شرح عقيدة السلف للصابوني 7

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 7، ألقاها

إثبات صفة اليدين لله تعالى وأدلته

يؤمن أهل السنة بأن لله تعالى يدين حقيقتين دون تشبيه أو تحريف، استنادًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة. يُثبتون صفة اليدين لله كما أثبتها لنفسه دون تأويل أو تكييف.

تحريف الكلم عن مواضعه ورد أهل السنة عليه

يتناول تحريف الجهمية والمعتزلة لآيات الصفات، مثل تحريف معنى اليدين إلى النعمة أو القوة، بينما يبين أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات لله تعالى على ظاهرها دون تحريف أو تشبيه.

منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى

يثبت أهل السنة الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به دون تشبيه أو تكييف أو تحريف، ويفرقون بين التكيف والتمثيل، ويبين أن السلف الصالح كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى ويفهمونها دون تفويض للفظ أو المعنى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال: «ويثبتون له جل جلاله ما أثبتته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾»، قال: «ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها بحمل يديْن على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة الجهمية -أهلكهم الله-، ولا يكيفونها بكيف، أو يشبهونها بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة -خذلهم الله-». وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وكما ورد القرآن بذكر اليدين في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وردت الأخبار الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر اليد، كخبر محاجة موسى -عليه السلام- آدم، وقوله له: «خلقك الله بيده، وازدجر لك ملائكته». والحديث جاء في صحيح مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، شاهدٌ منه: «خلقك الله بيده». قال: «ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا أجعل صالح ذرية من خلقتهم بيدي، وأنفقت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فيكون». وهذا الحديث مما اختلف في ثبوته وعدمه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والأرجح -والله أعلى وأعلم- أنه لم يثبت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من طريق صحيح. نعم، رواية من حديث عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله عنه- موقوفًا عليه ثبت عنه ذلك، ولكن عبد الله بن عمر بن العاص ممن أخذ عن الإسرائيليات وعن أخبار من تقدم، فهناك احتمال أن يكون هذا من ذلك القبيل، والله أعلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الفردوس بيده» كذلك، بهذا اللفظ رواه ابن أبي الدنيا، والدارقطني في الصفات، وغير واحد، بيهق كذلك في الأسماء والصفات، وفيه ضعف؛ لأنه من طريق عون بن عبد الله، وفيه جهالة. وكذلك هو من رواة عبد الله بن عبد الله بالحارث عن أبيه، ورويته عنه مرسلًا. لكن صح موقوفًا عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كما في ناقض الدار المعلى المريسي، وكما الشريعة الأجري، وغيرها من المصادر، وفيه أن ابن عمر -رضي الله عنهما- ذكر: «خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم -عليه السلام-، وجنات عدن». وقوله: «وجنات عدن» يدل على أنها مما خلقه الله تبارك وتعالى بيده. وهذا الأثر وإن كان موقوفًا من حيث الإسناد، إلا أن له حكم المرفوع؛ لأن مثل هذه الأشياء لا تقال من قبيل الاجتهاد. ومنه يعلم أن الحديث ثابت بمعنى أن الحديث ثابت باعتباره موقوف ابن عمر الذي له حكم المرفوع، وكذلك باعتبار ما جاء معناه في بعض الأحاديث الصحيحة. كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولئك في أصحاب الجنة، أدناهم منزلة، أو أعلاهم منزلة»، قال: «فأعلاهم منزلة أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، غرست كرامتهم بيدي». الشاهد أن الله تبارك وتعالى أنه غرس وخلق الفردوس، أو أشياء في الفردوس بيده. قال: «وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح». قوله رحمه الله تعالى: «ويثبتون له جل جلاله ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه»، فيقولون: «إنه خلق آدم بيده»، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، قال: «ولا يحرفون الكلم عن مواضعه». وتحريف الكلم كما ذكر: إخراج الكلم عن مواضعها، والتحريف إما أن يكون في اللفظ، وإما أن يكون في المعنى، وإما أن يكون فيهما. وتحريف اللفظ مستلزم لتحريف المعنى. فمن تحريف اللفظ ما جاء عن بعض الجهمية، وكذلك بعض القرامطة ممن أراد أن يحرف اللفظ، أما القرآن فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ لأن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظه. لكن قد حصل من الجهمية -كما يقال- شيء من ذلك أراده، ولكن الله جل وعلا كبت مرادهم. فقد ثبت أن أحد الجهمية دخل على القارئ -دخل على أحد القراء من أهل السنة والجماعة- وهو يقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال له: «لو أنك تقرأها: وكلم الله موسى تكليما». فقال له هذا القارئ: «هب أني قرأتها كذلك، فما تقول في قول الله جل جلاله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾»، فبهت ذلك الجهمي. فالحاصل أن التحريف قد يكون في اللفظ، إما بزيادة، وإما بنقصان، وإما بنقط، وإما بحركات -كما في المثال المذكور-. وكذلك ذكر أنه كان في زمن الجهمية على أستار الكعبة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، بدلًا من قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذا من التحريف للكلم عن مواضعه. ومن تحريف المعنى الشيء الكثير، وهو الساحة التي دخلت من جميع أبوابها أهل الأهواء والبدع. فأهل الأهواء والبدع كلهم وقعوا في هذا النوع من التحريف، كل آية لم توافق مذهبهم، لم توافق عقيدتهم، لم توافق آراءهم، أخرجوها عن معناها الذي أراده الله تبارك وتعالى إلى معنى آخر، بزعمهم أن ذلك لا يليق في حق الله تبارك وتعالى. فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، قالوا: «ليس المراد بالمجيء هاهنا مجيء الله تبارك وتعالى حقيقة، وإنما المراد مجيء أمره». فيكون التقدير: «وجاء أمر ربك والملك صفًا صفًا». هؤلاء حرفوا المعنى، أخرجوا اللفظ عن معناه الذي أراده الله تبارك وتعالى. وكذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، قالوا: «لا يجوز أن يوصف الله تبارك وتعالى بأن له وجهًا». فكيف فعلوا؟ قالوا: «معنى: ويبقى وجه ربك، أي: ويبقى ذات ربك ذو الجلال والإكرام». وهذا أيضًا من التحريف، من تحريف الكلم عن مواضعه. وكذلك في صفة اليدين، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وفي قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وما شابه ذلك من الآيات، كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وما شابهها من الآيات، قالوا: «المراد باليد هاهنا النعمة، أو المراد باليد هاهنا القوة». وهذا كذلك من تحريف الكلم عن مواضعه، أشبه ما يكونون بتحريف اليهود لكتبهم التي أنزلها الله تبارك وتعالى على رسلهم، كما قال الله تبارك وتعالى عنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. فهؤلاء كذلك يحرفون الكلم عن مواضعه. وإلا فإن الأصل هو إبقاء اللفظ على ظاهره، ولا يخرج عن هذا الظاهر إلا بقرينة واضحة صريحة. وأن لهم ذلك، فأهل السنة والجماعة -بحمد الله تبارك وتعالى- من لدن الصحابة الكرام، وأتباعهم بإحسان إلى زماننا هذا -بحمد الله رب العالمين- يسيرون سيرًا واحدًا، يمرون آيات الصفات على ظاهرها، كما أخبرنا بها ربنا تبارك وتعالى، وهو أعلم بمراده وأعلم بمرامه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فالسنة