الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 60، ألقاها
يشرح هذا الفصل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لأصحابه بالجنة، حيث ذكر أسماء بعضهم مثل العشرة المبشرين وغيرهم. هذه الشهادة تعتبر دليلاً على فضلهم ومكانتهم.
يتناول هذا الفصل موضوع العشرة المبشرين بالجنة، حيث ذكر النبي أسماءهم في حديث واحد، كما يشير إلى غيرهم ممن بشّرهم النبي بالجنة. الإيمان بتبشير النبي لهم هو جزء من الإيمان به.
يشرح هذا الفصل كيف وصف النبي بعض الصحابة بأنه من أهل الجنة، مثل سعد بن معاذ وعمر بن الجموح، وأحد الأعراب. هذه الأوصاف تعتبر شهادة لهم بالجنة وتؤكد الإيمان بخبر النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بأعيانهم، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقًا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، أي بعد أن أوحى الله جل وعلا له بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال: فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، أي بعد أن أعلمه الله جل وعلا بذلك. قال: والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. لذا قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: إن علم الغيب منه ما استأثر به ربنا تبارك وتعالى نفسه، فلم يطلع عليه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، ومنه ما أظهره على من شاء من رسله، أي أعلمه وأخبر به من شاء من رسله. فمثلًا الجنة والنار، هما من علم الغيب، صفات الله جل وعلا هي من علم الغيب، الأخبار عن حملة العرش والملائكة، هذا من علم الغيب، لكن أطلع الله جل وعلا، أعلم الله جل وعلا من شاء من أنبيائه، فأخبر أنبياء الله جل وعلا بما علمهم الله جل وعلا من العلم، كما في الآية: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ لَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قال: وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، أي ومن جملة ما أعلم الله جل وعلا به رسوله من علم الغيب، أن أعلمه وأخبره بأن طائفة من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، عينهم له بأنهم من أهل الجنة، بأنهم من أهل الجنة. ومنهم من سيأتي ذكرهم بإذن الله جل وعلا. قال: وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد -أي ابن أبي وقاص- وسعيد -أي ابن زيد- وأبو عبيدة بن الجراح، كما جاء النص في ذلك في حديث عبد الرحمن بن عوف، وجاء كذلك في حديث سعيد بن زيد، وهما من العشرة رضي الله عنهما، وأسانيدها صحيحة. وسموا هؤلاء بالعشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم فسماهم عشرة في مقام واحد، فقال: «أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، على في الجنة، سعد في الجنة، سعيد في الجنة، عبد الرحمن -أو قال ابن عوف- في الجنة، وطلحة في الجنة، الزبير في الجنة»، يعني قال بعد أن ذكر أربعة، قال: «ابن عوف في الجنة، طلحة في الجنة، الزبير في الجنة، سعد في الجنة، سعيد في الجنة، أبو عبيدة في الجنة»، عشرة ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم. فلقب هؤلاء بالعشرة المبشرين بالجنة؛ لأن ذكرهم جاء في حديث واحد، وبشارتهم جاءت في حديث واحد، مع أن هؤلاء الأفاضل الأجلة رضي الله عنهم وأرضاهم، جاءت أحاديث أخرى تدل كذلك على تعيينهم بالجنة، كما سيأتي ذكر شيء من ذلك. قال: وكذلك قال لثابت بن قيس بن شماس: «إنه من أهل الجنة». قال أنس بن مالك: «فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة». وثابت بن قيس بن شماس، ثابت بن قيس بن شماس من الأنصار رضي الله عنه وأرضاه، وكان يلقب بخطيب الأنصار وبخطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس بن مالك: «فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة». ومات -استشهد رضي الله عنه وأرضاه- يوم اليمامة، أي في قتال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لمسيلمة الكذاب. قال: ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر. هذا انتقال إلى مسألة أخرى، مسألتنا الأولى هي أنه من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فإننا نعينه بالجنة؛ لأن هذا من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر به أو نهى وزجر، طاعته بالامتثال بالفعل وبالاجتناف التارك. فتصديقه فيما أخبر، أخبر أن هؤلاء في الجنة، فما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هؤلاء في الجنة، فنحن