الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع مسألة تكفير المسلمين بذنوبهم، ويوضح أن الذنوب لا تخرج من الملة إذا لم تكن شركا. كما يذكر اتفاق أهل السنة على أداء بعض العبادات مع الحكام مهما كانت أحوالهم.
النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثلاث خطب في حجه، الأولى في يوم عرفة، والثانية في يوم النحر، والثالثة في ثاني أيام التشريق. هذه الخطب كانت مهمة لتعليم الناس أمور دينهم.
يناقش المقطع حكم الصلاة خلف الإمام الظالم أو الفاجر، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الصحابة صلاتهم خلف الإمام الظالم، وأمر بالجماعة وعدم الخروج على الإمام ما دام على الإسلام.
لا تجوز الصلاة خلف إمام يدعو للجهمية أو الشرك إلا عند الخوف على النفس أو الفتنة. في حالة الصلاة خلفه، يصلي المرء مرة أخرى في بيته لتأدية الصلاة في وقتها.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا بالأمس قول مؤلف: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحل له»، هذا إذا كان الذنب، كما قلنا، غير الشرك. وأما إذا كان الشرك، فلا يشترط فيه استحلال. الاستحلال يكون في المعاصي، ولا يشترط أيضا في الكفر أن يعتقد بقلبه أنه كفر، لا، لا يفهم هذا. وإنما بعض الأعمال الكفرية متعلقة بالقلب، متعلقة بالقلب، وليس عملا محضا كما قلنا. لهذا عند العلماء أنها كفر، هي كفر أعمال كفر، لكنها متعلقة بالقلب. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا بد أن يعتقد هذا الشيء، لا، معنى إنما هي في أصلها متعلقة عندما يتعمدها الشخص، فما تعمدها إلا للاعتقاد أو لملازمة القلب لذلك، وإلا فهي كفر، سواء كان اعتقد أو لم يعتقد. وأما مسألة التكفير، هذه تحتاج إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع، هذا شيء آخر. وقوله هنا: «ولا نخرجه عن الإسلام بعمل عمله هذا»، يريد أنه ليس عمل مخرج من الملة. فإذا كان عمل مخرج من الملة، فإنه يخرج، ولا شك أن الإمام ابن قدامة الحنبلي، والحنابلة يرون أن تارك الصلاة يعتبر كافر، أن تارك الصلاة يعتبر كافر. أو أنه يقصد بقوله: «ولا نخرجه عن الإسلام بعمل»، أي بعمل شيء، وليس بالترك. وليس بترك، أنا المراد الكبائر. وقد قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: «أجمع أهل السنة جميعا أن الذنب ما لم يكن شركا فهو لا يخرج من الملة، ولو كان عظيما، ولو عظم»، أو قال: «ولو عظم هذا الذنب، فإنه لا يخرج من الإسلام، ما دام أنه معصية، ليس كفرا، فهو لا يخرج من الإسلام إلا بالاستحلال، إذا استحله». قال: «ونرى الحج والجهاد ماضيا مع طاعة كل إمام، برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة». هذه ثلاثة أمور، وهي الحج والجهاد والجمعة، فهذه أيضا اتفق أهل السنة أنها تكون مع الأمراء، مع الخلفاء، كانوا أبرارا أو فجارا. والمراد بالفجار، أي من المسلمين، ليسوا من الكفار، أنا ما دام أنه مسلما ولو كان ظالما. وهذه أمور شرعية، فالحج يحج مع الإمام، أو من يوكله الإمام، والمراد يحج بالناس، أي يخطبهم يوم عرفة. وكذلك أيضا يكون الموسم بحسب ما يقرره هذا الإمام. مثلا يوم عرفة يحدد اليوم الذي يكون فيه يوم عرفة، ويتتبع الشهر دخوله، وأيضا خروج الشهر الذي قبله، آكد. فالحج معنى يقرر أيامه على أن هذا أول يوم أيام الحج، ويوم عرفة كذا، ويوم النحر كذا. وكذلك أيضا يعين من يخطب الناس وينصحهم ويرشدهم في ذلك اليوم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حج بالناس، فلما جمع بين الظهر والعصر في يوم عرفة خطب الناس، وخطب أيضا في يوم النحر في الصباح، وخطب أيضا في الضحى في ثاني أيام التشريق. فخطب النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث خطب في حجه، معنى هي المشهورة، بخلاف غيرها، هناك خطب، لكنها معنى إرشادات، وكذا من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الخطب التي جمع فيها الناس هي ثلاث خطب: الخطبة التي فعلها بعرفة بنمرة، والخطبة التي كانت يوم النحر، والخطبة أيضا في اليوم الذي بعده، وهو يوم القر في الضحى، كما في حديث نبيشة وغيره، فهي ثلاث خطب خطبها النبي عليه الصلاة والسلام. والآن تجد أن السنة لازالت يخطبون يوم عرفة، وأما يوم النحر فيخطبون في منى، لكن أكثر الناس يكونون في مزدلفة في ذلك اليوم، أو أنهم قد خرجوا من مزدلفة إلى عرفات. أقصد يوم النحر يكونون في مزدلفة، ويرمون الجمرة في الصباح، وبعضهم يذهب إلى منى، يصلي العيد، وأيضا كذلك يحضر هناك، ويطوف