذا من باب الظن؛ معنى: لم يأتِ في رواية أنه التقى مع أبي الدرداء، لكن ممكن أنه يلتقي؛ لأن سعيداً في المدينة، وقد يأتي أبي الدرداء إلى الحج وإلى المدينة، لكن لم يثبت أنه لقيه، ولم يكن في رواياته مثلاً: "سمعت أبا الدرداء"، فلذلك ينفون ثبوت لقائه، لكن هذا ليس معنى ثبوت انتفائه. وقال أحمد: أبيهي، ما أراه سمع من عائشة. من؟ أبيهي، ما عندك؟ فإن كان ثقة يروي عن من عاصره، فإن كان ثقة يروي عن من عاصره أحياناً، ولم يثبت تركه له، ثم يدخل أحياناً بينه وبينه واسطة، فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه. قال أحمد: يعني يقولون يدخل واسطة، فمدام أنه يدخل واسطة، فهذا يدل على أنه لم يسمع مباشرة. قال أحمد: أبيهي، ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة. قال: وبحديث زائدة عن السدي عن البهي، قال: حدثتني عائشة. قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدعو منه: "حدثتني عائشة"، ينكره. وكان أحمد معنا يقولون: أنه لم يسمع، ولهذا يدخل عروة. أيضاً عراك بن خالد قال: أيضاً أحمد أنه لم يسمع من عائشة، إنما يدخل عروة. وكثيراً ما يستدلون بعدم السماع بسبب أنه يدخل واسطة بينه وبين شيخه. وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ. يعني: ذكر السماع. يعني بعضهم يخطئ فيقول: "حدثتني"، أو التساهل مثل أهل الشام؛ أهل الشام يتساهلون في صيغة التحديث، فيذكرون "حدثنا" وهو لم يذكرها. ولهذا أصحاب بقية، أصحاب حمص، دائماً يذكرون "حدثنا" في كلام بقية، وهو لم يذكر "حدثنا". وهذه مصيبة، أنه قل من يتفطن لها. وذكر ذلك أبو زرعة رحمه الله، فذكر أن أصحاب حمص، أصحاب بقية، يدخلون "حدثنا" في رواياته، وأنا من باب التساهل أن بعضهم لا يعي مثلاً الفرق بين هذا وهذا، وأن هناك فرقاً في السماع. وكذا هذه الأشياء بعضهم لا يعيها، فيتساهل فيها، فيقول: حد قال فلان حدثنا فلان، وهو لم يقل "حدثنا"، وإنما قال: "عنه". قال في رواية هدبة عن حماد عن قتادة: أخبرنا خلاد الجبني. هو خطأ. خلاد قديم، مرّ على قتادة. خلاد، وذكروا لأحمد قول من قال عن عراك بن مالك: سَمِعَ عائشة. وقال: هذا خطأ، وأنكره. وقال: عراك، من أين سمع من عائشة؟ إنما يروي عن عروة عن عائشة. وكذلك ذكر أبو حاتم الرازي: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخه ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمع، فيروون عنه تلك الأحاديث، ويصرفون بسماعه إلى شيوخه، ولا يضبطون ذلك. وحينئذ هذا ذكره أبو زرعة، الطبراني، لعل أبا حاتم ذكر مثلاً. وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع وتحديث الأسانيد. فذكر ابن المديني: أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الأخبار عن شيوخه، ويكون مقطعاً. وذكر أحمد: أن ابن مهدي، والظاهر أنه ليس منه، إنما من الرواة عنه. وذكر أحمد: أن ابن مهدي حدث بحديث عنه، شيء عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، سور بن سادان. قال أحمد: ولم يسمعه بهز منه، سور. وقال أبو حاتم في يحيى بن بكير: ما أراه سمع من عروة بن الزبير؛ لأنه يغتر بينه وبينه رجل ورجلان، ولا يذكر سماعاً ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألتين. وقال أحمد في رواية قتادة عن يحيى بن يعمر: لا أدري سمع منه أم لا، قد روى عنه، وقد روى عن رجل عنه. وقال أيضاً: قتادة لم يسمع من سليم بن عامر، بينهما أبو الخليل. ولم يسمع من مجاهد، بينهما أبو الخليل. وقال في سماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر: قد رآه، يعني: ولم يسمع منه، قد أدخل بينه وبينه طلحة، من عبد الله بن وهب. ولم يصحح قول معمر وسامة عن الزهري: سمعت عبد الرحمن بن أزهر. قال أبو حاتم: بالزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبينه سليم بن عامر وعروة. وكلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في هذا المعنى كثير جداً، يطول الكتاب بذكره، وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به، وأن رواية من روى عن من عاصره وداره بواسطة، وداره بغير واسطة، يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع منه من وجه. وكذلك رواية من هو في بلد عن من هو ببلد آخر، ولم يثبت اجتماعهما ببلد واحد، يدل على عدم السماع منه. وكذلك كلام ابن المديني وأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والبرديج وغيرهم في سماع الحسن من الصحابة، كله يدور على هذا، وأن الحسن لم يصح سماعه من أحد من الصحابة إلا بثبوت الرواية عنه أنه صرح بالسماع منه، ونحو ذلك، وإلا فهو مرسل. بإذن، أنا لم يذكر الحسن تحديثه عن الصحابة، وإلا قد قال الحسن: غزونا غزوة فيها سبعون من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أرادوا أنه لم يصرح بالتحديث من أحد من الصحابة إلا من لقيهم، كأبي بكرة وغيرهم، ممن سمع منهم أحياناً كسمرة وعمران. وأما بقية الصحابة كعلي وعثمان، مع أنه أدركهم، لكن الصحيح أنه لم يسمع منهم، فكان يقول: "عن". إذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعِلَلِه وصحيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره، فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟ فالاتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عن من قبلهم لمن هو في درجتهم وحفظهم. ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق: اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له. وذكرنا من قبل أن كلام الشافعية ما يدل على مثل هذا القول، لا على خلافه. وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء. وأما إنكار مسلم أن يقر، فهذا خلاصة ما ذكر: أن هذه كلها ليست سماعات، وهذا مذهب الأئمة، خلافاً لما حكاه مسلم رحمه الله. وسيرد أيضاً على مسلم في بعض الأسانيد التي ذكرها، ولعله لم يطلع على أقوال الأئمة الذين ذكروا الإرسال في هذه الأسانيد، والله أعلم.