الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض هذا المحور تفصيل أقوال العلماء في حكم رواية المدلس، مبيناً أن من دلس عن ثقات قُبل حديثه حتى مع العنعنة، ومن دلس عن غير ثقات لم يُقبل إلا بتصريح السماع، مع ذكر رأي الجمهور كالحاكم والسبكي وابن الصلاح بأن حكمه حكم المرسل، وتوقف الإمام أحمد، ودخول المتأخرين من يروي عمن عاصره بلا سماع في المرسل الخفي.
يناقش هذا المحور خلاف العلماء في قبول رواية المدلس بصيغ «أخبرنا» و«أنبأنا» لاحتمال كونها إجازة لا سماعاً، والرد بأن «حدثنا» كذلك قد تستعمل في الإجازة، وإجازة الجمهور لـ «أنبأنا» مع المناولة، وتقرير أن التدليس ليس كذباً يرد به حديث صاحبه كله.
ينقل هذا المحور أقوالاً متعددة للعلماء في التدليس، فمنهم من عدّه كذباً ومنكراً كشعبة وابن سيرين، ومنهم من كرهه كأحمد، ومنهم من رخص فيه بشروط كيعقوب بن شيبة، مع بيان أن التدليس مذموم عند الأكثرين للإيهام، وأنه لا يجرح الراوي غالباً، وتفصيل الفرق بين التدليس عن ثقة وغير ثقة.
يقرر هذا المحور أن أكثر العلماء يرون التدليس ليس جرحاً بحد ذاته، لكن من عُرف بتدليسه لا يُقبل حديثه، ومن كثر تدليسه عن الضعفاء يجب أن يصرح بقوله «حدثنا» وإلا رُدّ حديثه، ملخصاً الضوابط النهائية لقبول رواية المدلس.
فرقت الطائفة فيها أن يدلس عن ثقات أو عن الضعفة، فإن كان يدلس عن ثقات قبل حديثه وإن عنعن، وإن كان يدلس عن غير ثقات لم يقبل حديثه حتى يصرح في السماع. وهذا الذي ذكره الحسين الكرابيسي، ومنهم الفتح الأسدي الموصلي الحافظ، وكذلك ذكروا طائفة من فقهاء أصحابنا. وهذا بناء على قولهم من قبول المرسل، واعتبروا كثرة التدليس بحق من يدلس عن غير ثقات. وهذا أيضاً الذي اعتمده الحافظ، والعلاي، والعراقي، وغيرهم، وكذلك ابن الصلاح. ولهذا من عرف أنه يدلس عن ثقات فقبل حديثه سفيان بن عيينة، واعتبروا كثرة التدليس بحق من يدلس عن غير ثقات. وكذا ذكر الحاكم: أن المدلس إذا لم يصرح بالسماع في الرواية فحكم حديثه حكم مرسل. وكذلك نص عليه معظم السبكي في المسألة السابعة: أنه يكون حكمه حكم مرسل، فإنه في الضعف، لكن إذا كان مدلساً أكثر التدليس. وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة، قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث، يُحتج فيما لم يقل فيه: «حدثني» أو «سمعته»؟ قال: «لا أدري». وأما من يدلس عمن لم يره فحكم الحديث حكم المرسل. وكذلك سبق ذكره: أن المنقطع يسميه العلماء مرسلاً؛ لأنه لم يدرك هذا. وإنما التدليس هو أن يسمع أو أن يروي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. وأدخل أيضاً ابن الصلاح من عاصره كذلك وروى عنه وهو لا يعلم له سماعاً منه أو لم يره، وأدخله جماعة متأخرين في المرسل الخفي، سموه المرسل الخفي. وقال: إن قال: «أخبرنا»، أو قال: «أخبرنا»، أو قال: «أنبأنا» فهو حجة. وزعم أبو الطيب الطبري: «أخبرنا» و«الأنباء» و«أنبأنا». وزعم أبو الطيب الطبري ومن الشافعية أنه لا يُحتج بقول المدلس: «أنبأنا»؛ لأنه قد يكون... لا، «أخبرنا» تقول... هذه «أخبرنا» هي التي تذكر إجازة. هي التي تجعل إجازة، لا، حتى «أخبرنا» أبو داود، وكذلك يستعملون «أخبرنا» في الإجازة. لا، لكن الغالب في الاختصار: «أنا» و«أخبرنا» و«أنبأنا»، أنا أظهر، الأمر الله أعلم. قال أبو الطيب الطبري ومن الشافعية: إنه لا يحتج بقول المدلس «أخبرنا»؛ لأنه قد يكون إجازة. وهذا ضعيف؛ فإن مثله يتطرق إلى قوله: «حدثنا» أيضاً، فإن ذلك جائز عند كثير من العلماء في الإجازة، كما سبق إجازة من العلماء، كما سبق. وهذا معناه في «أخبرنا»: هذا الخلاف الذي جاء أكثره في «أخبرنا». أما «أنبأنا» فغالب أكثر العلماء يجوزونه، إذا كان خاصة مع مناولة. لكن هل يقول «أخبرنا» في الإجازة؟ فهذا قد قاله جماعة من العلماء، أقول: اليمان وغيره، وأجازه أحمد له في رواية. ثم إن الإجازة والمناولة تصح الرواية بهما على ما تقدم، فيُحتج بحديث من حدث بهما حينئذ. وأيضاً فقد تستعمل «حدثنا» في الإرسال، كما كان الحسن يقول: «حدثنا ابن عباس»، ويتأول أنه حدث أهل البصرة، ولكن هذا استعمال نادر، والحكم للغالب. وأما قول الشافعي: «حدثنا ابن عباس»... لعل «حدثنا أبو هريرة» كان يقول: «حدثنا أبو هريرة ونحن بالبصرة»، أو «حدثنا أبو هريرة بالبصرة»، ويريد: حدث أصحابه؛ لأنه لما جاء أبو هريرة إلى البصرة الحسن كان غير موجود. وأما قول الشافعي: إن التدليس ليس بكذب يرد به حديث صاحبه كله، فهذا أيضاً قول الأئمة وغيرهم من الأئمة؛ لأن قول مدلس عن كلان ليس بكذب منه، وإنما فيه إيهام من سمع منه عن كلان. وحكى أبو الطيب هذا القول عن كثير من العلماء، وعن بعضهم أنه كذب يرد به حديث صاحبه. وممن قال إنه كذب: محمد بن سيرين، وأبو إسحاق. وقال شعبة: هو أخو الكذب، وقال مرة: هو أشد من الزنا. وروى رزق الله بن موسى عن وكيع: «لا يحل تدليس الحديث، لا يحل تدليس الحديث، وكيف يحل تدليس الحديث؟» وهذا في التدليس عن غير ثقات الظاهر. وقال أحمد: التدليس أكرهه. وقال له: قال شعبة: «هو كذب». قال أحمد: «لا، قد دلس القوم ونحن نروي عنهم». وقال: «يعني المعين كان الأعمش يرسل». وقال له: «إن بعض الناس قال: من أرسل لا يحتج بحديثه». قال الثوري: «إذن لا يحتج بحديثه، وقد كان يدلس». إنما سفيان أمير المؤمنين في الحديث أثنى عليه. والتدليس مذموم عند الأكثرين لما فيه من الإيهام، وهو عن الكذابين أشد. وقال: صرح طائفة من العلماء، منهم مسلم في مقدمة كتابه، بأن من روى عن غير ثقة وهو يعرف حاله ولم يبين ذلك لمن لا يعرفه، أنه يكون آثماً بذلك، دون أنه فعل محرم. فإسقاط من ليس بثقة من الحديث أقبح من الرواية عنه من غير تبين حاله. ورخص بالتدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة: من رخص فيه إنما رخص فيه عن ثقة سمع منه، وأما من دلس عمن لم يسمع منه فلم يرخص فيه، وكذلك إذا دلس عن غير ثقة.كذا قال يعقوب. وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منهم أيضاً، فلا يصح ما ذكره يعقوب. والغالب أن التدليس لم يجعلوه جرحاً في الراوي، لكن الصحيح أنه لم يقبل... لا يقبل التدليس، لكن قول أكثر العلماء أنه ليس بجرح، لكن من عرف تدليسه لا يقبل حديثه، ومن كثر تدليسه عن الضعفاء فإنه لابد أن يقول: «حدثنا»، وإلا لم يقبل. طيب، هذا خلاص.