والجماعة يثبتون لله تبارك وتعالى صفة اليدين، ويقولون: بأن لله تبارك وتعالى يدين لائقتين به تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. لا يلزم من إثبات اليدين لله تبارك وتعالى أن تكون مثل أيدي المخلوقين، كما أن علم الله تبارك وتعالى ليس كعلم المخلوقين، وسمع الله تبارك وتعالى ليس كسمع المخلوقين، وبصر الله تبارك وتعالى ليس كبصر المخلوقين، وغير ذلك من الصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله: «ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة الجهمية -أهلكهم الله-». الشيخ رحمه الله تعالى يدعو على هؤلاء بالهلاك؛ لما أوقعوهم في دين الله تبارك وتعالى من الشرور؛ لأن هؤلاء الجهمية والمعتزلة ممن كانوا قطاعًا لطريق الهدى عن كثير من الناس، صد الناس عن الحق المبين، وعن الصراط المستقيم الذي أراده الله تبارك وتعالى منهم. فقالوا في مثل هذه الصفات: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، قالوا: «نعمتي». وهل لله تبارك وتعالى نعمتين فقط؟ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. نعمة الله: نعمة مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم، يفيد العموم. فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، بمعنى: وإن تعدوا نعم الله. وإن تعدوا نعم الله، فنعم الله تبارك وتعالى لا تحصر ولا تعد، فضلًا عن أن يقول قائل: بأن لله تبارك وتعالى نعمتين. ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: بنعمتي، أو بقوتي. وهل لله تبارك وتعالى قوتين فقط؟ تعالى الله تعالى عما يقول هؤلاء علوًا كبيرًا. بل هو سبحانه وتعالى القوي.، القوي. ربنا تبارك وتعالى له القوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قوة الله تبارك وتعالى المطلقة التي ليس مثلها قوة، وليس فوقها قوة. وهؤلاء يقولون: «مع اليدين معنى القوتين، أو النعمتين، أو ما شابه ذلك». فهؤلاء ممن يحرفون الكلمة عن مواضعها. قال رحمه الله تعالى: «ولا يكيفونها بكيف، أو يشبهونها بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة -خذلهم الله-». في المقابل: المشبهة -كما ذكرنا في الأمس- يقولون: «إن الله تبارك وتعالى: يدنا كأيدينا، وجهه كوجوهنا، سمعه كسمعنا»، إلى غير ذلك من الصفات. في مقابلهم: الجهمية المعطلة يقولون: «لا نثبت لله تبارك وتعالى شيئًا من الصفات». والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء. فأهل السنة والجماعة، السلف الصالح، الصحابة الكرام، أتباعهم بإحسان، أئمة الإسلام، يقولون: «نثبت لله تبارك وتعالى الصفات على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». قال رحمه الله: «وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف». من التحريف -كما مر معنا- التحريف: من حرف الشيء إذا أخرجه عن موضعه. حرف فانحرف. ومنه يقال: الإنسان إذا خرج عن الجادة بأنه منحرف؛ لخروجه عن الطريق المستقيم. وكذلك التحريف: إخراج اللفظ أو معناه عن مراد الله تبارك وتعالى. والتشبيه -كما تقدم معنا هاهنا- بمعنى التمثيل، كما فعلت المشبهة الذين يقولون: بأن لله صفات كصفات خلقه -تعالى الله تبارك وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا-. والتكييف: كذلك معنى التكييف: أن يجعل لله تبارك وتعالى كيفية معينة، أن يجعل لصفات الله تبارك وتعالى كيفية معينة. وقد فرق العلماء -رحمهم الله تعالى- بين التكيف والتمثيل: بأن التمثيل تشبيه للشيء المعلوم، أو بالشيء المعلوم. فمن شبه صفات الخالق جل جلاله بصفات المعلوم -كالإنسان مثلًا-، فهذا يقال فيه: «مشبه وممثل». وأما إذا شبه صفات الخالق تبارك وتعالى بشيء مجهول أو معدوم، فهذا يقال فيه: بأنه مكيف. وهذا عند اجتماع اللفظين. وأما عند افتراق اللفظين، فإن التشبيه يكون بمعنى التكيف، والتكيف يكون بمعنى التشبيه؛ وذلك لأن المشبه جعل لصفات الله تبارك وتعالى كيفية