شرح نزهة النظر 13

الدرس في شرح نزهة النظر 13، ألقاها

مفهوم التدليس وأنواعه في الحديث النبوي

يناقش مفهوم التدليس في الحديث النبوي وأنواعه مثل تدليس الإسناد والتسوية والعطف والسكوت. يبين كيفية تعامل العلماء مع هذه الأنواع من التدليس.

مراتب المدلسين وتدليس الرواة

يشرح أنواع التدليس في الرواية ومراتب المدلسين بناءً على درجة ثقتهم وتدليسهم. يُقسم المدلسون إلى خمس مراتب حسب شدة تدليسهم وثقتهم.

التفريق بين التدليس والمرسل الخفي

يتناول آراء العلماء في التفريق بين التدليس والمرسل الخفي، حيث يختلف الحافظ ابن حجر والعلماء الآخرون في تعريف التدليس وتحديده.

حكم الساقط من الإسناد وتأليف الخطيب

يناقش احتمال سماع الحديث بواسطة أو بدونها، ويذكر أقسام حكم الساقط من الإسناد وتأليف الخطيب في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: والقسم الثاني وهو الخفي المدلس، بفتح اللام، سمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به، واشتقاقه من التدليس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء. قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: والقسم الثاني أي من السقط في السند، لأنه كما تقدم معنا أنه قسم السقط في السند إلى قسمين: إلى ظاهر وخفي، وتقدم الكلام على الظاهر، والآن يتكلم على السقط الخفي. قال رحمه الله تعالى: والقسم الثاني وهو الخفي المدلس، بفتح اللام، أي الحديث المدلس بفتح اللام، بخلاف ما إذا كان مكسورا، أي المدلس المراد به الراوي الذي دلس ذلك الحديث. قال: بفتح اللام سمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به، فهذا فيه معنى التدليس. قال: واشتقاقه من التدليس، مشتق من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء. فكما أن الظلام مع النور يحصل فيه خفاء، يحصل فيه خفاء لا يستطيع الإنسان أن يميز شيئا عن الشيء، لا يستطيع الإنسان أن يميز الشيء حق تمييزه بسبب اختلاط ظلمة الليل بضوء النهار، كذلك الحديث المدلس يحصل فيه نوع خفاء. فالراوي يصنع المدلس؟ يخفي من سمع منه، ثم ينصب راويا فيحدث عنه بصيغة غير صريحة في السماع، فالناظر للحديث يبقى غير متيقن هل سمع هذا الراوي هذا الشيخ أم لا؟ هل سمع أم لا؟ محتمل لهذا ولهذا. قال: قوله ويريد المدلس في صيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقي بين المدلس ومن أسند عنه، كعنعنى، كذا قال. يعني المدلس إذا روى الحديث عن من لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، لا يقول حدثنا، ولا يقول سمعتم، لا يقول أخبرنا، ولكن يأتي بصيغة محتملة، يقول: عن فلان، قال فلان: أن فلاناً قال. قال: وهذا كما يقول علماء في التدليس الذي يسميه العلماء رحمهم الله تعالى تدليس الإسناد، وتدليس الإسناد يدخل فيه كذلك تدليس التسوية. قال: بخلاف بعض أنواع التدليس كما سيأتي الإشارة إليها بإذن الله جل وعلا، ربما يصرح فيها الراوي بالتحديث الصريح، ومع هذا يكون دلس ذلك الإسناد. قال: لأن تدليسه ليس من تدليس الإسناد، ولا من تدليس التسوية، وإنما تدليس آخر عنده، تدليس آخر، إما تدليس يسميه العلماء رحمهم الله تعالى مثلا تدليس العطف، أو تدليس السكوت، أو تدليس القطع. قال: وتدليس العطف كان يقول مثلا: الراويان الحدثان فلان، ثم يقول: ولم يحدثنا فلان، يخفي الثاني، يسمى تدليس العطف. قال: وفي هذا قصة للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أنه جلس يوما للتحديث، وكان معروفا بالتدليس، فبدأ يحدث أو يروي يذكر أحاديث، فرأى التلاميذ لا يكتب أحد منهم شيئا، أي قد اتفقوا على أنهم لا يروون حديثا إلا مصرحا بالسماع. قال: فقال: ما لكم؟ قالوا: لا نكتب اليوم إلا ما قلت فيه حدثنا، فقال: نعم، قال: حدثني حصين ومغيرة، كان يقول وذكر لهم جملة من الأحاديث، ثم قال: كيف رأيتم اليوم هذا؟ لست عليكم شيئا، قالوا: لا، قال: بلى، كل ما قلت فيه حدثني حصين ومغيرة، فإني سمعت من حصين، ولم أسمعه من مغيرة. قال: يعني لو نظرنا في هذا الحديث، حصلت صيغة صريحة أم لا؟ صيغة صريحة، لكن هل اعتبرت؟ الجواب: لا. قال: فالحاصل من هذا أن قول الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: ويرد المدلس بصيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقي بين المدلس ومن أسند عنه، كذا، هذا يقال في تدليس الإسناد المشهور. قال: وهذا يحمل على نوع من أنواع التدليس، لا على كل أنواع التدليس، لأن التدليس من حيث هو كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أنه على قسمين: التدليس من حيث هو أي من حيث الجملة ينقسم إلى قسمين: إلى تدليس الإسناد، وإلى تدليس الشيوخ. قال: وتدليس الإسناد يدخل فيه تدليس التسوية كذلك، وتدليس التسوية هو أن يروي الراوي عن شيخه، أو أن يروي الراوي عن شيخ عن شيخ آخر لم يسمع منه، موهما أنه سمع. قال: يعني يدلس تسوية، قد يدلس في طبقة، وقد يدلس في طبقتين بينه وبين شيخه، وبينه وبين شيخ شيخه، قد يدلس في طبقتين، وقد يدلس في طبقة واحدة، إما الأولى وإما الثانية. قال: وهذا تدليس التسوية، وسمي تدليس التسوية كما قال العلماء: لأنه يسوي الإسناد، أي يظهر الثقات ويسقط الضعفاء، من باب التسوية. قال: ومنه كذلك تدليس العطف، لأنه من تدليس الإسناد، لأنه فيه سقط في الإسناد. قال: ومنه كذلك تدليس السكوت، وتدليس السكوت: كيف هذا؟ يقول مثلا المدلس: حدثنا، يعني يأتي بصيغة، يخفي الذي أخفى الذي روى عنه، يقول: حدثنا، في نفسه: فلان، ثم يقول: فلان، يكون أسقط من حدثه، وذكر من لم يحدثه. قال: حدثنا شيخ الطلب، ما حدثنا، يقول في نفسه: فلان، ولم يحدثنا فلان، يرفع صوته، فيسمع الطلب: أنه حدثه فلان الذي صرح باسمه. قال: لذا كان مما ذكر عن شعبة رحمه الله تعالى من تحريه لأحاديث المدلسين: أنه كان ينظر إلى أفواههم، قال: فإذا رأىها تحركت ما كتب الحديث، وإذا رآها لم تتحرك كتب ذلك الحديث. قال: وهذا من تحري شعبة رحمه الله تعالى لأخذ الحديث، لذا قال: من قال: إذا حدثك شعبة عن رجل فلا تقل: أسمع من ذلك الشيخ أم لا؟ لماذا؟ لأنه لا يروي إلا ما كان مسموعا. قال: ومنه كذلك القطع، وتدليس القطع: كما يقول علماء هو أن يروي الحديث من غير صيغة، مثلا يأتي الراوي يقول: الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يقول: حدثنا، ما يقول: أخبرنا، عن مباشر، يقول: الزهري، أو يقول مثلا: ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يقول: حدثنا، يسمى قطعا، وهو داخل كذلك في تدليس الإسناد. قال: وأما تدليس الشيوخ، تدليس الشيوخ: هو أن يسمي الراوي شيخه باسم أو كنية أو لقب أو وصف لا يعرف بها، لا يعرف بها، بقصد إخفاء أمره، فيسمى تدليس الشيوخ. قال: ويقول: بأن الإمام الخطيب البغدادي كان لهجا في هذا الأمر، كان يكثر من هذا الفعل رحمه الله، وغيره كذلك، أبو نعيم صاحب الحلية. قال: يعني يكون الراوي مثلا اسمه مثلا: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن صالح مثلا الصنعاني اليمني الحميري مثلا، فيقول: حدثنا الحميري، الناس ما يعرف الحميري، يعرف من الصنعاني. قال: يكون رجل كنية: أبو عبد الله، معه ولد آخر اسمه مثلا محمد، يقول: حدثنا أبو محمد، من أبو محمد هذا؟ الله أعلم من هو، وهو هذا الراوي نفسه. قال: فالحاصل: يسميه أو يكنيه هذا يسمى تدليس الشيوخ، ويدخل في تدليس الشيوخ أيضا تدليس البلدان، تدليس البلدان. قال: ومنه أن يقول إنسان في بعض القرى مثلا في اليمن مثلا تسمى في بعض المناطق أو في بعض أمكنة مثلا تسمى: شارع بغداد، شارع القاهرة، يأتي إنسان فيقول: حدثنا فلان بن فلان في بغداد، السامع يقول: من قد رحل إلى بغداد، حدثنا فلان بن فلان في القاهرة، حدثنا فلان فلان. قال: كان يقول زمان فيما وراء النهرين، وراء الدجلة والفرات، يكون في بغداد، انتقل إلى الجهة الأخرى ما وراء النهرين، الناس يظنون أنه ذهب إلى بلاد خراسان. قال: فهذا من هذا الباب، هذا يسمى تدليس البلدان، هو داخل في تدليس الشيوخ، إذ أنه يتصنع أنه رحل واستكثر من الشيوخ. قال: كما أن الأول في تغيير أسماء أو كنية أو ألقاب شيوخه يظهر كثرة الشيوخ، وللتدليس أغراض ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى. قال: ولعله يأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا في درس آخر، أكبر من هذا بإذن الله جل وعلا. قال: حاصل كلام الذي تقدم ذكره الذي لأجله خرجنا إلى هذا المخرج: هو أن قول الحافظ رحمه الله تعالى: ويرد المدلس بصيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقي بين المدلس ومن أسند عنه، كذا، هذا يقال في تدليس الإسناد المشهور. قال: وهذا يحمل على نوع من أنواع التدليس، لا على كل أنواع التدليس. قال: فإذا أتى بصيغة صريحة لا تجوز أي لا مدفع لها، هذا يكون كذابا، إذ أنه قال: سمعتم ممن لم يسمع. قال: وهذا من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، إذ أن العلماء رحمهم الله تعالى لا يعاملون جميع المدلسين معاملة واحدة، بل يعاملونهم بحسب ذلك المدلس، وبحسب مروياته، وبحسب نوع التدليس. قال: فينظرون إلى ذلك المدلس: أهو ثقة أم لا؟ فإذا كان ثقة، ينظرون إلى تدليسه: هل يدلس عن الثقات أم يدلس عن الضعفاء؟ قال: فإن كان الثاني أي يدلس عن الضعفاء، نظر: هل هو مكثر في ذلك أم أنه مقل؟ أي روايته عن الضعفاء أو تدليسه بالنسبة لروايته عن الثقات أو روايته المستقيمة. قال: وعلى هذا ينزلون الراوي منزلته، لذا جعل الأئمة رحمهم الله تعالى وأول من فعل هذه المراتب الإمام العلاء رحمه الله تعالى، قسمهم إلى خمس مراتب. قال: وقبل هذا قسم الحاكم إلى مراتب، لكن أحسن من قسم المدلسين إلى مراتب الإمام العلاء رحمه الله تعالى، قسمهم إلى خمس مراتب، وتبعوا على ذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في كتابه: تعريف أهل التقديس في مراتب أهل التدليس. قال: وهذا الكتاب صار إماما لمن جاء بعده، أي كل من جاء بعده يسير على سير الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. قال: فقد قسم المدلسين إلى خمسة أقسام، القسم الأول: من لا يدلس إلا في أندر من النادر، فمثل هذا يمشى حديثه ولو عنعن. قال: القسم الثاني: ذكر فيه صنفان، أو ذكر فيه صنفين: الصنف الأول: من كان لا يدلس إلا عن الثقات، كسفيان بن عيينه، أو كان يدلس عن الضعفاء، ولكن قليل بالنسبة لمروياته وكثرتها، مثل سفيان الثوري. قال: وكلا الصنفين حديثه وعنعنته تمشى، تمشى ولو عنعن، إلا أن يعرف أن ذلك مما