الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 44، ألقاها
يشرح مفهوم الزيادة والنقصان في الإيمان عند أهل السنة والجماعة مستندًا إلى أقوال العلماء وأدلة من القرآن والسنة. الإيمان يزيد وينقص بحسب الطاعات والمعاصي.
الإيمان يتفاوت بين الناس حسب ما في قلوبهم من الإيمان وما يقومون به من الأعمال الصالحة. يزيد بذكر الله والتفكر في خلقه، وينقص بالغفلة والمعاصي.
أهل الإيمان متفاوتون في مراتبهم، والإيمان لا ينزع من مرتكب المعصية بل يوصف بأنه مؤمن وعاص حسب نوع المعصية. يفرق بين الصغائر والكبائر في الوصف.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: قال سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، وهو من مشايخ الإمام أحمد الثقات المعروفين، قال: حدثنا حمد بن سلمة، وهو كذلك ثقة معروف، عن أبي جعفر الخطمي، كذلك عن أبيه، عن جد عمير بن حبيب، قال: الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه. وهذا الأثر ثابت، كما ذكر غير واحد من العلماء رحمهم الله تعالى، فهو قد رواه الإمام بن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنفه، وكذلك في كتاب الإيمان، وغير واحد، هو كذلك في سنة لعبد الله بن أحمد. والإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله، بعد أن ذكر مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان، أورد هذا الأثر الذي بين أيدينا، وهو أثر عُرِف به معتقد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، إمام أهل السنة في زمنه، وكذلك عُرِف به ما عليه سلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين. وأيضا الشيخ الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى، أول ما ابتدأ به الكلام على مسألة الزيادة والنقصان في الإيمان، وهذه المسألة في الحقيقة هي المحك والفيصل بين أهل السنة والجماعة وغيرهم. فأهل السنة والجماعة يدينون الله جل وعلا بأن الإيمان يزيد وينقص، كما دل على ذلك كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأدلة ذلك كثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في الصحيح في صحيح مسلم وغيره، من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث جابر بن سمرة، وعن ابن عباس، وعن طائفة من السلف رضي الله عنهم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، فقيل: يا رسول الله، وما نقصان دينها؟ قال: «أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟». ويقول شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى: إن هذا النص النبوي هو أصح وأصرح نص في نقصان الإيمان. وإلا هناك أدل أخرى تدل على هذا المعنى، لكن من حيث النص والتصريح، فهذا الحديث يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأنه أصرح حديث في نقصان الإيمان. وسبقه إلى ذلك الإمام البغوي رحمه الله. وإلا فكما ذكر عن طائفة من الأئمة رحمهم الله تعالى: قيل له: هل ينقص الإيمان؟ فقال: وهل يزيد؟ قالوا: نعم، فقال: قبل زيادته كيف كان؟ واضح يا جماعة، يعني بعض الأئمة قيل له: هل ينقص الإيمان؟ فأجاب السؤال بسؤال، فقال: وهل يزيد؟ قالوا: نعم يزيد، قال: قبل الزيادة كيف كان؟ واضح يا جماعة، قبل الزيادة كان ماذا؟ ناقصا، فازداد بماذا؟ فازداد بالطاعة، إذن كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى: أن كل دليل يدل على زيادة الإيمان، فإنه يدل على نقص الإيمان بمفهومه. كل دليل يدل على زيادة الإيمان يدل كذلك على نقص الإيمان بمفهومه، كما ذكرنا في الأثر: قبل الزيادة كيف يكون؟ يكون ناقصا. بل إن الناس في الزيادة يتفاوتون، الناس في زيادة أي في زيادة الإيمان يتفاوتون، كما دلت على ذلك الأدلة. فمرتبة الأنبياء والرسل ليست كغيرهم في الإيمان والتقى. مرتبة الصحابة دون الأنبياء، ولكنها أعلى من كل من جاء بعدهم، وهكذا يتفاوتون. الناس في الإيمان بتفاضيل ما في قلوبهم من الإيمان، وكذلك بما يقومون به من جوارحهم من الإيمان، أي من الأعمال من الطاعات من اجتناب المعاصي. فأهل السنة والجماعة، وهو الذي عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وقبل ذلك دل عليه كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، على أن الإيمان يزيد وينقص. الإيمان يزيد وينقص كما نطق بذلك كتاب الله جل وعلا، وكذلك صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتكلم به الصحابة الكرام، كما سيأتي معنا شيء من ذلك. فالحاصل أن الإيمان يزيد وينقص، ما هو تفسير الزيادة والنقصان؟ كما ذكر في هذا الأثر: قال الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فذلك زيادته. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾، وصفهم الله جل وعلا بأن هؤلاء من أولي الألباب. فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله جل وعلا بأسمائه بصفاته بأفعاله، وازداد علما كذلك بشرع الله جل وعلا وقضائه وقدره، كلما ازداد إيمانا. وكلما ازداد عملا بما شرعه الله جل وعلا له، كلما ازداد إيمانا. والعكس بالعكس، والعكس بالعكس. لذا قال: وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه. إذا غفل الإنسان فكان من الغافلين، والعياذ بالله، ترك بعض ما أمره الله جل وعلا به وأوجبه عليه، أو فعل بعض ما نهاه الله جل وعلا عنه وحرمه عليه، هذا ينقص إيمانه بحسب ما يقع منه من المخالفة والمعصية. فالإيمان يتفاوت، الإيمان يتفاوت تفاوتا عظيما. فكلما عمل العبد الطاعات، كلما ازداد قربا من الله جل وعلا. وكلما كان دون ذلك، فدون ذلك. ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. هل هؤلاء الأقسام الثلاثة الذين ذكرهم الله جل وعلا سواء؟ الجواب لا، بنص القرآن. ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فهم من أهل الإيمان كلهم، عندهم إيمان متفقون، كلهم من أهل الإيمان، لكن متفاوتون في ماذا؟ في مراتب الإيمان ودرجاته. فمنهم ظالم لنفسه، والظالم لنفسه كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى والمفسرون: هو من وقع في بعض المحظورات أو ترك بعض الواجبات، هذا ظالم لنفسه، لكن هل هو مؤمن أم ليس بمؤمن؟ هو مؤمن، لذا قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾، فويشمله معنى الاصطفاء، أي اصطفاه ربه جل وعلا، فلم يكن من الكافرين. فهو بهذا الاعتبار عنده أصل الإيمان، وعنده أصل الولاية من الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ﴾، إذن كل مؤمن عنده ولاية من الله جل وعلا، ثم هم يتفاوتون في مراتب الولاية بحسب الطاعة التي يطيعون الله جل وعلا بها. كذلك الإيمان، فمنهم ظالم لنفسه، كما قال الله جل وعلا، وهم من سبق وصفهم. ومنهم مقتصد، هذا القسم ماذا؟ الثاني من أهل الإيمان، القسم الأول من أهل الإيمان ظالم لنفسه، القسم الثاني أعلى منه درجة، أعلى منه درجة، من هم المقتصدون؟ المقتصدون كما قال المفسرون والعلماء رحمهم الله تعالى: هم من أدوا وقاموا بالواجبات ولم يتبعوها بالمستحبات، وتركوا المحرمات ولم يتبعوها بترك المكروهات، هؤلاء سموا بالمقتصدين. وهؤلاء على خير، وكما ذكر بعض أهل العلم بأن هؤلاء جاء وصفهم في آيات أخرى بأنهم أصحاب اليمين، بأنهم من أصحاب اليمين، هذه رتبة ثانية من مراتب أهل الإيمان. ومرتبة ثالثة هي أعلى هذه المراتب، وهي مرتبة من؟ مرتبة السابقين في الطاعات. السابقون بالخيرات كما قال المفسرون والعلماء رحمهم الله: هم من قاموا بالواجبات وأتبعوها بالمستحبات، أي ما اكتفوا بالواجبات فقط، بل أتوا بالواجبات وأتبعوا تلك الواجبات بفعل المستحبات، وكذلك تركوا المحرمات وفوق تركهم المحرمات تركوا كذلك المكروهات، لماذا؟ لأنهم سابقون بالخيرات، سابقون بالخيرات، فهؤلاء أعلى درجة، أعلى درجة المؤمنين السابقون. ثم في كل درجة الناس متفاوتون فيها، كل درجة من هذه الدرجات الناس متفاوتون فيها. فالسابقون بالخيرات أعلى مراتبهم الرسل والأنبياء، هؤلاء في القمة، ثم الصحابة الكرام، ثم الأمثل فالأمثل، هذه طبقة من ودرجة من درجة السابقين. درجة المقتصدين كذلك يتفاوتون فيها، بحسب ما يقوم بقلب العبد في أدائه للواجبات وفي تركه المحرمات من المحبة والتعظيم والإجلال والخشية لله رب العالمين جل وعلا. كذلك الظالمون لأنفسهم، وهم المرتبة أدنى مراتب من مراتب أهل الإيمان، كذلك هم متفاوتون. فمثلا من ترك مثلا شيئا من الواجبات التي هي دون الفرائض، ليس كمثل من ترك شيئا من الفرائض، لأن ترك الفرائض أشد، ترك الفرائض أشد. فلو أن إنسان مثلا على سبيل المثال نذر أن يفعل شيئا فما فعله، أو نذر أن يترك شيئا فماذا ففعله، هذا قد ارتكب محرما أم لا؟ ولسيما إن كان في الطاعات، لكن هل يكون تركه أو فعله أتركه للمأمور به كتركه للصيام الأصلي؟ يعني كرجل ترك الصيام شهر رمضان، أيهم أشد؟ من ترك ماذا؟ الصيام في شهر رمضان أشد إثما، لكن هل يكفر؟ الجواب لا، إيمانه ناقص. إذن الحاصل من هذا أن المراتب تتفاوت، هم من حيث الجملة ثلاث درجات كما هو نص القرآن، ثم في كل درجة يتفاوتون تفاوتا عظيما، في كل درجة يتفاوتون تفاوتا عظيما. فمرتبة الأنبياء والرسل ليست كمثل من دونهم، فبينهم وبينها درجات عليا وعظيمة. وكذلك يقول في الدرجة الثانية، وكذلك يقول في الدرجة الثالثة. فالحاصل من هذا أن في هذا تقريرا لما ذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب من أن الإيمان يزيد بطاعة الرحمن جل وعلا، وينقص بمعصية الرحمن جل وعلا. وسواء كان هذا أو هذا، فالكل يشملهم اسم الإيمان، من كان إيمانه زائد، ومن كان إيمانه ماذا؟ ناقص، الكل يشملهم مسمى الإيمان. ثم يتفاوتون في ماذا؟ في التفاضل في الإيمان، وفي مراتب الإيمان، وفي الإيمان الذي يستحق صاحبه المادح، والإيمان الذي دون ذلك. كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا: أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون الإيمان باعتبارين أو إلى قسمين: أصل الإيمان، وكمال الإيمان. كمال الإيمان هذا لأهل الطاعات وللمقتصدين، هؤلاء عندهم كمال الإيمان. أما أصل الإيمان فهذا لا ينزع ممن فعل شيئا من المعاصي، يقال: هو مؤمن بإيمانه، وعاص بماذا؟ بمعصيته، إن كانت معصيته من الصغائر. وإن كانت من الكبائر، يقال: مؤمن بإيمانه، وفاسق بماذا؟ بمعصيته. ولعله أن يأتي مجيد كلام بإذن الله جل وعلا في درس لاحق. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.