شرح نزهة النظر 2

الدرس في شرح نزهة النظر 2، ألقاها

مقدمة نزهة النظر وشرح نخبة الفكر

يشرح الحافظ ابن حجر سبب تأليفه لكتاب نخبة الفكر وشرحه له في كتاب نزهة النظر، ويبين منهجه في الشرح. كما يتطرق إلى تعريف الخبر والحديث عند علماء الحديث.

تعريف الخبر والحديث وتقسيمات الإسناد

يناقش تعريف الخبر والحديث والإسناد وتقسيماتها، ويشرح آراء العلماء في التفريق بينهما. كما يتطرق إلى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد.

شروط المتواتر وآراء العلماء حولها

يتناول شروط الحديث المتواتر، ويشرح آراء العلماء حول تحديد عدد معين للتواتر. كما يشير إلى أن العبرة في التواتر هي حصول العلم، وليس عدد الرواة.

تفصيل شروط المتواتر الأربعة

يعدد شروط الحديث المتواتر الأربعة: عدد كثير يحيل العادة تواطؤهم على الكذب، واستمرار هذا العدد في جميع الطبقات، وأن يكون منتهى الخبر الحس لا العقل، وأن يفيد الخبر العلم لسامعه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: فسألني بعض الإخوان أن ألخص لهم المهم من ذلك، طلب منه هؤلاء الإخوان أن يكتب وأن يلخص لهم كتابًا، وهذا كتاب من وصفه أنه يكون مختصرًا نافعًا في علم مصطلح الحديث، فلخص لهم وكتب لهم هذه الأوراق اللطيفة التي سماها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر». ذكر من ذلك جماعة من هؤلاء عز الدين ابن جماعة، وكذلك شمس الدين محمد بن محمد الزركشي. ونخبة الفكر معناها - كما يقول علماء - خيار ما حصل من الأفكار في علم الأخبار. قال: على ترتيب ابتكرته وسبيل انتهجته. قوله: على ترتيب ابتكرته، هذا يؤكد ما تقدم معنا في الدرس الماضي من أن الحافظ رحمه الله تعالى في كتاب «نخبة الفكر» سلك طريقًا لم يسبق إليه في التصنيف في علم مصطلح الحديث، إذ اعتاد العلماء ممن سبق الحافظ ابن حجر رحمهم الله تعالى جميعًا على سير بسير الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى في كتاب «مقدمة ابن الصلاح» المشهور «بعلوم الحديث» لابن الصلاح. فالحافظ رحمه الله تعالى ابتكر هذه الطريقة الجديدة في الترتيب، والجديدة كذلك في الأسلوب. قال: وسبيل انتهجته، مع ما ضممته إليه من شوارد الفرائد، من شوارد الفرائد أي التي وقف عليها الحافظ رحمه الله تعالى في بطون الكتب، وفي أثناء ممارسته لعلم الحديث، وزوائد الفوائد. وهذا يدلنا على ما ذُكر أن الكتاب - كما يقال - نخب انتخبها الحافظ رحمه الله تعالى من عصارة جهود ومواربة كبيرة وعظيمة لكتب الحديث. تعرفون الحافظ رحمه الله تعالى شرح «صحيح البخاري» في كتابه المسمى بـ «فتح الباري»، وقد مارس رحمه الله تعالى أحاديث البخاري التي يعد أصل الصحاح، والناس عليها في معرفة الحديث: ما الصحيح وما يقاربه، وتكلم على الطرق في الأبواب والشواهد وإلى غير ذلك. وهذا لا شك ولا ريب أنه يكسبه خبرة وملكة بمعرفة طرق أهل العلم في الصحيح من غيره، إلى جانب ما ذكره رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه الذي هو مقدم على كتاب «صحيح البخاري»، الذي تسمى بهذه السمة - مقدم على «صحيح البخاري». زد على هذا ما كتبه من كتاب المسمى بـ «تغليق التعليق على معلقات، زد على هذا ما ذكره الحافظ رحمه الله أو ما ألفه الحافظ في فنون أخرى في كتب التخريج، مثل «التلخيص الحبير»، مثل «البدر المنير»، وغيرها من الكتب التي هي من كتب التخريج التي تعتني بممارسة أحاديث الأحاديث - أحاديث الأحكام - ومعرفة طرائق العلماء رحمه الله تعالى فيها: تصحيحًا وتضعيفًا. إلى جانب ما عرف به