شرح أسماء الله الحسنى 59

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 59، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

شرح معنى اسم الله المهيمن والنصير

المقطع الأول يشرح معنى اسمي الله المهيمن والنصير، حيث أن المهيمن يعني الرقيب والحافظ، والنصير هو الذي ينصر عباده. الإيمان بهذين الاسمين يستدعي مراقبة الله وإحسان العمل.

دلالة اسم الله النصير ومظاهر نصره

الجزء الثاني يوضح أن الله هو النصير الذي يملك النصر وحده وقد كتب النصر لعباده المؤمنين، ومن نصره الله فلا يخذل أبدا. كما أن الله يحب من عباده أن ينصروه.

مفهوم نصرة الله ودينه وأنبيائه

النصر يكون بنصرة دين الله وأنبيائه والحق، ويتحقق بالدعوة إلى الله والكلمة الطيبة والتمسك بسنة النبي. كما أن إقام الصلاة وإيطاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النصر.

طلب النصر من الله تعالى

النصر يتحقق بدعم الله تعالى، وينبغي على المسلمين أن يسألوا الله النصر ورفع راية التوحيد. الله هو النصير الذي يمكنه تحقيق النصر للأمة الإسلامية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا المهيمن. فالمهيمن اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في سورة الحشر، قال جل وعلا: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. فالمهيمن من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى اسم الله جل وعلا المهيمن ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "الشهيد على عباده بما يفعلون". فمعنى المهيمن الشهيد على عباده. فسر المهيمن بأنه الرقيب على عباده، وفسر كذلك بأنه الحافظ لعباده. وذكر ابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: "بسم الله جل وعلا المهيمن المطلع على خفايا الأمور وعلى خبايا الصدور"، هو المطلع على خفايا الأمور وخبايا الصدور، فلا يعزب عنه شيء، إذ قالوا: "ذرة"، فهو الذي أحاط بالعباد علما، وحاط بكل شيء علما سبحانه وتعالى، فهو مهيمن قد شهد كل شيء، وقد راقب كل شيء، قد حفظ كل شيء. فمن فوائد التعبد لله جل وعلا والإيمان باسمه المهيمن أن يراقب العبد ربه جل وعلا المهيمن. إذا علم أن الله جل وعلا هو المهيمن بمعنى أنه رقيب على أقواله وعلى أحواله، فيستدعي ذلك من العبد أن يراقب الله جل وعلا، لأنه علم أن الله قد هيمن عليه، فهو مراقب وهو مشاهد من قبل الشهيد ومن قبل الحفيظ ومن قبل الرقيب. وهذا يستدعي أيضا إحسان العمل، فالعبد بمقتضى تعبده وإيمانه لله جل وعلا باسمه الرقيب باسمه المهيمن عليه أن يحسن الأعمال، لأن الله جل وعلا مطلع عليه وعلى أعماله. فهل يحب العبد أن يطلع المهيمن جل وعلا على أعماله وهو قد أساء فيها ولم يأت بها على الوجه الشرعي وعلى مراد الله؟ فإنه لا يرضى بذلك، العبد لا يرضى بذلك. فإذا كان لا يرضى بذلك، فعليه أن يحسن العمل حتى يأتي بالعمل على وفق الشرع وعلى وفق ما يحب الله جل وعلا. وهكذا يراقب الله في أعماله، في أقواله، في لحظاته، في سره وجهره، في خلوته وجلوته، في ظاهره وباطنه. فمقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا المهيمن يقتضي المراقبة، وهكذا الإحسان في العمل ومشاهدة الرب جل وعلا بعبادته كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في بيان مرتبة الإحسان التي هي من أعظم مراتب الدين. ثم ذكر رحمه الله تعالى من أسماء الله جل وعلا الحسنى "النصير". فالنصير اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في أربعة مواضع في القرآن. منها قوله جل وعلا: ﴿وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾، وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾. وقال جل وعلا: ﴿الله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾. فهذه أربعة مواضع في كتاب الله جل وعلا ذكر فيها اسم الله جل وعلا النصير. وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، عند الترمذي، عن حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا غزا قال: "اللهم أنت نصيري، بك أجول وبك أصول وبك أقاتل". فكان عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم أنت نصيري". فالله جل وعلا هو النصير. ومعنى اسم الله جل وعلا النصير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الذي تولى نصر عباده". فالنصير هو الذي ينصر عباده. وهكذا قال غير واحد من السلف في معنى اسم الله جل وعلا النصير، وأنه الذي ينصر عباده، فهو جل وعلا النصير الذي تكفل بنصر عباده وبالدفاع عنهم والدفاع عن أوليائه المتقين. فالله جل وعلا هو النصير الذي النصر من عنده، فلا نصر إلا من عند النصير، فلا أحد ينصر إلا النصير جل وعلا، فهو الذي يملك النصر وحده لا شريك له. قال جل وعلا: ﴿ومن نصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾، معناها أن النصر ليس من عند أحد إلا من الله ومن عند الله النصير سبحانه وتعالى. ولذلك الله سبحانه وتعالى بين أن نصره قد سبق لعباده المؤمنين ولأنبيائه، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنا لننصر رسولنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. فكتب الله جل وعلا النصير النصر لعباده ولأنبيائه المرسلين. ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون. فالنصر جعله النصير جل وعلا لعباده المتقين لعباده المحسنين لعباده المؤمنين لأنبيائه ورسله لأوليائه. فالنصر جعله النصير جل وعلا لهم. ولذلك إذا نصر النصير عباده جل وعلا، فمن هذا الذي يخذلهم؟ فلا يخذلون من نصره الله جل وعلا، فإنه لا يخذل أبدا. لماذا لا يخذل؟ لأن الله نصره. ومن نصره الله جل وعلا فقد أمن الخذلان. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. فبين الله جل وعلا النصير سبحانه وتعالى أنه إذا نصر عبده فإنه لا يخذله ولا يستطيع أحد أن يخذله، وإن وجد المخذلون، لكن لا يضرونه. لماذا؟ لأن الله جل وعلا نصره. ولذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الطائفة المنصورة التي نصرها النصير جل وعلا إلى يوم القيامة، فهي منصورة. يوجد المخذلون الذين يخذلون هذه الطائفة من فرق البدع والضلال، كل فرق البدع والضلال فرق مخذلة للطائفة المنصورة، لكن هل يضرها ذلك الخذلان؟ لا. لماذا لا يضرها ذلك الخذلان؟ لأن النصير جل وعلا نصرها. قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حديث المتفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". إذن يوجد المخذلون، لكن لا يضرون المنصورين الذين نصرهم النصير جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى هو النصير. فالاسم الصحيح الثابت لله جل وعلا هو النصير، ليس الناصر. مشهور عند العامة أن من أسماء الله جل وعلا الناصر، وصحيح أن الناصر لم يثبت اسما لله جل وعلا، وإنما ثبت اسم الله جل وعلا النصير. لكن من باب الإخبار يجوز أن يقال: إن الله هو الناصر. لكن من باب الإخبار، وفرق بين باب الإخبار وباب التسمية. فيجوز أن تخبر عن الله أنه الناصر، ولا يجوز أن تسمي الله الناصر. فرق بين هذا وهذا. تخبر عن الله أنه الناصر نعم، لأن باب الإخبار واسع، فيخبر عن الله جل وعلا بأفعاله وأنه الناصر جل وعلا وأنه كذلك النافع الضار، باب الإخبار وغير ذلك نعم. لكن باب التسمية لا يجوز أن يسمى الله جل وعلا إلا بدليل من الكتاب أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. فالذي ثبت في كتاب الله النصير وليس الناصر. لكن من باب الإخبار يجوز أن يقال: إن الله جل وعلا هو الناصر، كما يقال: إن الله جل وعلا هو المانع، جل وعلا المانع، من باب الإخبار نعم، والنافع الضار إلى آخر ذلك من باب الإخبار. فالنصير إذن هو الثابت عن الله جل وعلا في كتابه، وأنه اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. والنصير جل وعلا يحب من عباده أن ينصروه. فالله جل وعلا النصير أمر عباده أن ينصروه جل وعلا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾. فبين الله جل وعلا أن من نصره سبحانه وتعالى، مع أنه هو النصير، ومع هذا يخبر جل وعلا النصير أن من نصره من عباده فإنه جل وعلا النصير ينصره. ما معنى نصر الله جل وعلا؟ الله جل وعلا هو الغني، فغير محتاج النصرة من عباده له. لكن المعنى أن الله جل وعلا أمر عباده أن ينصروه، أي أن ينصروا دينه وأن ينصروا أنبياءه وأن ينصروا الحق وأن ينصروا الطائفة المنصورة التي هي على الحق. النصرة تكون بالمال وبالأقوال، بكل معنى من معاني النصرة وبكل نوع من أنواع النصرة. فالنصير جل وعلا أمر عباده أن ينصروا، فتنصره بالدعوة إلى الله، تنصره بالكلمة، كلمة الحق، تنصره بالتهليل، في بيان دين الله، في بيان الأحكام الشرعية، كل ذلك من نصرة الله جل وعلا. وهكذا كذلك نصرة الأنبياء من نصرة الله جل وعلا، من العبد أن ينصر الأنبياء، وذلك قال الله جل وعلا في نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾، إلا تنصروه، وهذا فيه الأمر بنصرته عليه الصلاة والسلام في حياته وبعد مماته. في حياته بنصرته عليه الصلاة والسلام بالدفاع عنه نعم، وبمحبته وبتمسك بما جاء به عليه الصلاة والسلام. وبعد موته بالتمسك بسنته ونصرة سنته عليه الصلاة والسلام. إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: "لا تحزن إن الله معنا". فإذا من نصرة النصير جل وعلا أن تنصر عبد الله نبي الله جل وعلا بنصرة سنته والدفاع عنها والدعوة إليها وتطبيقها. وكذلك التحلي بها وإظهارها في مشيتك وفي جلستك وفي ملبسك وفي كلامك وفي كل أحوالك تظهر السنة، حتى في جلوسك، حتى في قيامك، حتى في نومك، وحتى في معاملتك، وفي كل هذا، كل من نصرة النصير جل وعلا، لأن ذلك من نصرة سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن نصرة النصير جل وعلا أن تنصر الظالم والمظلوم. أن تنصر الظالم والمظلوم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قال: "يا رسول الله، كيف ننصره إذا كان ظالما؟" قال عليه الصلاة والسلام: "تمنعه من الظلم". فإذا منعت الظالم من ظلمه فقد نصرته، لأنك أرشدته إلى الحق، وذلك منك نص. ومن نصر الله جل وعلا. ولذلك الله سبحانه وتعالى أمر بنصرته. قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فلما حس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله﴾. فالحواريون كانوا أنصار الله، لأنهم نصروا نبي الله جل وعلا عيسى عليه الصلاة والسلام، ونصروا ما أرسل به نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام، فذلك من نصرة الله جل وعلا. فكانوا أنصارا للنصير جل وعلا. ولذلك الله سبحانه وتعالى أمر بذلك، أمر بنصرته جل وعلا. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله﴾. كما قال عيسى بن مريم للحواريين: "من أنصاري إلى الله؟" قال الحواريون: "نحن أنصار الله". فآمن الطائفة من بني إسرائيل، وكفر الطائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين. فإذا من نصرة النصير جل وعلا نصرة دينه، نصرة أنبيائه، نصرة سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، نصرة الحق. ومن مغزى تعبد العبد لله جل وعلا وإيمانه باسمه جل وعلا النصير أن يأخذ العبد بأسباب النصر، أن يأخذ بأسباب النصر. ومن أعظم أسباب النصر من النصير جل وعلا نصرة دين الله كما تقدم. وهكذا من أسباب نصرة النصير جل وعلا لعباده أن يتصفوا عباد الرب جل وعلا بالذي يستحقون لأجله النصر من النصير جل وعلا، بإقام الصلاة وإيطاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. فبين الله جل وعلا المستحقين لنصره جل وعلا النصير، وهم الذين مكنهم الله جل وعلا في أرضه، وهم الذين اتصفوا بصفات أهل النصر وأهل الإيمان، من إقام الصلاة وإيطاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذا من أعظم أسباب نصرة النصير. لكن الأمة اليوم لما فرطت في أمر صلاتها وفرطت في أمر زكاتها وفرطت في أمر قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يكن لهم التمكين ولم يكن لهم كذلك الاستخلاف ولم تكن لهم العزة. لماذا؟ لفوات أسباب تحصيل النصر من النصير جل وعلا. وأسباب النصر من النصير جل وعلا كثيرة. فهذا أعظم ما يتحقق به النصر من النصير جل وعلا. نسأله سبحانه وتعالى أن ينصر هذه الأمة وأن يرفع راية التوحيد عالية. إنه النصير جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.