بعضهم يطوف قبل أن يرمي، ويحلق، ويذبح، لأن أحيانا تكون هناك زحمة شديدة في رمي الجمرات، فبعضهم تجد ما يستطيع يذهب إلى منى، فيجد منى خاليا، خاصة قبل الصلاة، قبل صلاة العيد، ثم بعد ذلك يصلون العيد في منى، صلوا العيد الأضحى، فيخطبون في منى، لكن لا أحد يخطب في مزدلفة، لأن الناس تجدهم غالبا مشغولين برمي الجمرات، أو بالذبح، أو بالحلق، فلهذا لا يتفرغون إلى سماع الخطبة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم في يوم النحر بعض الأشياء، فخطب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كان على راحلته في ذلك اليوم، لأجل أسئلة الناس، فكان الناس يأتونه ويسألونه عليه الصلاة والسلام. قال: «والجهاد أيضا الجهاد الشرعي ماضيا مع كل إمام، بر كان أو فاجرا». والجهاد يكون تحت راية الإمام، وأما تحت راية المخالفة للإمام، فهو خروج، ما يكون الجهاد تحت راية مخالفة، أو أن الإمام يسكت، أن الإمام إمام المسلمين يسكت، ويترك هذه الطائفة تقاتل، أما أنه يعارضهم ويخالفهم، فهذا فيه نزاع، سيكون بين المسلمين معا، وهذا فيه نوع من الفرقة بين المسلمين. أما إذا سكت، وحصل هناك مثلا قتل وقتال بين طائفة معينة من بلاد المسلمين، وحاكم المسلمين مثلا ساكت، لأجل مثلا يكون بينهم صلح أو غيره، فهو جائز، مثل ما حصل في بعد الحديبية، لما خرج أبو بصير وأبو جندل وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وجلسوا في الساحل، وكلما جاءت عير لقريش تقدموا، أو خطفوا هذه العير، وأخذوا ما معها من الأموال وغيرها، ويحصل بينهم حروب، حتى يأخذوا هذه العير. والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم بذلك، لكن لا ينكر عليهم، بل قد قال لأبي جندل: «سيجعل الله لكم فرجا ومخرجا»، سيجعل الله لكم فرجا ومخرجا. ففرج الله عز وجل عليهم. قال: «ونرى الحج والجهاد ماضيا مع طاعة كل إمام، برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفهم جائز أيضا». صلاة الجمعة عند السلف أنها تصلى مع كل إمام، برا كان أو فاجرا. والمراد كما قلنا بالفاجر، أي الظالم، ليس المراد الكافر، لأن كلمة فاجر قد تطلق على الكافر، لكن هنا المراد به الظالم الفاسق، لكنه مسلم. وأما إذا كان كافرا، لا تصح الصلاة معه أصلا، إذا كان كافرا الصلاة ما تصح معه. لكن إذا كان فاجرا أو ظالما، تصح صلاة الجمعة معه، ولا يجوز مخالفته، بل كان السلف رحمه الله يقولون: من ترك الصلاة - يترك صلاة الجمعة - مع الظالم أو مع الإمام الظالم، فهو مبتدع. ولهذا تسمعون أو تقرؤون دائما في بعض التراجم يقولون: كان فلان يرى السيف - يرى الخروج على الإمام الظالم - فلا يصلي معهم الجمعة، ولا يحج، ولا يجاهد معهم. فكان دأب بعض من تأثر بالخوارج، وإن كان بعضهم من الفقهاء المعروفين، كالحسن بن صالح وغيره، لكن أنكر عليهم السلف هذا الأمر، لأن هذا الأمر دأب الخوارج، وليس دأب أهل السنة وأهل الاتباع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالجماعة، وأنه لا يجوز لمسلم أن ينكث بيعة الإمام، أو يخرج عليه، ما دام أنه على الإسلام. قالوا: «صلاة الجمعة خلفهم جائزة»، سواء كان خلف الإمام نفسه، أو خلف من وكله الإمام، ولو كان من أهل البدع، ولو كان من أهل البدع، ما دام أنه ليس هناك غيره، فيصلى خلفه. إلا إذا كان هذا الإمام عنده بدع كفرية شركية، عنده شرك، فهنا لا يصلى خلفه. وإن صلى خلفه من باب درء المفسدة، فيصلي بعد ذلك في بيته، يصلي بعد ذلك في بيته، هذا إذا كان درء الفتنة، درءا للفتنة، وأنه مثلا لو تأخر أو لم يصل، صارت فتنة وقتل وهكذا، فلهذا إذا خشيها مثل هذه الأمور، صلى معه. معنى إذا كان مثلا هناك إماما من أهل الشرك، ويدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، وغيرها من هذه الأمور، لا يصلى خلفه، ولو كان قد عين من الإمام. لكن إن كان مثلا ستحدث الفتنة، ليس هناك من يصلي من أهل السنة، أو من غيرهم ممن قد يصلى معه، فإنه يصلي في بيته، يصلي في بيته. ولهذا الإمام أحمد رحمه الله سئل عن الرجل يصلي مع بعض غلات القدرية، قال: يعيد الصلاة. وسئل أيضا عن الرجل يصلي مع جهمي، قال: يعيد الصلاة، لأن الصلاة لا تصح معه، فلهذا أفتى بإعادة الصلاة. وأما إذا كان الإمام من دعاة الجهمية، ودعاة الشرك، فأيضا لا يصلى خلفه، إلا إذا خشي خشي على نفسه، أو خشي الفتنة، خشي الفتنة، يصلي معه، ثم يصلي في بيته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من يصلي معه، من يؤخر الصلاة عن وقتها. والله تعالى أعلم.