الحافظ رحمه الله تعالى من العناية والاعتناء بالرواة، فألف كتاب «تهذيب التهذيب»، ثم لخصه في كتاب «تقريب التهذيب»، وأتى على كتاب «الميزان» بلسان سماه «لسان الميزان»، إلى جانب ما جاء في كتابه كذلك «تعجيل المنفعة بزوائد الكتب» - بالزوائد - على ما عُدّ الكتب الستة المعروفة. فالحاصل أنه رجل ممارس لعلم الحديث: رواية ودراية. فكان هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو زبدة ممارسته رحمه الله تعالى لهذه الكتب. وكما سيأتي معنا: الشيء الكثير الذي يدل على ما تقدم ذكره. وقال رحمه الله: فرغب إليّ جماعة ثانية أن نضع عليها شرحًا يحل رموزها، ويفتح فنوزها، ويوضح ما خفي من ذلك للمبتدئ. فأجبته إلى سؤالها، رجال اندرجوا في تلك المسالك. طيب هذا في قوله: «فرغب إليّ جماعة» يدل كذلك على أن «نزهة النظر» - أن «نزهة النظر» كان سبب تأليفها سؤال بعض العلماء الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن يؤلف - أن يكتب شرحًا عليها. وممن ذكر: الزركشي، ممن ذكر كذلك أنه سأله وطلب منه ذلك الزركشي رحمه الله تعالى - أي أن يضع لها شرحًا. لماذا؟ لما تقدم ذكره من أن «رب البيت أعلم بما فيه». قال: فبلغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خبايا زواياها. لأن «صاحب البيت أدرى بما فيه»، فهو يدري بمعنى هذا، ولما وضع هذا هاهنا، ولما كان هذا هاهنا، وما شابه ذلك. وهذا مثل يؤتى به لخبرة الإنسان بالشيء الذي يمارشه، إنسان إذا كان خبيرًا بالشيء قالوا له ماذا؟ «رب البيت أدرى بما فيه»، «رب البيت أدرى بما فيه». قوله رحمه الله تعالى: وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أليق، ودمجها ضمن توضيحها أوفق. ما معنى «دمجها»؟ أيضًا دمج المتن ضمن الشرح، دمج المتن الذي هو «نخبة الفكر» ضمن الشرح، حتى كأنه كتاب واحد، حتى كأنه كتاب واحد. لماذا؟ يقول حافظ رحمه الله تعالى: ودمجها ضمن توضيحها أوفق. يقول: إذا دمجت الحديث - المتن - وجعلت فيه سياق واحد مع الشرح، هذه الطريقة تجعله أكثر وضوحًا. قال: فسلكت هذه الطريقة القليلة المسالك. لماذا هي قليلة المسالك؟ قال: علماء رحمهم الله تعالى لأنها صعبت - يعني لصعوبتها - قليلة المسالك. لماذا؟ لصعوبتها، والأمر الثاني: لقلة اعتياد العلماء على مثلها، فلا يزاولها إلا القليل، فلا يزاولها إلا القليل. فأقول: طالبًا من الله التوفيق فيما هنالك، وهذا طلطفًا منه رحمه الله تعالى، وإشارة إلى أن الإنسان - الإنسان - في طلبه للعلم، وفي تأليفه وتصنيفه، وفي سيره إلى الله عز وجل: هو مفتقر محتاج إلى ربه جل وعلا بالعون والتوفيق والسداد. وأن العبد بالله - لا بنفسه - ولا بذكائه - ولا بعلمه - ولكن هو بالله جل وعلا يكون، وبالله جل وعلا لا يكون. قال الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. قوله رحمه الله: «الخبر»، الخبر عند علماء هذا الفن، ما المقصود بعلماء هذا الفن؟ المقصود بهم علماء الحديث، المقصود بهم علماء الحديث. وقوله: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث، المراد به: عند جمهور علماء هذا الفن، وإلا سيأتي معنا أن في المسألة خلاف. فقوله رحمه الله: عند علماء هذا الفن - أي عند جمهورهم - لا عندهم كلهم، لا عندهم كلهم واضح جماعة. لا. وقوله رحمه الله تعالى: الخبر عند علماء هذا الفن مرادفًا للحديث، بمعنى أن الحديث والخبر بمعنى واحد، أن الحديث والخبر بمعنى واحد. والحديث يعني: عرفه العلماء: عرف العلماء الحديث بأنهم في اللغة: ضد القديم، الحديث ضد