معينة، وكذلك المكيف جعل لصفات الله تبارك وتعالى صفة معينة. فإذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا -أي: التشبيه والتكيف-. قال: «ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم»، بمعنى: أن الله تبارك وتعالى منَّ على أهل السنة والجماعة بالتعريف؛ أي: أنهم يعرفون معاني صفات الله تبارك وتعالى، ويفهمون معاني صفات الله تبارك وتعالى. فلو سألنا سائل: ما معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟ كل عاقل، كل مؤمن بالله تبارك وتعالى يقول: «معناه أن الله تبارك وتعالى خلق آدم بيدين -لظاهر النص-». إذا قال قائل: ما معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾؟ كل عالم، أو كل عاقل، كل مؤمن يعلم: «أن معناه أن الله ذو علم، وأن الله ذو حكمة». إذا قال قائل: ما معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾؟ لقال القائل: «معنى مجيء المجيء، معناه: المجيء المعلوم، لكن كيف هذا المجيء؟ الله أعلم. كيف علم الله تبارك وتعالى؟ الله أعلم. كيف صفات الله تبارك وتعالى؟ الله أعلم. نُثبتُّه، ونفهم من النصوص ظاهرها، وأما الكيفية فلا يعلمها إلا الله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». قال رحمه الله: «ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم». ومنه يعلم خطأ من نسب إلى السلف الصالح: أن طريقتهم التفويض للفظ والمعنى -كما يحكيه عنهم متأخرو الأشاعرة-. متأخرو الأشاعرة ينسبون إلى السلف الصالح: أن طريقتهم التفويض. وحاشاهم. معنى التفويض: أنك تقرأ الآية، ولا تفهم معناها. تقرأ الآية، ولا تفهم معناها. تقرأ قول الله تبارك وتعالى -مثلًا-: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ما معنى هذا؟ يقول: «الله أعلم، نؤمن باللفظ، ولا ندري المعنى». ما معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ يقول: «الله أعلم، ما نفهم معناه». هل هذا عربي؟ الذي يقول: «ما أفهم لفظ القرآن» عربي أو ليس بعربي؟ هيا -جماعة- الذي يقول: «ما أفهم لفظ القرآن الواضح الجلي الذي هو باللغة العربية»، هو عربي أو ليس بعربي؟ ليس بعربي. إذا قال لنا قائل: إذا قال إنسان لإنسان -كما سمعتم-: ما معنى قول الله تبارك وتعالى في الآية المذكورة: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟ هيا -جماعة- هذا اللفظ مفهوم أو غير مفهوم؟ مفهوم. المفوضة يقول: «غير مفهوم». لماذا؟ يقول: «نحن ما نفهم هذا الكلام». بل ونسب هذه المقالة الباطلة الفاسدة إلى من؟ إلى السلف الصالح، إلى الصحابة الكرام. وحاشاهم من ذلك. بل طريق السلف -كما ذكر الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى هاهنا- قال: «ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم». فهم يعرفون المعاني، ويفهمون المعاني الظاهرة من نصوص الصفات، كما يفهمون المعاني الظاهرة من نصوص الأحكام. قال رحمه الله: «حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه». طريق التوحيد: فأثبتوا لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه من الصفات. وطريق التنزيه: نزهوا الله تبارك وتعالى عن كل نقص وعيب، عن كل نقص وعيب. نزهوا الله تبارك وتعالى عنه. قال: «وتركوا القول بالتعطيل -كما فعلت المعطلة من الجهمية-، والتشبيه -كما فعلت المشبهة-». قال: «واتبعوا قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾»، وكذلك غيرها من الآيات والأدلة التي ذكرها الإمام رحمه الله تعالى الدالة على إثبات صفة اليدين، بل وبقية الصفات، على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، إثباتًا من غير تمثيل -خلافًا للمشبهة-، وتنزيهًا من غير تعطيل -خلافًا للمعطلة الجهمية-. هذه جملة ما ذكره، أو هذا جملة ما ذكره الإمام رحمه الله تعالى في هذه الفقرة. نتوقف إلى هنا لانتهاء الوقت. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على