الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 33، ألقاها
يؤمن أهل السنة والجماعة بالبعث بعد الموت ويصدقون بأهوال يوم القيامة، حيث يختلف العباد في ذلك اليوم بحسب أعمالهم. يوم القيامة يوم هائل يختلف فيه الناس في شدة الفزع والخوف.
يوم القيامة يصف القرآن الكريم بأوصاف مخيفة وتفصيل دقيق لأحوال الناس فيه، حيث يكون الناس في شدة الفزع والخوف، ومنهم من يكون آمنا بتأمين الله له بسبب طاعته وخوفه من الله في الدنيا.
الذين نسوا آيات الله ولم يؤمنوا بها سيحاسبون على إسرافهم وسيكون عذاب الآخرة أشد وأبقى، ويُنهى المقطع بالدعاء لله بالعفو والعافية والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهله الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله: ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر به سبحانه من أهوال ذلك اليوم، أي من أهوال يوم القيامة، والهول هو الشيء المخيف والأمر الشديد. من أهوال ذلك اليوم الحق هو حق؛ لأنه واقع لا محالة، لأن الله جل وعلا أخبر به، وخبره صدق سبحانه وتعالى، فلا محالة أنه سيقع. واختلاف من أهوال ذلك اليوم الحق، وهو حقٌ كذلك؛ لأنه يحصل فيه تحقيق الحق وإيصال الحق لكل ذي حق ممن حصل له مع غيره شيء من المظالم، فإنه يوم القيامة يحصل المحاقة وإيصال الحق لكل ذي حق. واختلاف أحوال العباد فيه، أي مما يؤمن بها أهل السنة والجماعة، اختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل؛ لأن الناس ليسوا على حالٍ واحدة في الدنيا، فكذلك يوم القيامة ليسوا على حالٍ واحدة، فمنهم المؤمن ومنهم الفاجر، ومنهم البر ومنهم الكافر. قال: «واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل». فمن عباد الله جل وعلا من يكون من الآمنين في ذلك اليوم المريع، في ذلك اليوم المخيف، في ذلك اليوم العظيم، في ذلك اليوم الذي وصفه الله جل وعلا بأوصاف تدل على قمة الفزع فيه والتخويف منه. وصفه الله جل وعلا كما هو معلوم، فإذا جاءت الطامة، وسماه الصاخة، وسمى الله جل وعلا أيضًا يوم القيامة القارعة، ﴿ما القارعة وما أدراك ما القارعة﴾. وصفه الله جل وعلا وصف الناس فيه بأوصاف كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿يوم ترى كل ذات حمل﴾، ﴿يوم ترى الناس سكارة وما هم بسكارة ولكن عذاب الله شديد﴾، ﴿يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾. وصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾. وصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم اخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق﴾. وصفه الله جل وعلا بأوصاف كثيرة، وكذلك وصفه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأوصاف كثيرة تدل على هول ذلك اليوم، منها ما جاء في صحيح مسلم حديث المقداد. أنه قال: «تدنو الشمس من الخلائق حتى ما يكون بينها وبينهم إلا مقدار ميل»، حتى قال القائل أو الراوي عنه: «المقدار والله ما أدري هل أراد ميل المسافة أو ميل المقحلة». قال: «فيتصببهم العرق حتى يبلغ العرق من أحدهم إلى كعبيه إلى ركبتيه إلى حقويه إلى كتفيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما». وهذا دلنا على تفاوت هؤلاء الناس فيما يلقونه يوم القيامة من الهول ومن الفزع والخوف، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. ومن عباد الله جل وعلا من يكون آمنا بتأمين الله جل وعلا له؛ لأنه كان ممن قام بطاعة الله جل وعلا وخاف الله جل وعلا في الدنيا. وكما قيل: من خاف الله جل وعلا في الدنيا أمنه الله جل وعلا يوم القيامة بفضله وكرمه وعطائه جل وعلا. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم تعدون﴾، بشارة ألا تخافوا ولا تحزنوا. وجاء في الآية الأخرى: ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، في أهل الاستقامة. والله جل وعلا كذلك وصف أولياءه المتقين: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، لا خوف عليهم في الدنيا ولا خوف عليهم يوم يلقون ربهم جل وعلا يوم القيامة. لكن من هم هؤلاء الذين آمنوا وكانوا يتقون إيمانا كاملا وتقا كاملا؟ الله رب العالمين جل وعلا، نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر أصنافا من الناس ممن يظلهم الله جل وعلا يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل أو شاب نشأ في طاعة الله»، وذكر الحديث في تتمة السبعة. وجاءت أحاديث أخرى كذلك في ذكر أصناف أخر ممن يؤمنون يوم القيامة في يوم الأهوال. فدل ذلك على ما ذكره الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بقوله: «واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل»، مع أنه يوم مهول ويوم شديد كما جاءت الأحاديث في ذلك، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أبي سعيد، وجاء من حديث أنس، وجاء من حديث طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في ذكر الشفاعة. الشفاعة الكبرى الذي أعطاها أو يعطيها ربنا تبارك وتعالى يوم القيامة لنبيه إكراما وتشريفا له، أن الناس يأتون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، وهؤلاء الأربعة سوى آدم من أولي العزم، وآدم أبو البشر من أولي العزم، أي من أفضل الرسل. بل قد نقل نقل الإجماع على أن الأنبياء أفضل من كل ما سواهم، والرسل أفضل الأنبياء، وأفضل الرسل خمسة وهم أولي العزم: محمد صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم السلام، وأفضل هؤلاء الخمسة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم وقع شيء من الخلاف في أيهما أفضل: عيسى أو نوح عليهم الصلاة والتسليم. ومع هذا كما تسمعون، يأيء في الحديث أن الناس حينما يأتون إلى آدم يذكر ما وقع منه، ويقول: «اللهم سلم سلم»، إلى نوح «اللهم سلم سلم»، إلى إبراهيم «اللهم سلم سلم»، وكلهم «اللهم سلم سلم»، دعاء الأنبياء يوم القيامة «اللهم سلم سلم». إذا كان هذا حال هؤلاء، فكيف حال من سواهم؟ كيف حال من دونهم؟ أشد أشد وأشد، ويحتاج إلى دعاء إلى الله جل وعلا أكثر وأكثر بالسلامة «اللهم سلم سلم اللهم سلم سلم». فكما ذكر رحمه الله اختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، من الناس من يأتي والعياذ بالله ونسأل الله العافية والسلام يحشر يوم القيامة مع هذه الأهوال وهو أعمى، وهو أعمى والعياذ بالله، فيزداد ضنكاً وشقاوةً وعذاباً فوق عذابه، كما قال الله جل وعلا: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. تخيل يوم القيامة مع هذه الكروب وهذه الأهوال، ويحشر هذا الإنسان أعمى، فحينها يخاصم والعياذ بالله، فيقول: «ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا»، أي في الدنيا أنا بصير أبصر بعينين، فلماذا يوم القيامة لا أبصر بهما وأنا الآن أحوج ما يكون إلى الإبصار بهما لما يسمع ويشعر ويحس من الأهوال والمخاوف التي تحيط به؟ «لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا»، فيقول لهم: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى». نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أمين.