القديم. واصطلاحًا: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قولًا له، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفة - حتى الحركات والسكنات - في اليقظة والمنام. فهو أعم من السنة. فقيل: الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن غيره. ومن ثم قيل: لمن يشتغل بالتواريخ ومشاكلها: الأخبار، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: المحدث. وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس. وعبرت هنا بالخبر ليكون أشمل، فهو باعتبار وصوله إلينا. طيب يقول رحمه الله تعالى: وقيل: الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم - يعني هذا فرق من الفروق لذكرها العلماء، أو بعض العلماء - في التفريق بين الخبر والحديث. فمنهم من فرق بين الخبر والحديث بأن الحديث ما جاء عن النبي خاصة، والخبر ما جاء عن غيره. ما معنى ما جاء عن غيره؟ أي ما جاء عن سوى النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان موقوفًا أو مقطوعًا إلى غير ذلك، يسمى ماذا؟ يسمى خبرًا، ولا يسمى حديثًا. قالوا: ومن ثم قيل: لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الأخبار. لماذا؟ لأنه يعتني بالأخبار، يعتني بالأخبار. ولمن يشتغل بالسنة النبوية: بأنه محدث، هذا قول. وقيل: وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس، فكل حديث خبر من غير عكس - أي أن الخبر أعم، والحديث أخص - واضح. فكل حديث خبر من غير عكس. قال رحمه الله: طيب. ولماذا؟ لأن الخبر يدخل فيه ما كان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الحديث فلا يكون إلا ما كان عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذه أقوال. واضح. جماعة. والراجح منها ما هو؟ ما تقدم أولًا، الذي عليه جماهير المحدثين: أن الخبر يطلق على الحديث، والحديث يطلق على الخبر. لذا يقول المحدثون: «جاء في الخبر»، ويقولون: «جاء في الحديث»، واضح جماعة. وكذلك يطلق عليه كذلك، وبعض أهل العلم كذلك يفرق بين الحديث والأثر، فيجعل الأثر عما سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث عما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم من يجعل من الحديث فيقولون: كل حديث أثر ولا عكس، بمعنى أن الأثر يدخل فيه الحديث، ويدخل فيه ما كان ليس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. واضح جماعة. لا. والأمر في ذلك كذلك واسع، وهو أمر اصطلاحي. فضلًا. قال: وعبرت هنا بالخبر ليكون أشمل، فهو باعتبار وصوله إلينا: إما أن يكون له طرق - أي أسانيد كثيرة - لأن الطرق جمع طريق، وفعيل في الكثرة يجمع على «فعل» بضمتين، وفي القلة على «أفعال». والمراد بالطرق: الأسانيد، والإسناد حكاية طريق المتن. طيب قولوا رحمه الله: وعبرت هنا بالخبر - أي في المتن - في «النخبة». لماذا عبر؟ قال: ليكون أشمل. لماذا ليكون أشمل؟ يدخل فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه خبر من سواه، لأنه سيتكلم على موقوفات الصحابة، وعلى مقطوعات التابعين، فمن دونهم. إذن التعبير بالخبر أعم وأشمل. واضح. هذا. ثم قال: فهو باعتبار وصوله إلينا، الخبر باعتبار وصوله إلينا - باعتبار إسناده - إما أن يكون له طرق - أي جاء من طرق متعددة - أي أسانيد - أي أسانيد كثيرة - أي متعددة - لأن «طرقًا» جمع طريق، «طرقًا» جمع طريق. لماذا؟ قال: وفعيل في الكثرة يجمع على «فعل» بضمتين، فهو «الطرق» بوزن ماذا؟ «فعل» بضمتين. وفي القلة على «أفعال». واضح جماعة. فهو يقول: «طرقًا» يعني لأن «طرقًا» جمع طريق، وفعيل في الكثرة يجمع على «فعل» بضمتين، وفي القلة على «أفعال». هاهنا يتكلم على ماذا؟ يتكلم على يعني مادة «طرق»، وأنها ترجع إلى ماذا؟ إلى «فعل». وهي تفيد ماذا؟ الكثرة، تفيد ماذا؟ الكثرة. قال رحمه الله: والمراد بالطرق الأسانيد، الطرق الأسانيد، والإسناد حكاية طريق المتن. هذا هو تعريف للإسناد، احفظوا هذا التعريف. الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يعرف الإسناد بأنه ماذا؟ بأنه حكاية طريق المتن. الإسناد حكاية طريق المتن، والمتن ما هو؟ واضح جماعة. المتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد، المتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد: سواء انتهى الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى من هو دونه. فما ينتهي إليه الإسناد يسمى ماذا؟ متنا. بقي أن ننبه على أمر، وهو أن بعض العلماء - أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى - يفرقون بين الإسناد والسند، يفرقون بين الإسناد والسند: بأن السند إخبار عن طريق المتن - السند إخبار عن طريق المتن - كما تقدم معنا: حكاية طريق المتن، والإسناد رفع الحديث إلى قائله. والأظهر أنهم لا يطلقوا هذا على هذا، ولا فرق - أي يقال: إسناد وسند - يقال: إسناد الحديث كذا وكذا، وسند الحديث كذا وكذا. لكن العلماء يقولون: هذا حديث مسند - إذا ذكروا مسألة الوقت والإسناد - يقولون ماذا؟ «مسند»، يعني: هل هو مرسل مثلًا أو مسند؟ يقولون: «مسند». أو يقول: «أسنده فلان»، أسنده فلان - على سبيل الفعل - لكن من حيث الكلام السابق: السند والإسناد هو ماذا؟ يطلق هذا على هذا، وهذا على هذا. يقال: سند الحديث كذا وكذا، ويقال: إسناد الحديث كذا وكذا. طيب. قال: وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد. فلا معنى لتعين العدد على الصحيح. ومنهم من عينه في الأربعة، وقيل: في الخمسة، وقيل: في السبعة، وقيل: في العشرة، وقيل: في الاثني عشر، وقيل: في الأربعين، وقيل: في السبعين، وقيل: غير ذلك. وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد، فأفاد العلم، وليس بلازم أن يتطرد في غيره لاحتمال الاختصاص. طيب قوله رحمه الله تعالى: قال: وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد. أولًا: فيه أن الحافظ رحمه الله تعالى أول ما ابتدأ به كتابه هذا: الكلام على الحديث المتواتر والآحاد. وهذه طريقة لم يسبق إليها الحافظ بن حجر، فهو أول من سار على هذا السير. ثانيًا: أن تقسيم أنه ابتدأ كتابه بذكره هذا التقسيم - أي تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد - وإدراج هذا في كتب المصطلح: عابه من عابه من علماء الحديث، إذ أن الكلام على الخبر من حيث التواتر وعدمه - قالوا - هو من مباحث علوم أصول الفقه، لا مباحث أصول الحديث. واضح جماعة. وأجيب عن ذلك بأن الحافظ رحمه الله تعالى سار بهذا السير. أولًا: بكونه ابتدأ بالخبر المتواتر لأنه أراد - لأنه عرف الإسناد - ثم بعد أن عرف الإسناد أراد أن يبين أن الإسناد منه: إما أن يكون ذا طرق متعددة، وما يسمى بالمتواتر. فاحتاج إلى تبين المتواتر: ما هو؟ ثم فرع على ذلك ما يكون من غير المتواتر: من المشهور والعزيز والآحاد. ليتوصل بعد ذلك إلى تعريف الحديث الصحيح. وأراد التدرج بفكرة ظهرت له، وأسلوب ظهر له به يتوصل إلى المطلوب. هذا أمر. والأمر الثاني: أنه أدرج هذا المبحث في كتابه - مع أنه من مباحث أصول الفقه - هو كما سمعتم: يكون ذكره استطرادًا لا أساسًا ورأسًا. ثم إنه في ذلك قد سبق بغيره ممن وصف بأن كل من جاء بعده: فهم عيال عليه، أو على كتبه. من هو هذا يا جماعة؟ الخطيب البغدادي. واضح جماعة. «خطيب البغدادي» قد ذكر - أو ممن ذكر - هذا أي مبحث المتواتر في كتابه «الْكفاية». قوله رحمه الله تعالى: بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد. هذا تعريف للحافظ بن حجر رحمه الله تعالى لحديث المتواتر. ما هو تعريف الحديث المتواتر؟ يقول: وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد. هذا الشرط الأول. وسأتي معنا ببقية شروط الحديث المتواتر. فالحاصل أن الشرط الأول في الحديث المتواتر أن يكون ماذا؟ أن يكون ذا طرق متعددة قد أحالت العادة على تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد. ما معنى «قد أحالت العادة تواطؤهم على الكذب»؟ ما الفرق بين «تواطؤهم» و «توافقهم»؟ واضح جماعة. قد أحالت - أحالت - يعني: بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم: التواطؤ على الكذب - أي توافقهم قصدًا - سواء تواطؤ فيما بينهم أم لا. وقوله: وكذا وقوعه منهم اتفاقًا - أي غلطًا أو سهوًا - اتفاقًا - أي من غير قصد - فالتواطؤ أن يكون بقصد، والاتفاق أن لا يكون بقصد. قال: فلا معنى لتعين العدد على الصحيح. ومنهم من عينوا في الأربعة - يعني منهم من جعل حد التواتر - عدد التواتر - لابد أن يكون من أربعة رواه. واستدل على ذلك بماذا؟ بأن يعني أعلى الشهادة: الشهادة الزنا - وهي تكون بكم شهادات؟ بأربعة شهود. فقالوا: فأقل التواتر أن يكون ماذا؟ بأربعة شهود. وقيل: في الخمسة، استدل أصحاب الخمسة بماذا؟ باللعان - بأن اللعان أو الملاعن بين الرجل وامرأته يكون بكم؟ بخمسة شهادات. قالوا: فهذا أدنى ما يثبت فيه ماذا؟ اليقين بصحة الدعوة. إذن هو أصل العدد في ماذا؟ في التواتر. وقيل: في السبعة، وقيل: في السبعة باعتبار ماذا؟ السبعة. قالوا: باعتبار عدد أصحاب الكهف - وسيقول: «سبعة وثامنهم كلبهم». قالوا: هؤلاء أقل من تبلغ بهم الحجة - حجة الله عز وجل. إذن أقل التواتر كم؟ سبعة. واضح. وقيل: في العشرة. لماذا في العشرة كذلك؟ قالوا: في العشرة لأنه أول جموع الكثرة، أول جموع الكثرة: العشرة. وقيل: في الاثني عشر. والذين قالوا بالاثني عشر: اجتدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ طيب. أصحاب موسى عليه السلام. قالوا: هذا في دلالة على أن هؤلاء هم الذين خبرهم يفيد ماذا؟ العلم. وقيل: في الأربعين، لقوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: وكان عددهم حينئذ أربعين. فدل على أن العلم يقام بماذا؟ بالأربعين. وقيل: في السبعين، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ قالوا: هذا في دلالة على أن العلم يقام بالعدد إذا بلغ كم؟ إلى سبعين. وقيل: غير ذلك، وقيل: غير ذلك - أي أنهم ذكروا ما ذكروا من أعداد - كل من رأى رقمًا أو عددًا في القرآن أو في السنة - قال: إذن المتواتر لا يكون إلا بماذا؟ إلا بكذا وكذا. لذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ماذا؟ ذكر ذلك العدد. فأفاد إيش؟ فأفاد العلم. قال: وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص. واضح جماعة. أن في بعض القضايا يحتاج إلى أربعة، بعضها خمسة، بعضها ستة، بعضها عشرة. واضح. تختلف باختلاف نوع القضايا، وباختلاف نوع المخبرين. واضح جماعة. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور. ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الخبر متى أفاد العلم اليقين فإنه متواتر، سواء رواه عددًا محصورًا: بثلاثة، بأربعة، بخمسة، بعشرة. متى ما وقع العلم فإنه يسمى ماذا؟ يسمى الحديث متواترًا. واضح جماعة. إذ العبرة بالمتواتر ما هو؟ حصول العلم. ثمرة المتواتر هو حصول العلم. فمتى حصل العلم سمي الحديث بأنه ماذا؟ متواترًا. مع التنبيه أن تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد: إنما هو من تقسيم المعتزلة، الجهمية. وبالأخص - كما كنا نسمع من شيخنا رحمه الله تعالى - العلامة مقبل بن هادي الوادعي: أن أول من قال بهذا التقسيم: إبراهيم بن إسماعيل بن علي بن الإمام ابن عليا. وكان جهميًا معتزليًا. وإبراهيم الأصم الذي قيل فيه بأنه «عن الحق أصم» كذلك معتزلي جهم. هما أول من قسم الأخبار إلى متواتر وآحاد. والعلماء بعد ذلك لما رأوا أن الأمر شاع وذاع، وصار مقررًا ومذكورًا في كتب العلم: اضطروا إلى ذكر هذه الأقسام، وإلى ضبط هذا الباب ليعلم الحق فيه من الباطل. قال: فضلًا إذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه. والمراد بالاستواء: أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لأن تزيد، إلى زيادة هنا مطلوبة من باب أولى. هذا الشرط الثاني في الحديث المتواتر. الشرط الثاني ما هو؟ فإذا ورد الخبر كذلك - أي بعدد أفاد العلم - وانضاف إليه - انضاف هو الشرط الثاني - أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه - أي من ابتداء الإسناد - إلى انتهائه. وقوله: من ابتدائه - من أهل العلم الراجح أن الابتداء من جهة المصنف - من ابتداءه من جهة المصنف - انتهاءه إلى انتهاء السند من جهة المتن. ومنهم من قلب هذا: فرأى أن الابتداء من جهة المتن، والانتهاء إلى جهة من؟ إلى جهة المصنف. لأن أول من سمع الخبر من من كان في جهة ماذا؟ المتن. فالخبر ابتدئ من من؟ منه. واضح جماعة. عملة. وهو كما يقال: خلاف الاصطلاح. منهم من رأى هذا، ومنهم من رأى هذا. ويقال في هذا: لا مشاح في الاصطلاح. طيب ما معنى قوله رحمه الله تعالى: من ابتداء إلى انتهاء؟ يعني مثاله: لو قلنا بأن المتواتر حصل العلم - مثلا على سبيل المثال - في خبر ما بخمسة رواة. يقول حافظ: لابد أن يتتابع الرواة خمسة خمسة - مثلا - إلى أن يصل إلى من؟ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. إذا زاد في بعض الطبقات خمسة، ستة، سبعة، عشرة. ما في مشكلة - كما يقال - ما في ضرر. واضح. لكن إذا قل في بعض الطبقات: هنا يكون ماذا؟ ينقطع التواتر. واضح جماعة. يعني إذا كان خمسة خمسة خمسة: متواتر. إذا كان خمسة خمسة عشرة خمسة: هذا إيش؟ متواتر. أم لا؟ متواتر. واضح. لماذا؟ لأنه زاد. زاد. لكن إذا كان خمسة خمسة ثلاثة، أو خمسة خمسة واحد خمسة: يعني في الطبقة الأولى خمسة، في الطبقة الثانية خمسة، في الطبقة الثالثة راوٍ واحد، ثم التي تليها خمسة. هذا يسمى متواترًا أو لا يسمى متواترًا؟ لا يسمى متواترًا. لماذا؟ لقاعدة مرت معنا أخذناها في «البيقونية»: ما هي هذه القاعدة؟ نذكركم بها: أن الأقل في هذا الفن يقضي على ماذا؟ على الأكثر. تذكرون هذه القاعدة ونسيتموها؟ تذكروها: إن الأقل في هذا الفن يقضي على ماذا؟ على الأكثر. واضح. فإذا كان في بعض السند واحد: صار الحديث ماذا؟ أحدًا. ولو كان في جميع السند ماذا؟ رواه الجمع عن الجمع. واضح جماعة. إذ الأقل في هذا الفن يقضي على ماذا؟ على الأكثر. إذن الشرط الثاني ما هو؟ في الحديث المتواتر: أن تبقى العدد على ما هو عليه: يزيد نعم، لكن انقص لا. واضح جماعة. لا. قال: فضلًا أن يكون مستند انتهائه إلى الأمر المشاهدة والمسموع لا ما ثبت بحضية العقل. هذا أيضًا شرط، هذا أيضًا شرط. ما هو الشرط الثالث ها هنا؟ الشرط الثالث ها هنا: أن يكون منتهى ذلك الخبر الحس. أن يكون منتهى ذلك الخبر ماذا؟ الحس. يعني أن يقول: «سمعت»، أن يقول: «رأيتم»، أن يقول: «أحسستم بيدي». واضح جماعة. يعني مثاله - مثاله في غير الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني مثاله: لو أن إنسانًا ذهب إلى البحر. واضح. ذهب خمسة إلى البحر، كلهم ثقات عُدول. رأوا حوتًا على وصف. كلهم رأوا - أو رأينا - حوتًا طوله كذا وكذا، وعرضه كذا وكذا، وشكله كذا وكذا. هؤلاء الخمسة أخبروا ماذا؟ خمسة عُدول ثقات، أو عشرة. هؤلاء الخمسة أو العشرة أخبروا غيرهم. هذا الخبر يسمى ماذا؟ يسمى متواترًا. أم لا؟ ننظر: رواه الجمع عن الجمع عن الجمع. هذا الشرط الأول: تحيل العادة على تواطئهم وتوافقهم على ماذا؟ على الكذب. ثانيًا: الشرط الثاني: أنه ماذا؟ أن في جميع الطبقات العدد موجود الذي يحصل به إيش؟ العلم. الشرط الثالث: أنه ماذا؟ أن ما انتهى هو إيش؟ الحس. هذا يسمى ماذا؟ متواترًا. واضح جماعة. لكن إذا كان منتهى العقل - إذا كان منتهى العقل - هل يكون متواترًا أم لا؟ ما مع العقل؟ أي أنه شيء يدركه بماذا؟ بالعقل. لا بالحس. مثاله - يعني مثاله - كأن يقول إنسان: نحن ثبت عندنا بالتجارب بالعقل - بالتجارب - أن ماذا؟ أن الأرض تدور، والشمس مستقرة. هذا إذا سألنا علماء الفلك الموجودين: أكثرهم سيقولون ماذا؟ هذا أمر قطعي جازم. واضح جماعة. هل منتهاه الحس؟ الجواب ماذا؟ منتهى إيش؟ العقل. لأن شروقًا وغروبًا ودورانًا. إذن لابد أن يكون شيء يدور، وشيء ماذا؟ مستقر. قالوا: الشمس ثابتة، والأرض تدور. هل هذا نسميه هل هذا نسميه متواترًا؟ لا نسميه متواترًا. لماذا؟ لأنه فقد شرط من شروط التواتر. ما هو هذا الشرط؟ أن منتهاه لا ينتهي إلى ماذا؟ إذا حسب. إنما ينتهي إلى إيش؟ إلى العقل. قال: فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي: أولًا: عدد كثير، أحالة العادة تطوطؤهم وتوافقهم على الكذب. هذا الشرط الأول. تقدم. تفضل: ثانيًا: رأوا ذلك عن مثله من الابتداء لانتهاء. هذا الشرط الثاني. تقدم. ثالثًا: وكان مستند انتهائه الحس. وهذا الذي فرغنا منه الآن. رابعًا: وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبره مفادة العلم لسامعه. فهذا هو المتواتر. طيب قوله: وانضاف إلى ذلك. قوله: وانضاف إلى ذلك، هذا ما ذكره - لكن ذكره ها هنا باب الإضافة. واضح. وهذا الشرط المذكور ها هنا: منهم من جعله شرطًا رابعًا، ومنهم من جعله ثمرة للشروط الثلاثة السابقة. يقول: لأن الشروط الثلاثة السابقة إذا قدت - قد معها إيش؟ إفادة الخبر العلم. قالوا: فهو في الحقيقة ثمره لا شرط. واضح جماعة. ما في الحقيقة هو ثمره لا شرط في حصول ماذا؟ في حصول التواتر. بل كما يقول علماء: إذا حصل في الخبر العلم فإنه ماذا؟ فإنه متواتر. فهو في الحقيقة أصل - يعني أصل الشروط. قد يقال: هو هذه الثمرة. واضح جماعة. يعني متى ما حصل العلم: يحصل التواتر. ومتى ما فقد: فقد التواتر. لذا قال رحمه الله تعالى: فهذا هو المتواتر - أي هذا هو المتواتر بالشروط المتفق عليها بين العلماء - بالشروط المتفق عليها بين العلماء. وهناك شروط ذكر العلماء فيها خلاف. وهناك شروط ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى فيها خلاف. لكن كما يقال: بالمتفق غني عن ماذا؟ عن المختلف. ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى هو خلاصة القول والكلام في الحديث المتواتر. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على