الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الخلافة تعني الحكم في الأرض وفق شروط حددها القرآن، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. تنعقد الخلافة بأمور نص عليها الشرع مثل النص الصريح أو الإشارة.
تنعقد الإمامة بأربع طرق: النص الصريح أو الخفي، إجماع أهل الحل والعقد، العهد من الخليفة السابق، والغلبة. يجب طاعة من يغلب على منطقة من مناطق المسلمين.
جمهور أهل السنة يشترطون شهادة الكتاب والسنة للشهادة لأحد بالجنة أو النار. هناك خلاف بين العلماء حول الشهادة بالجنة لمن يثني الناس عليه خيرا.
أكثر العلماء يرجحون عدم جواز الشهادة بالجنة إلا لمن وردت به النصوص، بينما رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الشهادة لأهل الخير بالجنة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه بعد. فذكرنا بعض ما ذكره المؤلف في الخلفاء، والخلفاء الراشدون، هذا الوصف أطلق على الأربعة كما قلنا، وأطلق أيضا على بعض غيرهم، مثل عمر بن عبد العزيز وغيره. والخلفاء هم الحكام، الخليفة هو الحاكم في الأرض، كما قال الله عز وجل: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾. ولهذا عند قول الله عز وجل في نزول آدم، أو في قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾، فهذه الآية يذكر الله عز وجل أنه من مكنه في هذه الأرض، أي جعله حاكما وخليفة، فإنه يجب عليه هذه الأمور، يجب عليه مراعاة هذه الأمور. الذين مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، أي في أنفسهم وأقاموها أيضا في الناس، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولهذا عند هذه الآية ذكر بعض المفسرين شروط الخلافة، ذكر ذلك الإمام أو الشيخ الشنقيطي رحمه الله في «أضواء البيان»، ذكر عشر شروط للخلافة التي جاءت بها السنة. وانعقاد الخلافة يكون بأمور جاء في الشرع، بأمور إما بالنص، سواء كان النص صريحا أو النص الخفي، مثل خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما ذكرنا قبل، وصحيح أنها بالنص الخفي أو الإشارة، ليس بنص صريح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا أبا بكر، صل بالناس»، لكنه لم يعينه بنص صريح، لكن عينه بنص بإشارة، وهي تعيينه في الصلاة بعده، «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، وهذا يدل على أنه رضي الله عنه أن يكون أبا بكر خليفة له. ولهذا استدل عمر بهذا، استدل عمر بقول النبي عليه الصلاة والسلام في تولية أبي بكر في الصلاة، «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقال: «وكان يرضاه أن يصلي بعده»، واستدل أيضا بهجرته معه، وأن الله عز وجل قال له في الغار: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾، فسماه صاحبه، وهذا كله يدل إشارة على خلافة أبي بكر. فتكون الخلافة بالنص كما قلنا، إما نص صريح وإما نص خفي، أو تكون بإجماع أهل الحل والعقد، بإجماع أهل الحل والعقد، مثل ما حصل في خلافة عثمان. وكذلك تكون أيضا الإمامة والخلافة بالعهد، أن يعهد الخليفة الأول إلى آخر، مثل ما عهد أبو بكر إلى عمر. والأمر الرابع أن تنعقد الإمامة بالغلبة، وانعقاد الإمامة بالغلبة عليه إجماع الناس، ذكر ذلك الشوكاني، وكذلك قبله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أن الرجل إذا تغلب على منطقة من مناطق المسلمين وهو مسلم، فيجب على الناس طاعته. هذا الحديث تخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما. وأجاء عن جماعة من الصحابة منهم سعيد بن زيد، بإسناد صحيح. قال: «وكل من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة شهدنا له فيها». فقول النبي عليه الصلاة والسلام للحسن والحسين: «وسيدا شباب أهل الجنة»، وقول النبي عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس: «إنه من أهل الجنة»، ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. مسألة الشهادة بالجنة حصل فيها خلاف بين أهل السنة، معنى من الذي يشهد له بالجنة؟ فجاء عن الأوزاعي أنه قال: «لا يشهد إلا للأنبياء». وقول جمهور أهل السنة أن الشهادة تكون لمن شهد له الكتاب والسنة، كل من شهد له الكتاب والسنة يشهد له، سواء كان بجنة أو بنار، مثلا بالنار مثل أبي لهب، فنشهد أنه في النار، من شهد له الكتاب والسنة يشهد له بالجنة. شهد النبي عليه الصلاة والسلام لهؤلاء العشرة، ولثابت بن قيس، وأيضا لأزواجه، ولغيرهم، فمن شهد له الكتاب والسنة نشهد له بالجنة، وهذا هو قول جمهور أهل السنة. وهناك قول أيضا من أقوال أهل السنة أنه يشهد لكل من شهد له الكتاب والسنة، وكذلك من شهد له الكتاب والسنة بالوصف، ومعنى بالوصف أن أوصافه تكون من أوصاف أهل الجنة. وكيف نعرف ذلك؟ يشهد له الناس، يشهد له أهل الخير بالخير، وهذا يدل عليه ما جاء في الصحيحين حديث عمر وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما مرت جنازة وشهد لها بخير قال: «وجبت»، ثم مرت جنازة وشهد لها بالشر فقال: «وجبت»، فقالوا: «يا رسول الله وما وجبت؟» قال: «لقد أثنيتم على الجنازة الأولى بخير فوجبت لها الجنة، ولقد أثنيتم شرا على الجنازة الثانية فوجبت لها النار». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم شهداء الله في الأرض»، بل جاء صريحا عند الترمذي وابن ماجه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار»، قالوا: «كيف ذلك يا رسول الله؟» قال: «من أثنيتم عليه خيرا فهو من أهل الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا فهو من أهل النار، فأنتم شهداء الله في الأرض». فهذا الحديث تدل به بعض العلم على أنه لا بأس أن يشهد لرجل شهد الناس له بالخير، كالأئمة الكبار، يسبق الثوري وابن المبارك وغيرهم، أحمد بن حنبل وغيرهم من هؤلاء الأئمة. وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أي ترجيحا، رجح شيخ الإسلام هذا القول، أنه لا بأس بالشهود أن يشهد لمن صفاته من صفات أهل الجنة، لمن شهد له الناس بالخير، شهد له أهل الخير بالخير والثناء العظيم، فيشهد لا بأس أن يشهد له بالجنة. لكن أكثر العلماء كالشيخ المعتمين وغيرهم يرجحون القول الثاني، وهو أنه لا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له الكتاب والسنة، وهذا أولى وأحوط، أنه لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلا لمن شهد له الكتاب والسنة. إن شاء الله نكمل هذا ونكمل درسنا.