الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 1، ألقاها
يُبرز أهمية كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث للإمام الصابوني باعتباره مرجعًا سلفيًا أثريًا يعكس العقيدة الصحيحة للسلف الصالح. يحتوي الكتاب على اعتقاد سلفي مجمع عليه وأسانيد مهمة.
يتحدث عن ترجمة الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ويُصحح خطأ في اسمه، ويبرز مكانته في الاعتقاد ومجالسه للوعظ منذ سن مبكرة. يُعد الإمام من أئمة السنة ومولده في القرن الرابع الهجري.
يذكر ثناء العلماء على الإمام بأوصاف متعددة مثل إمام المسلمين وشيخ الإسلام، ويعدد بعضًا من شيوخه وتلاميذه ومآثره. توفي الإمام في المحرم سنة 449 هـ ودفن بمدرسته بجانب أبيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنقرأ بإذن الله تبارك وتعالى في مثل هذا الوقت في هذا الكتاب: كتاب «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» للإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني. وكان الاختيار لهذا الكتاب العظيم المبارك لعدة أمور؛ أولها أن الكتاب، كما سمعتم من عنوانه، أنه «عقيدة السلف أصحاب الحديث»، وما أحوج المسلمين إلى معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلفهم وأئمتهم، رضي الله عنهم ورحمهم الله، لأنها في الحقيقة هي العقيدة التي أمر بها الناس أن يأخذوا بها، وأن يعتقدوها، وأن يجعلوها دينًا يدينون الله تبارك وتعالى بها. فكما سمعتم «عقيدة»، والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة العقيدة الصحيحة، هذا أمر. والأمر الثاني، كما سمعتم، أن الكتاب من عنوانه، كما ذكر، أنه يسلط الأضواء على عقيدة السلف وأصحاب الحديث؛ فالكتاب، بفضل الله تبارك وتعالى، كتاب سلفي أثري؛ لأنه عقيدة السلف الصالح، رضي الله عنهم وأرضاهم، عقيدة الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان، وأتباع أتباعهم، وهكذا هو معتقد أئمة الحديث، رضي الله عنهم ورحمهم الله. فالكتاب، كما سمعتم، في المنزلة في أعلى منازل، أو في المنازل العليا من المنازل التي تجعل الكتاب ذا أهمية عظيمة مما ينبغي أن تكرس الجهود لتعلم هذا الكتاب ولتفهمه، وكذلك لاعتقاد ما تضمنه هذا الكتاب. الأمر الثالث: أن الكتاب، كما سيأتي معنا في كلام الإمام الصابوني، رحمه الله، أنه ينقل ما عليه السلف والأئمة، رضي الله عنهم وأرضاهم، من الاعتقاد الصحيح؛ فهو ينقل إجماع السلف وأصحاب الحديث على هذا المعتقد، إذن هو معتقد سلفي مجمع عليه. وهذه كذلك منزلة أخرى ترقي هذا الكتاب في مراقي الصعود والالتفاع لتجعله ذا أهمية كبرى لأهله. وأمر رابع: أن الكتاب كذلك - ونحن لا نزال نتكلم على الكتاب وعلى أهميته - الكتاب محل ثناء وإعجاب، محل ثناء وإعجاب من الأئمة، رحمهم الله تعالى، ومن العلماء على ممر العصور؛ فأئمة السنة، رحمهم الله تعالى، ورضي الله عنهم، وغفر الله لهم، ما يمرون بذكر هذا الكتاب أو بذكر شيء مما ذكره الإمام، رحمه الله تعالى الصابوني، في هذا الكتاب إلا وذكروه في معرض الثناء والإعجاب، بل والاحتجاج لما عليه السلف الصالح، رضي الله عنهم ورحمهم الله، مما نقله عنهم هذا الإمام الجليل. وأمر خامس: أن الكتاب كذلك من أهميته أنه اعتنى بذكر أسانيد، بذكر الأسانيد، وهذه ميزة في كتب الأئمة المتقدمين، رحمهم الله. وأمر سادس: وهو أن الكتاب كذلك من تصنيف إمام من أئمة السنة، بل شيخ من شيوخ الإسلام، رحمه الله تعالى وغفر له؛ فلأجل هذه المعاني وما كان في معناها، وما كان يفي بها، أحببنا أن يكون هذا الدرس في هذا الوقت؛ لأجل أن يستفيد منه الجميع، وأن ينتفع به الجميع، نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا جميعًا به، وأن يجعل العمل الصالح الذي نلقى الله تبارك وتعالى به حجة لنا لا علينا. هذا أمر، أمر ثاني: نقرأ في هذا الوقت، وكما ترون ما بقي إلا الشيء اليسير، نقرأ ترجمة مختصرة موجزة عن الإمام الصابوني، رحمه الله تعالى، مما ذكره المحقق عندنا ها هنا. ونذكر بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس الآتي بعض المقدمات كذلك حول معنى عنوان الكتاب وما تضمنه هذا العنوان، ونشرع في الدخول في الكتاب بإذن الله تبارك وتعالى. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على الفقه في الدين، وأن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة على بصيرة. قال رحمه الله: ترجمة المصنف: هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر النسابوري الصابوني الحافظ. وننبه هنا على خطأ أو تصحيف وقع في طرة هذا الكتاب، وفي دفة هذا الكتاب؛ قلب لإسم الإمام، فذكر في طبعتنا هذه - التي هي طبعة مكتبة ابن عباس، وهي طبعة مصرية - يعني سجلوا قالوا: لأبي عثمان عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني. والصواب بالعكس: إسماعيل بن عبد الرحمن؛ إسماعيل بن عبد الرحمن، فهو أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل. فمن كان عنده في الطبعة هذه كطبعتنا، فينبه على هذا القلب. الأمر الثاني: مولده، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، أي في القرن الرابع؛ فالإمام متقدم، رحمه الله تعالى، فهو في القرن الرابع. معتقده ومكانته كان، رحمه الله، حسن الطريقة على مذهب السلف في الاعتقاد. وكان أول مجلس عقده للوعظ إثر قتل أبيه في سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن تسع سنين؛ يعني أول مجلس وعظ فيه الناس، وكان عمره حينها ابن تسع سنين. وأبوه، رحمه الله تعالى، كان قبل ذلك كذلك واعظًا، وقتل بسبب الخلافات المذهبية، قتل رحمه الله تعالى بسبب الخلافات المذهبية؛ فلما قتل عين ولده مكانه، فقام بهذا المقام وهو ابن تسع سنين. فانظروا إلى حال أولئك الأئمة، رحمهم الله تعالى، وانظروا إلى حال الأبناء اليوم؛ انظروا إلى حال الأبناء اليوم كيف هم؟ نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل. قال: وقال السلف في «معجم السفر»: سمعت الحسن بن أبي الحسن بسلماس يقول: قدم أبو عثمان الصابوني بعد حجه ومعه أخوه أبو يعلى في أتباع ودواب - أي كان معه أتباع كثيرون - فنزل على جد أحمد بن يوسف الهلال، فقام بجميع مؤانته. وكان يعقد المجلس كل يوم، وافتتن الناس به لبلاغته وبراعته في العلم والحديث والتحديث والوعظ. وكان أخوه فيه دعابة؛ فسمعت أبا عثمان يقول وقتًا: ودعا يا أهل سلماس، لي عندكم شهر أعظ، وأنا في تفسير آية؛ شهر يعظ في تفسير آية واحدة، قال: وما يتعلق بها، ولو بقيت عندكم تمام سنة لما تعرضت لغيرها، والحمد لله. قال: من قال من العلماء هذا؟ إن دل على شيء، دل على غزارته العلمية؛ تخيل رجل يعظ شهرًا كاملًا في آية واحدة، في آية واحدة، بل ويقول: إنه لو مكث سنة ما تعدى هذه الآية، بقي يعظهم من هذه الآية، بقي يعظهم من هذه الآية. وهذا يدلنا على فتح الله تبارك وتعالى على هذا الإمام؛ إذ أنه يستخرج الكنوز، ويستخرج العلوم والمواعظ من آية واحدة كل يوم، وهو على أوج تلك الآية يستنبط ويستخرج ما يستخرجه. قال رحمه الله تعالى: شيوخه، حدث عن الحاكم أبي عبد الله، وأبي إسماعيل عبد الله بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب، وابن بكر بن مهران، إلى آخرين من ذكرهم. قالوا: تلاميذهم، حدث عنه الكتاني، وأبو القاسم بن أبي العلاء، والبيهقي - البيهقي الإمام المشهور، صاحب السنن الكبرى ومعرفة سنن الآثار وغيرها وغيرها من الكتب المشهورة - وحدث عنه كذلك ابنه عبد الرحمن بن إسماعيل، في آخرين، في آخرين. ثناء العلماء عليه، قال أبو عبد الله المالكي: أبو عثمان ممن شهدت له أعين الرجال بالكمال في الحفظ والتفسير. وقال عبد الغفار بن إسماعيل الأستاذ: أبو عثمان إسماعيل الصابوني شيخ الإسلام، المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع - يعني وعظ الناس - كم يا جماعة؟ سبعين سنة، وهو يعظ الناس، وعظ المسلمين سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحو من عشرين سنة. وكان حافظًا، كثير السماع والتصانيف، حريصًا على العلم. قال: سمع بنيسابور وهراة وسرخس والحجاز والشام والجبال، وحدث بخراسان والهند والجرجان والشام والثغور والحجاز والقدس. ورزق العز والجاه في الدين والدنيا. وكان جمال البلد مقبولًا عند الموافق والمخالف؛ وهذه علامة من علامات قبول الله له في الأرض؛ إذ أنه مقبول عند الموافق والمخالف. قال: مجمع على أنه عديم النظير، وسيف السنة، ودامغ البدعة. وكان يحضر مجلسه أبو الطيب الصعلوكي، وهو الأستاذ أبو إسحاق السفرائيني، والأستاذ أبو بكر بن فورك، وأبو إسحاق السفرائيني - وهؤلاء أشاعرة - يعني أبو بكر بن فورك يعد من رؤوس الأشاعرة، ولكنه كما يقال: يعتبر من أحسنهم، ويعجبون من كمال ذكائه وحسن إيراده حتى صار إلى ما صار إليه. وكان مشتغلًا بكثرة العبادات والطاعات حتى كان يضرب به المثل. وقال عنه أبو بكر البيهقي: وكذلك أبو بكر البيهقي ممن تأثر بالتمشعر؛ أبو بكر البيهقي، رحمه الله تعالى، الإمام صاحب السنن الكبرى، ممن تأثر كذلك ودخل عليه شيء من التمشعر. وقيل: إن سبب ذلك إعجابه بابن فورك. وهذا فيه دلالة على عز الداعية إلى قبول ما عند ذلك المبتدع من الباطل؛ وهذه زلة عظيمة وخطر عظيم ينبغي التنبه له. قال: وقال عنه أبو بكر البيهقي: حدثنا إمام المسلمين حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عثمان الصابوني. الشاهد منه سماه ماذا؟ إمام المسلمين حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا. وقال السمعاني: كان إمامًا، مفسرًا، محدثًا، فقيهًا، واعظًا، خطيبًا، أوحد وقته في طريقته. وقال الذهبي: الصابوني الإمام العلام، القدوة، المفسر، المحدث، شيخ الإسلام. وقال ابن كثير: الحافظ الواعظ المفسر، له كتب ومؤلفات، منها: كتاب «المائتين»، كتاب «الأربعين»، «فوائد الفصول»، «الانتصار»، «عقيدة السلف»، هو كتابنا هذا. توفي رحمه الله في المحرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ودفن بمدرسته بسكة حرب بجنب أبيه، رحمه الله تعالى وغفر له. وإلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.