دلسه. قال: القسم الثالث: ما كان أمره محتملا، أو المرتبة الثالثة: ما كان أمره محتملا، فمثل هذا محل اجتهاد ونظر. قال: لأن هذه الطبقة منهم من يمشيها، ومنهم من يتوقف فيها، وهذا يرجع إلى نظر المجتهد، وإلى حال ذلك الراوي، ومن روى عنه. قال: فتارة وتارة، أي بعضهم يمشيها، وبعضهم يتوقف فيها، المرتبة الرابعة: مرتبة من عرف عنه كثرة التدليس، يعني مرتبة ثالثة مثل الأعمش، قتادة، مثل أبي إسحاق السبيعي، هذه مراتب اجتهاد كذلك. قال: فمنهم من قبل عنعنتهم، وممن يمشيهم، ومنهم من توقف فيها، الرابعة: من كان تدليسه عن الضعفة، أو من لا يدلس إلا عن الضعفة، أو كان كثير التدليس كذلك عن الضعفة، مثل ابن جريج، فهذا يتوقف في عنعنته، ولا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث. قال: المرتبة الخامسة: من جمع بين وصفين: بين التدليس كما في المرتبة الرابعة، وبين الضعف أي في حديثه ضعف، فهذا لا يقبل حديثه ولو صرح بالتحديث. قال: إلا أن جاء ما يعضده مما هو مثله أو أعلى منه، والله أعلى وأعلم. قال: ومعنى هذا: أنه لا يقبل إلا إذا صرح بالتحديث، إذا رأينا راويا مثلا راويا يقول: إذا روى عن شيخ يقول: عن فلان عن فلان، ثم رأيناه في إسناد آخر يروي الحديث عن ذلك عن شيخ شيخه من غير واسطة. قال: ونظرنا في الإسناد ما رأيناه صرح قط بالسماع، ونظرنا في كلامه إما لم يذكر أنه سمع، ولم يذكر أنه لم يسمع، فمثل هذا ما حكمه؟ هذا كذلك نتوقف فيه، ولا نمشي حديثه إلا إذا صرح بالسماع. قال: فنعامل معاملة المدلس في هذه الحالة، لأنه مدلس، ولكن لأننا لا ندري: أسمع ذلك الحديث من ذلك الراوي أم لا؟ قال: والفرق بين المدلس والمرسل الخفي دقيق، حصل تحريره بما ذكر هنا، وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه. قال: فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهو المرسل الخفي، ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لقي، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما. قال: والصواب يعني قبل هذا الحافظ بن حجر رحمه الله يجعل أو فرق بين المرسل الخفي وبين التدليس، لماذا؟ فرق بينهما لأجل التمييز بين الأنواع. قال: فبماذا ميز بين النوعين بين المدلس وبين المرسل الخفي؟ فرق وميز بينهما بأمر، ما هو هذا الأمر؟ أن رواية من روى أن رواية من لقي ما لم يسمع، هذه سمى تدليسا، ورواية من عاصر ما لم يسمع، هذا سمى مرسلا خفيا. قال: فجعل الفرق بينهما في اللقاء من عدمه، فإذا لقي سمي مدلسا، إذا ما لقي وإنما عاصر سمي مرسلا خفيا. قال: هكذا حرره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وسار عليه كثير من المتأخرين، والصواب في هذه المسألة والله أعلى وأعلم: أن التفريق بينهما إنما يكون في إيهام السماع. قال: فمتى وجد الإيهام فإنه يسمى مدلسا، ومتى انتفى الإيهام فإنه لا يسمى مدلسا، لأن التدليس منوط بالإيهام. قال: فمتى وجد الإيهام وجد التدليس، ومتى انتفى الإيهام انتفى التدليس. قال: وقد ذكر العلامة المعلمي رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة في كتاب التنكيل، وكذلك في غيره من مصادر لهذا المعنى. قال: جاء ذكر في مسلم في بعض رواية مسلم في مقدمة مسلم، المسلم رحمه الله تعالى عندما تكلم على شرطه، ذكر أن بعض الأحاديث جاءت من طريق هشام عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قال: وجاء هذه الأحاديث نفسها أو ظهرت هذه الأحاديث: أنه ليس من مما سمعه هشام عروة من