الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 54، ألقاها
لا يجوز للإنسان أن يسأل الله عن أفعاله لأن الله لا يسأل عما يفعل. الله له الحجة البالغة على خلقه في أفعاله وأحكامه.
الله أنزل الحجج والبراهين ليهتدي الناس، والناس إما مهتد أو ضال. سؤال الله الهداية في الصلاة مهم، والله لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال الرسل.
الله غني عن خلقه وعبادتهم، وخلقهم لعبادته. العباد فقراء إلى الله في كل حركاتهم وسكناتهم، والله خلقهم لغاية عظيمة وليس لحاجة بهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. كذلك ما زلنا في صدد قول الإمام أصبغون رحمه الله: ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، كما تقدم معنى في ما مضى: لا حجة لمن أضله الله جل وعلا على الله جل وعلا، بل لله جل وعلا وحده لا شريك له الحجة البالغة، فهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن لا يستحقها فلا يهديه، يهديه والأمر إليه جل وعلا، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ قال الله جل وعلا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. فلا يجوز لأحد أن يسأل الله جل وعلا بأن يقول: لماذا جعل الله جل وعلا فلانًا مؤمنًا وفلانًا كافرًا؟ لا يجوز هذا السؤال، كما لا يجوز أن يقول: لماذا جعل الله جل وعلا هذا غنيًا وهذا فقيرًا؟ لماذا جعل الله هذا عزيزًا وهذا ذليلًا؟ هذا السؤال لا يجوز؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، ويقول جل في علاه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فالله جل وعلا يفعل ما يشاء، الله جل وعلا فعال لما يريد، ما أراده الله جل وعلا كان وفعله، وما لا يشاء لا يفعله. ولا يجوز للإنسان أن يقول: لماذا؟ بل نصّ من الأئمة رحمهم الله أن السؤال في باب القضاء والقدر بلماذا، كالسؤال في باب الصفات بكيف، سواء بسواء. فكما مر معنا أن من البدع التي لا تجوز لمؤمن عرف قدر ربه جل وعلا أن يقول في صفات الله جل وعلا: كيف هي؟ وكذلك في باب القضاء والقدر لا يجوز للإنسان عرف قدر ربه جل وعلا أن يقول: لماذا فعل الله جل وعلا فلانًا وأضل فلانًا؟ لماذا أعز الله فلانًا وأذل فلانًا؟ لماذا رزق الله فلانًا ومنع فلانًا؟ هذا لا يجوز؛ بل هو من البدع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال الشيخ رحمه الله: لا حجة لمن أضله الله عليه؛ أي على الله، ليس له حجة يوم القيامة يوم أن يقف بين يدي الله جل وعلا، ليس له حجة يحاج بها ربه جل وعلا: لماذا أضليتني وهديت فلانًا؟ لماذا أفقرتني وأغنيت فلانًا؟ لماذا جعلتني ذليلًا وعزيت فلانًا؟ هذه أسئلة لا تجوز، ولا تصدر عن قلب عرف الله جل وعلا حق معرفته، وقدر الله جل وعلا حق تقديره. فلا حجة لأحد على الله جل وعلا في أفعاله من حيث الدليل، ومن حيث التعليل. الدليل كما تقدم: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، التعليل كما تقدم أيضًا: من تسأل أنت أيها العبد؟ تسأل رب العالمين الذي لا يظلم مثقال ذرة، لا يظلم أحدًا جل وعلا، بل حرم الظلم على نفسه، وهو قادر عليه تفضلًا منه جل وعلا، وجعله بين عباده محرمًا، أوجب على نفسه أو حرم على نفسه الظلم جل وعلا. قال رحمه الله: ولا عذر له لديه؛ لماذا؟ لأن الله قد أنزل الحجج والبراهين والآيات والعظات الواضحات الجليات التي انتفع بها من انتفع، وابتعد عنها من ابتعد، فالناس فريقان: مهتد، وزائغ عن الطريق غاوي ضال والعياذ بالله. إذا كان من فضل ربنا جل وعلا علينا أن أوجب علينا أن نسأله الهداية دائمًا في صلواتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهم كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فالإنسان يسأل ربه جل وعلا أن يجعله مع هؤلاء، وحسن أولئك رفيقًا، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، لا طريق اليهود ولا طريق النصارى. فالإنسان يسأل ربه جل وعلا، ويعلم في قرارة نفسه أن الله جل وعلا إن هداه ووفقه للهدى فهي نعمة كبرى لا يعدلها نعمة، ولا يقاربها نعمة، تستوجب عليه أن يشكر الله جل وعلا عليها شكرًا دائمًا ومستمرًا. فلا عذر لأحد ممن لم يرد الله جل وعلا له الهداية على الله جل وعلا؛ لا عذر له؛ لأن الله جل وعلا كما ذكر المؤلف قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، أي بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب معهم؛ لأن كل رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض أرسل معه كتابًا. قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، الكتاب أي الكتب؛ لأن الألف واللام ها هنا للجنس. فلا حجة لأحد بعد إنزال الكتب وإرسال الرسل كما سمعتم: رسل مبشرين أو منذرين؛ لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فأقام الله جل وعلا الحجج والبراهين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فلا حجة للعاصي ولا للكافر في كفره على الله جل وعلا. قال رحمه الله: وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، حق القول من الله جل وعلا؛ أي وجب القول من الله جل وعلا أن جعل الناس على فريقين: شقي وسعيد، مهتد وضال، مستقيم ومنحرف، لله الأمر جل وعلا وحده لا شريك له. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ذرأ خلق الله جل وعلا، وجعل الله جل وعلا لجهنم وهذا يدلنا على سبق علم الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا عالم بعلمه السابق الذي لا يخرج عنه شيء: أن من الناس من يكون مهتد، ومنهم من يكون ضالًا غاويًا منحرفًا والعياذ بالله، منهم المؤمن ومنهم الكافر. قال رحمه الله تعالى سبحانه: خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فريقين: فريقًا للنعيم فضلًا، وفريقًا للجحيم عدلًا؛ لأن أفعال الله جل وعلا دائرة بين الفضل والعدل. فمن وفقه الله جل وعلا للهداية وجعله من أهل الجنة فهذا محض فضل، محض فضل الله جل وعلا عليه، وإكرام الله جل وعلا له، وإحسان الله جل وعلا على ذلك العبد، فضل من الله إحسان من الله إكرام من الله جل وعلا لا بذكاء أحد، ولا بفطنة أحد، ولا بجاه أحد، ولا بشيء، بل هو فضل الله جل وعلا وحده لا شريك له. ومن أضله الله جل وعلا فهو كذلك بعدل الله جل وعلا، ولا يظلم ربك أحدًا، لا يظلم الله جل وعلا أحدًا، حرم الظلم على نفسه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا» كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر. قال رحمه الله سبحانه: خلق الخلق بلا حاجة إليهم؛ الله جل وعلا غني عنا، غني عن عباداتنا، غني عن أفعالنا، أقوالنا، أموالنا، غني عنا غنى ذاتيًا، والعباد فقراء إلى الله جل وعلا فقرًا ذاتيًا. الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، الله جل وعلا ليس بحاجة إلينا، هو الغني جل جلاله، ونحن الفقراء. الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، فالله جل وعلا غني عنا وعن جميع خلقه غنى ذاتيًا، وكل خلقه محتاجون إليه فقراء إليه فقرًا ذاتيًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، غني عن كل ما سوى حميد، يستحق الحمد لكماله جل وعلا، ولفضله وإحسانه، حميد، وصيغة حميد صيغة مبالغة؛ أي أنه كثير الحمد لما يستحقه من المحامد على أفعاله، ولما يستحقه من المحامد على فضله وإحسانه وإنعامه جل في علاه. فخلق خلق الله جل وعلا للخلق ليس لحاجة إليهم، وإنما لحكمة شاءها الله جل وعلا، لحكمة شاءها الله جل وعلا، ما هي هذه الحكمة؟ بيّنها ربنا تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، هذه الحكمة، واللام ها هنا لام الحكمة، لام التعليل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، رزاق وذو قوة متين، ما قال الله جل وعلا: يرزق، قال: رزاق، صيغة مبالغة أيضًا، فعال على وزن فعال. فالله جل وعلا غني عنا، لم يخلقنا لحاجة، وإنما خلقنا لأجل أن نعبده، فإذا عبدنا وقمنا بما أوجب الله جل وعلا علينا، عاملنا وقابلنا الله جل وعلا بالإحسان، إحسان وبالخير خيرات، وفضل وإحسان وإكرام؛ لأن الحقيقة إذا نظر إليها الإنسان وجد أن الله جل وعلا خلقه وجعله إنسانًا، لم يجعله شجرة، حجرة، أو بهيمة، جعله إنسانًا، وهذه نعمة. ثم إن الله جل وعلا أكرمه بعقل يدرك فيه ما ينفعه مما يضره، هذه نعمة أخرى، ثم أرسل الله جل وعلا له الرسل إليه لأجل أن يدلوه إلى طريق الله جل وعلا، ولا يستطيع أن يسير إلى طريق الله جل وعلا إلا بتوفيق الله وعون الله، وهذه نعمة. فمن المحتاج إلى الآخر: العبد محتاج إلى ربه جل وعلا، أو الرب محتاج إلى عبده؟ لا شك ولا ريب أن العبد في كل حركاته، بل أنفاسه التي يتنفس بها يتنفس بعون الله جل وعلا، هل يستطيع إنسانًا يتنفس من تلقاء نفسه؟ بعون الله إذا شاء الله أن يقطع النفس قطعها. فالله جل وعلا هو الغني جل وعلا غنى مطلقًا، والعبد والخلق كلهم فقراء إليه فقرًا مطلقًا ذاتيًا، فلم يخلق الله جل وعلا الخلق لحاجة، خلقهم لغاية عظيمة: عبادة الله جل وعلا، ولأجل هذا جعلهم فريقين: مؤمن وكافر، وبار وفاجر، على فريقين، فمنهم شقي وسعيد، منهم من كتب الله جل وعلاه السعادة فجعله من أهلها، ويسير في سير أهلها، ومنهم من جعله من أهل الشقاوة فهو من أهلها، ويسير بسير أهلها والعياذ بالله. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا للهدى، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.