الدرس في شرح نزهة النظر 4، ألقاها
يناقش تعريف المشهور والعزيز والصحيح والغريب في علم الحديث، مع توضيح شروط كل قسم وخصائصه. يشمل ذلك شرح تفصيلي لأقسام الحديث المختلف.
يتناول هذا الفصل تعريف الحديث العزيز وشروطه، كما يناقش تعريف الحديث الصحيح عند الحاكم والشروط اللازمة لذلك. يشمل ذلك توضيح الفرق بين العزيز والصحيح.
يشرح هذا الفصل تعريف الحديث الغريب المطلق والنسبي، ويوضح الفرق بينهما وبين المتواتر. كما يناقش شروط المتواتر وخصائصه في علم الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: والثاني وهو أول أقسام الآحاد، ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو المشهور عند المحدثين. سمي بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء. سمي بذلك لانتشاره، ومن فاض الماء يفيض فيضا. ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك. ومنهم من غاير على كيفية أخرى، وليس من مباحث هذا الفن. ثم المشهور يطلق على ما حرر هنا، وعلى ما اشتهر على الألسنة، فيشمل ما يله إسناد واحد فصاعدا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا. قوله رحمه الله تعالى: والثاني وهو أول أقسام الآحاد، قال: وهو أول أقسام الآحاد. وقوله: وهو أول أقسام الآحاد، في دلالة على أن الخبر ينقسم عند جمهور المتأخرين إلى متواتر وآحاد. والمتواتر هو ما تقدم ذكره، والآحاد كما ذكر أقسام. منهم من يجعل الآحاد يقسم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم من يجعلها أربعة أقسام: المشهور، والمستفيض، والعزيز، والغريب. قوله رحمه الله تعالى: والثاني وهو أول أقسام الآحاد، قوله: أول، في دلالة على أن الآحاد لها أول. فأولها باعتبار الكثرة بعد المتواتر المشهور، فالمشهور هو أولها. قال: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين. وقوله: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، تقدم الكلام على هذا، وأن مقصوده: بأكثر من اثنين ما لم يصل إلى حد التواتر. قال: وهو المشهور عند المحدثين. سمي بذلك لوضوحه. تعقب عليه البقاعي بقوله: لو قال لظهوره كان أبلغ من حيث اللغة، لأن المشهور في اللغة من ظهر الشيء ظهورا. قال رحمه الله تعالى: وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء. وقوله: على رأي، إشارة إلى قول آخر أو إلى أقوال أخرى. قال: وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، سمي بذلك لانتشاره، ومن فاض الماء يفيض فيضا. أي سمي من حيث المعنى لانتشاره، وأيضا من حيث اللغة، المستفيض من حيث اللغة من فاض الماء يفيض فيضا، الذي فيه معنى الكثرة والانتشار. ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك. ومنهم من غاير على كيفية أخرى. قال رحمه الله تعالى: وليس من مباحث هذا الفن. أي التغاير بهذا الاعتبار بكون الأمة تلقته بالقبول ليس من مباحث هذا الفن، وإنما هم مباحث أصول الفقه. قال رحمه الله تعالى: ثم المشهور يطلق على ما حرر هنا. ما هو المشهور؟ على ما حرر هنا، بأن يرويه أكثر من اثنين، بحيث أنه لا يصل إلى حد التواتر. ما بين التواتر والعزيز يسمى مشهورا. قال: ثم المشهور يطلق على ما حررناه هنا، وهو المشهور الاصطلاحي، وعلى ما اشتهر على الألسنة. فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا. وهذه الشهرة كما قال العلماء رحمهم الله تعالى تختلف من قوم لآخر، ومن فئة لأخرى، ومن زمن لآخر. أي مشهور نسبي باعتبار الألسنة. ثم هذا المشهور النسبي الذي هو ليس اصطلاحي، إما أن يكون مشهورا وله حقيقة وأصل وسند، مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات». هذا حديث مشهور عند المحدثين، وإن كان غريبا باعتبار السند. ومثل حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». حديث ابن عمر عند بعض أصحاب السنن، الحديث من أهل العلم من يحسنه ومنهم من يضعفه، لكن عند الفقهاء مشهور. قال رحمه الله تعالى: والثالث العزيز، وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين. وسمي بذلك إما لقلة وجوده، وإما لكونه عزة، أي قوي بمجيئه من طريق أخرى. قوله رحمه الله تعالى: والثالث العزيز، الثالث باعتبار تقسيم الخبر من حيث الورود. الخبر إما أن يكون متواترا، وهذا الأول، وإما أن يكون مشهورا، ويدخل فيه المستفيض، وهذا الثاني، الثالث العزيز. قال: هو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين. قوله: أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين، مفاده أنه إذا رواه ثلاثة عن اثنين يسمى عزيزا. لماذا؟ لأن الأقل في هذا الفن يقضي على الأكثر. قوله: أن لا يرويه أقل من اثنين، يدخل فيه ما رواه اثنان فصاعدا، لا ما رواه أقل من اثنين. قوله: عن اثنين، أي لابد أن يكون أقل طبقة في سنده راويان. قال: وسمي بذلك، أي لماذا سمي الحديث العزيز عزيزا؟ يقول: إما لقلة وجوده، وإما لكونه عزة، أي قوي بمجيئه من طريق أخرى. قال رحمه الله تعالى: وليس شرطا للصحيح. عائد على الحديث العزيز، أي ليس من شرط الصحيح أن يرويه راويان. قال: خلافا لمن زعمه، وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة. قال: من المعتزلة، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث. قال الحاكم: الصحيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. قال الحافظ: والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راوي في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفق في رواية ذلك الحديث بعينه عنه. قوله رحمه الله تعالى: وقد صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري. وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر. قال ابن رشيد: وتعقب بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سلم في عمر، منع في تفرد علقمة عنه، ثم تفرد محمد بن إبراهيم به عن علقمة، ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد. قال الحافظ: وقد ادعى ابن حبان نقيض دعواه، فقال: إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا. قلت: إن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلا فيمكن أن يسلم. قال الحاكم: وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يرويه عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. قال الحافظ: ومثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده» الحديث. رواه عن أنس قتادة، وعبد العزيز بن صهيب. ورواه عن قتادة شعبة، وسعيد. ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية، وعبد الوارث. ورواه عن كل واحد جماعة. قالوا: الرابع الغريب، وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السنة، على ما سيقسم إليه الغريب المطلق والغريب النسبي. والغريب المطلق هو الذي لا يرويه إلا راويه. سمي حديثا غريبا مطلقا، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات». وكحديث أنس في دخول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وعلى رأسه المغفر. والفرد النسبي هو الذي يكون فردا بالنسبة لغيره، وإن كان حديثا في نفسه عزيزا أو مشهورا إلى غير ذلك. قال: وكلها أي الأقسام الأربعة المذكورة، سوى الأول وهو المتواتر، أحد. ويقال لكل منهما خبر واحد. وخبر الواحد في اللغة ما يرويه شخص واحد. وفي الاصطلاح ما لم يجمع شروط المتواتر. هذا تعريف اصطلاحي. أن خبر الآحاد هو ما لم يجمع شروط المتواتر. فلا يسمى متواترا إلا إذا توفرت فيه شروط المتواتر. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.