الدرس في شرح نزهة النظر 15، ألقاها
يبدأ المقطع بتعريف الطعن في الحديث النبوي، مركزًا على الطعن بكذب الراوي ومعنى الحديث الموضوع. كما يشدد على تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح المقطع كيف يمكن لأهل العلم بالحديث تمييز الأحاديث الموضوعة من خلال اطلاعهم وخبرتهم، واستدلالهم على الوضع من حال الراوي أو المروي.
يناقش المقطع أقسام الحديث المردود ويبين تحريم رواية الحديث الموضوع إلا لبيان وضعه، مع التركيز على تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
يبرز المقطع أهمية التثبت في نقد الحديث من خلال مثال الإمام أبي حاتم الرازي، مشيرًا إلى دقته وتمييزه بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فالقسم الأول هو الطعن بكذب الراوية في الحديث النبوي، هو الموضوع، والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع، إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك. وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تامًا وذهنه ثاقبًا وفهمه قويًا ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالقسم الأول وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي، لماذا في الحديث النبوي؟ خرج كما تقدم معنا ما كان في حديث الناس، وهو من يسمى بالمتهم. قال: هو الموضوع. ومعنى قوله: هو الموضوع، أي أن الحديث إذا وجد في سنده من اتصف بأنه كذاب، فإن ذلك الحديث يسمى حديثًا موضوعًا. وليس معناه أن الحديث الموضوع لا يسمى موضوعًا إلا ما كان في إسناده كذاب، هناك فرق. فالحديث الموضوع والحديث كما عرفه العلماء هو الحديث المختلق المصنوع، فكل حديث كان هذا حاله مختلق مصنوع فهو حديث موضوع. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الحديث الموضوع يسمى أو يوصف بالوضع لأمرين أو لسببين: الأول أن يكون في إسناده الكذاب أو الوضاع، إذا وجد ذلك سمي الحديث موضوعًا كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عندنا هنا. الحالة الثانية أو النوع الثاني إذا كان الحديث نفسه حديثًا باطلًا كذبًا ظاهر البطلان، ولو لم يكن في إسناده كذاب ولو لم يكن في إسناده كذاب، فإنه يسمى حديثًا موضوعًا. قال: والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع، بمعنى أننا حينما نرى في إسناد حديث ما راوٍ كذاب، هل نجزم بأن هذا الحديث مما كذب أو مما كذب في ذلك الكذاب؟ الجواب: لا، لكن نحكم عليه بغلبة الظن. لماذا؟ لأن الكذاب مظنة للكذب، فيحكم على الحديث بأنه موضوع من باب غلبة الظن لا من باب القطع واليقين. قال رحمه الله: قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك. أي يميزون ويتيقنون، يعني قد يحكمون على الحديث بأنه موضوع لأنه في إسناده كذاب، وقد يحكمون على الحديث بأنه موضوع لأن الحديث عندهم كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تامًا وذهنه ثاقبًا وفهمه قويًا ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة. كما هو حال أئمة الشأن كشعبة والقطان وابن مهدي وابن معين وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وأبي حاتم وأبي زرعة ومن كان على مثل هؤلاء من أهل الشأن. قال ابن دقيق العيد: لكن لا يقطع بذلك لاحتمال أن يكون كذبًا في ذلك الإقرار. قول ابن دقيق العيد في الكذاب إذا أقر بالكذب في حديث، قال: الكذاب أقر بالكذب في هذا الحديث، هل يؤخذ بذلك الاعتراف أم لا؟ هذا أمر أو هذه مسألة. هل يقطع بذلك الإقرار أم لا؟ واضح. قال الحافظ: ومن القرائن التي يدرك بها الوضع ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع لمأمون بن أحمد أنه ذكر لحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أم لا، فساق في الحال إسنادًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة. هذا كذب صريح. قال: ومنها ما يؤخذ من حال المروي، كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل. يعني في قوله رحمه الله: ومنها ما يؤخذ من حال المروي، يعني الأول من حال الراوي، الثاني من حال المروي، أي من حال الحديث المروي نفسه. قال: والحامل للوضع على الوضع إما عدم الدين كالزندقة، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى عن جماعة من الزنادقة أنهم أتوا بأحاديث تقشعر منها القلوب والأبدان. ومنها كذلك أن يضع الحديث لحوائجه الشخصية، حوائجه الشخصية كأن يكون تاجرًا عنده بضاعة ما تمشي، الناس ما يأتون إليه، يشتغلونه ما عنده دعاية. قال: أو الإغراب لقصد الاشتهار، وهذا هو ساحة وباب هؤلاء الوضاعين، لذا يقولون: أي لئلا يرحمهم الله تعالى، من أتى بالغرائب يكذب بسبب أنه يكون محل تهمة. والغرائب كثيرة، أي كان يلفق إسناد حديث لإسناد آخر أو يقلب راوين حديث لراوين آخر من أجل أن يروج ذلك الحديث. قال: ولو كل ذلك حرام بإجماع من يعتد به، إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة قيل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل. لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية. قال: واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر، هذا بإجماع. لأن الكذب أصلا من الكبائر بإجماع، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد. قال: وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. أبو محمد الجويني هو والد إمام الحرمين، قال هذا القول، وأول من أنكره على أبيه هو الإمام أبو المعالي الجويني رحمه الله، وهو كما قال: أي أن من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون كافرًا إلا إن استحل ذلك. قال: واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيانه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». أخرجه مسلم في مقدمته. قال: هو القسم الثاني من أقسام المردود، وما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب هو المتروك، يسمى متروكًا. أي أن الحديث إذا رأينا حديثًا في إسناده رجل قد وصف بأنه متهم بالكذب، فإن ذلك الحديث يقال فيه متروك أو حديث متروك. قال رحمه الله: والثالث المنكر على رأي من لا يشترك في المنكر كحد المخالفة. بمعنى أن قوله: المنكر على رأي، فيه إشارة إلى أن الحديث المنكر قد يطلق لمخالفة الضعيف للثقة، وقد يطلق للحديث الذي في إسناده راو فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه فيسمى حديثه منكرًا. قال: ثم الوهم هو القسم السادس، وإنما أخص به لطول الفصل. إن الطعن عليه أي على الوهم بالقرائن الدالة على وهم رواية، من وصل مرسل أو منقطع، أو إدخال حديث في حديث أو نحو ذلك من الأشياء القالة. قال: وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصير في نقد الجينار والدرهم. أي كما ذكروا، يعني ذكر أن رجل جاء إلى أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى فسأله عن أحاديث، فقال الإمام أبو حاتم: سأله عن حديث فقال: هذا صحيح، آخر قال: ضعيف، ثالث قال: موضوع باطل منكر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.