أبيه، وإنما سمعه من غيره، ومع هذا ما وصفه أحد بأنه مدلس. قال: فدل هذا على أن العبرة في التدليس بالإيهام، فمدار التدليس على الإيهام، لذا وصف من روى عن من عاصر ما لم يسمع، موهما أنه سمع، بأنه مدلس. قال: ووصف من سمع ما لم يسمع، ولم يكن موهما لسماع أنه ليس بمدلس، فدل على أن مناط الحكم بالتدليس على الإيهام. قال: فمتى وجد الإيهام وجد التدليس، ومتى فقد فقد، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماعة من العلماء رحمهم الله. قال: وإن كان ما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله هو الذي درج عليه كثير من المتأخرين. قال: ويدل على أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها لابد منه، اطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهري، وقيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس. قال: ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس، لكان هؤلاء مدلسين، لأنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعا، ولكن لم يعرف: هل لقوه؟ هل لقوه أم لا؟ قال: وهذا ليس بصواب، بل قد عرف أنهم لم يلقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا ما ذكره من دليل، هل يكون في باب المرسل الجلي أو المرسل الخفي؟ هذا من قبيل المرسل الخفي، لماذا؟ لأن هؤلاء قد نص العلماء وعرف بين العلماء: بأن هؤلاء ليسوا بصحابة. قال: فلم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو سمعوا لقيل فيهم: بأنهم صحابة، فقوله: ولكن لم يعرف: هل لقوه أم لا؟ ليس بصواب، بل قد عرف أنهم لم يلقوا. قال: وقد تقدم كلام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: أن العبرة في الإيهام، العبرة بالإيهام. قال: قال: ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بجزم إمام مطلع. قال: يعني عدم الملاقاة كما ذكر: إما بإخباره عن نفسه بذلك، يقول: عن فلان، ولم أسمع منه، لم ألق فلان. قال: أو يكون بين تلاميذه قد أخبرهم من قبل: أنني لم ألق فلانا، ثم يحدث بأحاديث عن فلان عن فلان، التلاميذ يفهمون: هل تدليس أم أنه لم يسمعه منه على سبيل الإرسال؟ على سبيل الإرسال. قال: أو يجزم إمام مطلع، إمام ينص من أهل العلم: بأن فلانا لم يسمع فلانا، فهذا أقول من قبل المرسل الخفي، روى حديثا، هذا حاله. قال: ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة رواة أو أكثر بينهما، لإحتمال أن يكون من المزيد، ولا يحكم في هذه الصورة بحكم كلي لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع. قال: قوله رحمه الله تعالى: لإحتمال أن يكون من المزيد، الأصل في المزيد في متصل الأسانيد: أنه من قبيل الضعيف. قال: فإن قصد بهذا قصد بالمزيد المزيد في متصل الأسانيد، فإنهم وهاموا من الراوي، فلا يكون سببا في الشك في قول الراوي: سمع أم لا؟ قال: وإن أراد بقوله رحمه الله تعالى: وهو الأظهر لاحتمال أن يكون من المزيد، بمعنى أنه زاد في بعض الطرق فروى بواسطة، وفي بعض الطرق رواه مباشرة عن شيخه. قال: ومع احتمال أن يكون سمعهما جميعا تارة بواسطة وتارة بغير واسطة، كما هو صنيع الأئمة رحمهم الله تعالى: أن يحدث تارة بواسطة وتارة بغير واسطة لزيادة أو أمر آخر في تلك الواسطة. قال: وقد صنف فيه الخطيب كتاب التفصيل لمبهم المراسيل، وكتاب المزيد في متصل الأسانيد. قال: وقد انتهت هنا أقسام حكم الساقط من الإسناد. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على