الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 64، ألقاها
يُشيد الإمام أبو عثمان الصابوني بالخلفاء الراشدين لما لهم من دور في نصرة الدين، ويُحذر من سبهم أو بغضهم. يُؤكد على أهمية التمسك بسنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين.
يتناول تكفير الروافض للصحابة وادعائهم كفرهم بعد وفاة النبي، ويرد على ذلك بأن هذا القول كفر وضلال مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث نبوية تثني على الصحابة.
يُبين مكانة أصحاب رسول الله وفضلهم على المسلمين الذين جاءوا بعدهم، ويُحذر من سبهم. يُظهر موقف علي بن أبي طالب من أبي بكر وعمر، حيث يُقر بفضلهم ومكانتهم.
يعبر عن الرضا عن أصحاب رسول الله ويدعو بالاستغفار والتوبة، ويشير إلى انتهاء الوقت المحدد للدرس. يُنهي بالدعاء بختم الدرس بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله -والصابوني ليس الصابون المتأخر، هذا إمام في السنة، أما ذاك فمخلط كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى، وحفظ الله الأحياء منهم- هذا عنده بدع ومخالفات. طيب، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: فكان هؤلاء الخلفاء -فكان هؤلاء الأربعة، الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. قال: فمن أحبهم وتولاهم ودعا لهم ورعى حقهم وعرف فضلهم فاز من الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج لعنهم الله فقد هلك في الهالكين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسب أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله» الحديث. «لا تسب أصحابي» واتفق عليه، لكن بزيادة: «فمن سبهم فعليه لعنة الله» هذه زيادة ضعيفة. قال رحمه الله: وقال: «من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله» وهذا كذلك فيه ضعف أيضًا؛ لأنه من طريق عبد الرحمن بن زياد وهو مجهول، وإن كان معناه صحيحًا. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام السنة ومنارات الخير والهدى، رضي الله عنهم وأرضاهم. كيف قد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم -أي الخلفاء- وصفهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم -أي التزموا- بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». ثم قالوا: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة». فدل ذلك على أن الخلفاء الراشدين -على أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم أئمة هدى، أئمة رشد- رضي الله عنهم وأرضاهم. فمن أحبهم وسلك سبيلهم كان من الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم وتنقصهم فهو من الظالمين الطاغين. بل نص بعض أئمة السنة أن من كفر أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه فإنه كافر، فكيف بالخوارج؟ فكيف بالروافض الذين يكفرون عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بضعة عشر؟ عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم كفار، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، نعوذ بالله من الخذلان. وعلى رأسهم العشرة -إلا علي- كل العشرة الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة» الحديث، كلهم في النار إلا علي. بل وجميع المهاجرين والأنصار في النار إلا بضعة عشر. وهذا القول -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- من قال به: من قال إن عامة الصحابة -عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أكثرهم كفروا أو فسقوا بعد موته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بأنه كافر، ومن شك في كفر ذلك القائل بهذه المقالة فهو كافر؛ لأن معنى هذا الكلام أنه كفر حملة الشريعة، وكفر من تواترت النصوص من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بتزكيتهم، وبأن الله جل وعلا رضي عنهم، وحكم لهم بأنهم في الجنة، حكم من الله، حكم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهؤلاء يقولون: هم في النار، نعوذ بالله من الخذلان. بعض الأئمة، ومنهم الإمام مالك رحمه الله، استدل بالآية المذكورة بين أيدينا في قوله -في قول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾- فكل من اغتاظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ هذا وصف لمن؟ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾؛ فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الذروة العليا من الإيمان، لا أحد أفضل منهم بعد الأنبياء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». بل ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذا خطاب لمن؟ لأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ويأتي من الروافض -لعنهم الله- من يكفر الصحابة، يكفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يفسقهم، ومن رأس هؤلاء في الكفر أبو بكر وعمر، نعوذ بالله من الخذلان. إذا كان أبو بكر وعمر كفار في النار، من بقي على الإيمان؟ لا أحد؛ لأنهم رؤوس أهل الإيمان في هذه الأمة بعد نبيها، رضي الله عنهما وعن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وأبو بكر وعمر -المهاجرون- أفضل من الأنصار من حيث الجملة، بل بإجماع: بأن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان -أو بكر ثم عمر وكذلك عثمان وعلي- رضي الله عنهم جميعًا، والعشرة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد-: «لا تسب أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا -من يستطيع أن ينفق ذهبًا مثل جبل أحد؟ هل يستطيع أحد أن يفعل ذلك أبدًا؟- النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تسب أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد أي جبل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصف؛ أي ما بلغ نصف المد من صدقة يتصدق بها أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ذاك إلا للمكانة العليا الذي وصل إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيمان والتقى والصدق والإخلاص والنصرة لدين الله جل وعلا. فكل واحد من أهل الإسلام ممن جاء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه فضل؛ فضل عظيم بحمل هذا الدين، بنصرة هذا الدين، بتبليغ هذا الدين. من حمل لنا هذا الدين ونقله لنا صافيا نقيا؟ إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. من أين لنا أن نعلم أحكام دين الله جل وعلا؟ من أن نعلم توحيد الله جل وعلا؟ من أن نعلم الحلال والحرام؟ إلا عن طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم وأرضاهم. ولكن الروافض -لعنهم الله- لما كانوا أهل مروق في الإسلام في الدين، ورأوا أن أعظم عقبة أمامهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيعون أن يهدموا هذا الدين إلا بإسقاط هذه العقبة التي يرونها عقبة أمامهم، فماذا صنعوا؟ كفروهم، نعوذ بالله من الخذلان. علي رضي الله عنه وأرضاه قال: «لا أوت بأحد -انظروا على إنصاف- لا يأتيني أحد يزعم أني أفضل من أبي بكر وعمر إلا ضربته ضرب المفتري». مجرد أفضلية، لو قال إنسان في زمن علي لعلي: «إنك أفضل من أبي بكر وعمر»، يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: لأضربنه ضرب المفتري أربعين جلدة؛ لأنه افترى. لأن عليًا رضي الله عنه وأرضاه كان يعرف لأصحاب رسول الله مكانتهم. لذا عندما بايع علي رضي الله عنه وأرضاه أبا بكر، قال رضي الله عنه وأرضاه -كما في صحيح البخاري-: «والله إني لأعرف منزلتك وسابقتك لهذا الدين»؛ يعرف قدره، يعرف منزلته، يعرف سابقته، رضي الله عنه وأرضاه. كيف لا؟ وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لو لم تكن له فضيلة إلا أنه أسلم على يدي أبي بكر من العشر خمسة من العشرة المبشرين بالجنة: أسلم على يد أبي بكر: عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، سعد بن أبي وقاص، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله؛ خمسة من المبشرين بالجنة أسلموا على يدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. لو لم تكن له منقبة إلا هذا لكفى بها، كيف وهو صاحب المناقب والفضائل المتعددة المتنوعة؟ رضي الله عنه وعن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.