الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين صيغتي الأداء «عن» و«أن» في أسانيد الحديث، موضحاً أن «عن» تحمل على الاتصال بشرط اللقاء وعدم التدليس، بينما «أن» تفيد الإرسال غالباً. ويستعرض أقوال الأئمة مالك وأحمد والبخاري والدارقطني في حمل صيغة «أن» على الاتصال إذا كان الراوي معروفاً بالرواية عن الشيخ، خلافاً لرأي البرديجي القائل بالحمل على الانقطاع.
يوضح المقطع أن كثيراً من المتقدمين لم يفرقوا بين الصيغتين بل رووا الوقائع حكاية دون سند صريح كما في روايات عروة وحديث الحديبية. ويرى المحققون كالبخاري وأحمد وابن عبد البر حمل هذه الحكايات على الاتصال بشرط الثقة وعدم التدليس، مع وجود انتقادات للبخاري لبعض الروايات المرسلة في مواضع محددة.
يتناول المقطع حديثاً يحث على الزهد في الدنيا لنيل محبة الله والناس، مروياً عن الزهري عن سليمان بن أرقم. ويبين أن سنده يعاني من الضعف والاضطراب، مما أدى بعد العلماء إلى تضعيف الحديث وعدم الاحتجاج به.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: أما قول الراوي: «أن فلانًا قال»، فهل يحمل على الاتصال أم لا؟ فهذا على قسمين: أحدهما أن يكون ذلك القول المحكي عن فلان، أو الفعل المحكي عنه بالقول، مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده وسمعه منه، فهذا حكمه حكم قول الراوي: «قال فلان كذا»، أو «فعل فلان كذا»، على ما سبق ذكره. والقسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل، مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي، مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: «إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا». فهل هو مرسل لعدم الإتيان بما يبين أنه رواية عن عائشة؟ هو مقبول لأن عروة قد عرف بالرواية عن عائشة، فالظاهر أنه سمع ذلك منها. هذا فيه خلاف. قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد- قال: كان مالك يزعم أنه يرى «عن فلان»، و«أن فلان» سواء. وذكر أحمد مثل حديث جابر: «أن سليكًا جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب»، و«عن جابر عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب». قال: وسمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: «عن عروة قالت عائشة يا رسول الله»، و«عن عروة عن عائشة» سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء. فذكر أحمد القسمين الذين أشرنا إليهما. فأما رواية جابر: «أن سليكًا جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب»، ورواية: «عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب»، فهذا من القسم الأول؛ لأنه يمكن أن يكون جابر شهده وحضره، ويمكن أن يكون رواه عن سليك. ومثل هذا كثير في الحديث، مثل رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: فمن رواه «عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر كذا» بأحاديث متعددة، وروا بعضها «عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم»، فمن رواه «عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر» جعله من مسند ابن عمر، ومن رواه «عن ابن عمر عن عمر» جعله من مسند عمر. ولكن كان القدماء كثيرًا ما يقولون: «عن فلان»، ويريدون به الحكاية عن قصته والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك، وقد ذكرنا كلامه في كتاب في باب الصيد للمحرم. وأما إذا روى الزهري مثلًا عن سعيد بن المسيب، ثم قال مرة: «إن سعيد بن المسيب قال»، فهذا محمول على الرواية عنه دون الانقطاع، ولعل هذا مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه ولم يخالفه. وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور أهل العلم، وحكى عن البرديجي خالف ذلك، وأنه قال: هو محمول على الانقطاع إلا أن يعلم اتصاله من وجه آخر، وقال: لا وجه لذلك. ولم يذكر لفظ البرديجي، فلعله قال ذلك في القسم الثاني كما سيأتيكم. وأما رواية عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعروة: «أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم»، فهذا هو القسم الثاني، وهو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما. والحفاظ كثيرًا ما يذكرون مثل هذا ويعدونه اختلافًا في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيرًا في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم من الأئمة. ومن الناس من يقول: هما سواء، كما ذكر ذلك لأحمد. وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة مع عائشة. أما من لم يعرف سماعه منه، فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال. ولا عند من يكتفي بإمكان اللقاء. وقد يخرج البخاري من هذا القسم في صحيحه في حديث عكرمة عن عائشة: «قالت للنبي صلى الله عليه وسلم» في قصة مارات رفاعة، وكنا ذكرناه في كتاب النكاح. هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة. وكذا ذكر الإسماعيلي في صحيحه: أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين. وكذلك ذكر أحمد أيضًا: أنهم كانوا يتساهلون في ذلك، مع قوله: إنهما ليسا سواء، وإن حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحيانًا على وجه التسامح وعدم التحرير. قال أحمد في رواية الأثرم بحديث سفيان عن أبي النظر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: ومالك قال: «بي عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة». قال أحمد: هو مرسل؛ سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. وهم كانوا يتساهلون بين «عن عبد الله بن حذافة» وبين «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة». قيل له: وحديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ويخطم ميمونة؟ وقال مطر عن أبي رافع؟ قال: نعم، وذاك أيضًا. فهذا الآن سياق المؤلف رحمه الله لمسألة الفرق بين «عن» و«أن» في الرواية. فـ «عن» كما ذكرنا أنها تحمل على الاتصال بشرطين: ما لم يكن الراوي مدلسًا ممن يروي عن المجاهيل أو يدلس المجاهيل والضعفاء، والأمر الثاني: أنه اشترط كثير من أهل العلم أنه قد لقيه ولو مرة واحدة، وبعضهم اشترط السماع. طيب، فهذا أحيانًا القسم الأول كما ذكر المؤلف يوافقهم في أن عندما يقول مثلًا: «أروه أن عائشة قالت كذا». لكن القسم الثاني فيه مثلًا إذا قال: «أن عائشة قالت: إن النبي عليه الصلاة والسلام...» أو «أن عائشة قالت للنبي عليه الصلاة والسلام»، هذا لم يحضره الراوي أنها قال. لهذا البخاري يجعل مثل هذا مرسلًا. حديثنا أيضًا: حديث سعد بن أبي وقاص: «إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم»، جاء في البخاري «عن عامر بن سعد أنه قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسعد: يا سعد، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم». هذا كما قال الحافظ: إنه محتمل احتمالًا كبيرًا أن عامرًا سمعه من أبيه، لكن هنا أرسله فقال: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعامر» أو «قال لسعد: يا سعد، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم». لهذا أعله الدارقطني بالإرسال، قال: هذا مرسل. لكن جاء في الترمذي في سنن الترمذي: جاء «عن عامر عن سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه الصلاة والسلام... عن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما تنصرون بضعفائكم، إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم، بدعائهم وإخلاصهم». أنا جاءت هذه الزيادة، وهي الزيادة صحيحة. فهنا فرق العلماء بين هذا وهذا. لكن كما قال كثير من أهل العلم: أن المتقدمين كثير منهم لا يفرق بين هذا وهذا. فهو مثلًا عروة دائمًا يروي عن عائشة وهو يحكي شيئًا حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة، وهو طبعًا ما حضره، لكن أخذه عن عائشة. لهذا كما قلنا: كثيرًا من هذه الأحاديث التي ظاهرها الإرسال تجد أنها تروى بالاتصال، يعني يأتي مثلًا طريق: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفلان»، وتجد في طريق أنه مثلًا قال فلان، أو قال الصحابي: «عن فلان»، أو «عن عمر قال عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام»، مثل حديث ابن عباس في قصة عمر. فبعضها يأتي بها ابن عباس هكذا. أيضًا قصة صلح الحديبية: رواه مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. مروان الصحيح أنه ليس بصحابي، وأما المسور فهو صحابي صغير. أما مروان فهو ليس على الصحيح بصحابي؛ لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كان أبوه في الطائف والنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فالظاهر أنه لم يره النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ليس بصحابي. لكن من تأمل حديث صلح الحديبية يجد أن هناك أشياء يأتي بها عن عمر مثلًا، وأشياء لا يصرحون فيها عن عمر أو عن فلان من الصحابة. فهل هو إرسال؟ لا، صحيح أنه ليس إرسالًا، وإنما يحكون ما حصل لكن بدون أن يذكروا اسم الصحابي. لكن أحيانًا يذكرون: «فقال عمر: فعملت لذلك أعمال، أو أعملت أعمالًا لذلك اليوم». لهذا كأنه كما قال الإسماعيلي وغيره، أو ابن عبد البر: أن السلف أو كثيرًا من السلف اعتادوا أنهم يأتون بالرواية على الحكاية، يأتون بالرواية على الحكاية. لهذا لم يفرق كثير من أهل العلم بين هذا وهذا. لكن قد فرق أحمد والبخاري أيضًا وغيرهم، يفرقون بين هذه الرواية بين «أن» و«عن». لكن تجد أيضًا كما قلنا أحاديث كثيرة في البخاري على الحكاية جاءت، وذكرها البخاري في المسند. وهذا مما يدل على أن البخاري يرى أحيانًا أن مثله... لكن انتقد بعض الأحاديث على أنها جاءت مرسلة، كما ذكر الترمذي عنه بعض... أو بعض كلام، فانتقد بعض الأحاديث التي جاءت على هذه الحكاية. لكن أيضًا كذلك في صحيحه أحاديث كثيرة على هذا المنوال. والظاهر والله أعلم: أن من أكثر رواية عن صحابي فغالبًا تجد أنه يروي القصة بدون ذكر... بدون أن يقول: حدثه هذا الصحابي، مثل ما ذكرنا عن عامر بن سعد، وكذلك ما ذكر المؤلف عن عروة عن عائشة. فعروة يحكي أحيانًا أشياء لم يحضرها، لكنها مؤكد أنه أخذها من عائشة. وخاصة إذا كان الراوي لا يدلس، إذا كان الراوي لا يدلس كعروة وسعيد بن المسيب وغيرهم، أو لا... إذا قالوا: «فلان»، أو ذكروا حكاية، فهي عن فلان الذي ذكروا. هذا خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله. هذا الكلام السهلي السهل عن سعيد بن المسيب هنا يقول: إنه محمول على الاتصال، مع أن السهلي عنده... أو الإرسال صح؟ التدليس لكن خفيف جدًا، أنا ما يذكر التدليس... تدليس لكن أحيانًا يدلس عن بعض الضعفاء، فأحيانًا الله أعلم قد يكون منه وقد لا يكون منه. في حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الناس، وازهد فيما عند الله يحبك الله»، أو «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». هذا الحديث رواه الزهري عن سليمان بن أرقم، لكن جاء في بعض الروايات أنه لم يذكر... فظن بعضهم أن الحديث صحيح، وإنما هو من روايات سليمان بن أرقم، وهم...