نؤمن بذلك تصديقًا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكل من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لما تقدم، ومنهم هؤلاء العشرة، ومنهم ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه وأرضاه، ومنهم الحسن والحسين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم «سيدا أهل الجنة». ومنهم بالنص الصديق، كذلك بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بأنها زوجته في الدنيا والآخرة في الجنة. وكذلك صحابى آخرون ممن بشروا بذلك، أي جاء النص بتبشيرهم بذلك، وجاء كذلك من حيث التعميم وصف طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بأنهم لا تمسهم النار. منهم من بايع أهل بيعة الرضوان، قال نبينا صلى الله عليه وسلم -كما في حديث جابر الصحيح-: «لا يدخل النار -أو إن الله حرم على النار- من بايع تحت الشجرة». ومن حرم الله عليه النار فهو من أهل الجنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة إنسان صحابى رضي الله عنهم وأرضاهم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». ومن غفر الله له، فماذا يبقى له؟ هو من أهل الجنة، وكانوا نحو مائة وثلاثة عشر صحابيًا، وهم أفضل الصحابة مطلقًا من حيث الجملة، أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان. هذا من حيث الوقائع، ومن حيث الجملة: المهاجرون ثم الأنصار، ثم من المهاجرين -كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا- العشرة المذكورون بين أيدينا، ومن العشرة وأفضل العشرة الأربعة الخلفاء، وأفضل الأربعة الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على رضي الله عنهم وأرضاهم. فالحاصل من هذا: أن من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فإنه نؤمن بأنه من أهل الجنة، نؤمن بأنه من أهل الجنة. وقد تقدم جملة من ذلك، ومنهم سعد بن معاذ رضي الله عنهم وأرضاه، الذي اهتز عرش الرحمن حينما أنزل -أي القبر- وضمه القبر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه شيء من الحرير فتعجب منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لما ناديل سعد في الجنة أفضل من هذا أو خير من هذا». والأحاديث في ذلك كثيرة، الأحاديث في ذلك كثيرة، أي في تعيين من وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين أشخاص بأنهم من أهل الجنة. عمر بن الجموح رضي الله عنه وأرضاه يوم أحد، حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يقاتل؟ من يقاتل؟ وله الجنة؟» -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- أو قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جنة عرضها السماوات والأرض»، فقال: «بخٍ بخٍ». قال: «ما بخٍ بخٍ؟» قال: «جنة عرضها السماوات والأرض»، قال: «نعم، وإني لأرجو أن أكون منهم». فقاتل حتى قتل، فهذا كذلك ممن يحكم عليه بأنه من أهل الجنة. وفي آخرين من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، بل بعضهم من الأعراب، كما جاء عند أصحاب السنن في قصة ذلك الصحابى الأعرابى، جاء فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا لملاقاة العدو فقاتل، وكان على الثقل -أي كان ممن يحمل متاع الجيش- فحصل نصر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وغنم، فقسم له من الغنيمة وبعث بها إليه. فقال: «ما هذا؟» قالوا: «نصيبك من الغنيمة». فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، ما هذا؟» قال: «سهمك من المغنم». فقال: «والله ما على هذا بايعتك، وإنما بايعتك على أن يدخل سهم منها هنا» -وأشار إلى موضع في حلقه- «وأن يخرج منها هنا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك». قال: ثم قاموا لقتال الأعداء، فجاءه سهم في المكان الذي أشار إليه. فلما أتت المعركة، وقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أهو هو؟» -أو قال: أهو الرجل؟- فقالوا: «نعم يا رسول الله». فكفنه نبينا صلى الله عليه وسلم بثوبه -أو بردائه- وقال: «اللهم إنى أشهد إنه شهيد» -إلى آخر ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث-. فهذا كذلك ممن يشهد له بهذه الشهادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه مات شهيدًا، بأنه مات شهيدًا. فالحاصل: من وصفهم أو من سماهم أو من عينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فإننا نقول بما قال صلى الله عليه وسلم تصديقًا وإيمانًا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.