الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 32، ألقاها
يناقش الإمام الصابوني الإيمان بالبعث بعد الموت كجزء من الإيمان بالغيب، مستندًا إلى القرآن والسنة والإجماع. يُبرز أهمية هذا الإيمان في تمييز أهل الإيمان.
يشرح المقطع أهمية الإيمان بالبعث بعد الموت ويؤكد أن البعث هو إحياء الأموات للحساب والجزاء، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المسلمين.
يتناول كيفية البعث يوم القيامة بإعادة الأجساد من عجب الذنب، مع استثناء أجساد الأنبياء والشهداء، ويبين أن الأجساد المبْعوثة هي نفسها التي عاشت على الأرض مع احتمال تغيير في الأوصاف.
يختتم بالدعاء والتسبيح والاستغفار، ويشمل التوجه إلى الله بالحمد والاعتراف بوحدانيته، مع التوبة والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: «ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه به من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل، من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، وغير ذلك». هذا انتقال منه رحمه الله تعالى من باب الإيمان بالله جل وعلا وأسمائه وصفاته إلى باب آخر من أبواب الإيمان، وهو الإيمان بالبعث بعد الموت. والإيمان بالبعث بعد الموت دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فأدلة ذلك كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ الآية. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقولهم جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. والآيات في ذلك كثيرة. ومن السنة أيضًا أدلة كثيرة متكاثرة، منها ما جاء في الصحيحين من حديث أبى هريرة، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم بارز، إذ دخل عليه رجل، فسأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالبعث وبالقدر خيره وشره». الحديث، الشاهد: «وتؤمن بالبعث». وأما الإجماع، فنقل غير واحد الإجماع على ذلك. بل قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن أمر قيام الناس للقيامة الكبرى أمر مجمع عليه في سائر الملل، أي: ليست في ملة الإسلام فقط، بل في سائر الملل. وإن وقع شيء من خلاف اليسير في أمر القبر، لكن البعث جملة مجمع عليه، مجمع عليه بين جميع الملل، ليس فقط في الإسلام، بل جميع الأنبياء، جميع الأنبياء أخبروا أقوامهم عن البعث، وأنهم يبعثون. وهذا الذي يدل عليه كذلك العقل السليم، الذي أشار إليه ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. فالعقل السليم الموافق للفطرة السليمة، الموافق للدين القويم يدل على هذا: أنه لا بد من معاد ورجوع إلى الله جل وعلا، وحساب وجزاء، جزاء للعامل على عمله، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، والعياذ بالله. والبعث قوله رحمه الله: «ويؤمن أهل الدين والسنة» هذا من باب الإيمان بالغيب؛ لأن هذه أمور غائبة ستحدث. وهذا كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى هو روح الإيمان؛ لأن الإيمان بالمشاهد يشترك فيه المسلم والكافر والبر والفاجر، أما الإيمان بالغيب هو الذي يمتاز به أهل الإيمان عن غيرهم. لذا قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. بالآخرة يؤمنون بالغيب، وبالآخرة هم يوقنون، على يقين من أنها حق، وأن هناك معاد وبعث وقيامة وحساب وجزاء، إلى غير ذلك من أمور المعاد. وقوله رحمه الله تعالى: «ويؤمن أهل الدين» وقوله: «أهل الدين» هذه صفة لأهل السنة والجماعة؛ لأنهم هم أهل الدين الحق الذي أنزله الله جل وعلا على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأن دينهم مبناه على كتاب الله جل وعلا، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعلى ما كان عليه الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان، والأئمة الأعلام رحمهم الله ورضي الله عنهم، فهو الدين الحق الذي رضيه الله جل وعلا لنا بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. هذا هو الدين، فهم أهل الدين وأهل السنة لاتباعهم لسنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: «ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة». ومعنى البعث في اللغة: الإثارة. البعث في اللغة بمعنى الإثارة، ومنه يقال: أثرت الفرس، وأثارة الريح الشجر، إلى غير ذلك من معنى الإثارة. وفي الشرع: هو إحياء الأموات يوم القيامة، وخروجهم من قبورهم، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فتعاد الأرواح إلى أجسادها، فيخرجون من قبورهم إلى أرض المحشر، يحشرون، يبعثون ليكون بعد ذلك الحساب، يبعثون ليكون بعد ذلك الحساب وينشرون. وينشرون أي: يقفون منشورين لأمر الحساب، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يسيرون سيرًا سريعًا. وهذا كما سمعتم هو معنى البعث، فالبعث إحياء للأموات الذين قد ماتوا يوم القيامة، يبعثهم الله جل وعلا. وكما جاء في حديث عبد الله بن عمر بن العاص في صحيح مسلم في ذكر صفة البعث، قال: «ثم ينفخ فيه أخرى -أي: نافخ في الصور ينفخ في الصور نفخة أخرى- فإذا هم قيام ينظرون». أي: كما جاء أنهم يخرجون من قبورهم. وجاء في حديث أبى هريرة في الصحيحين كذلك في وصف البعث، أن الله جل وعلا «يرسلون مثل الطل». وفي رواية: «مثل الظل». في رواية: «مثل الطل» -أي: بالمهملة- وفي رواية أخرى: «مثل الظل» -بالموحدة- قال: «فتسقط على أولئك الذين قد ماتوا». وكما جاء في حديث أبى هريرة، قال: «وكل جسد ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب، وهو العظم الصغير الذي يكون في آخر العمود، أو ما يسمى بالعصعص». بعضهم: هذا هو الذي يبقى، أما جسد ابن آدم كله يفنى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا عجب الذنب، ومنه تعودون» -أو قال: «تبعثون»- أن يحصلوا البعث مرة أخرى بإعادة الأجساد مرة أخرى من ذلك العظم الصغير. ويستثن من هذا الفناء للأجساد أجساد الأنبياء؛ فإن الله جل وعلا حرم أجساد الأنبياء، حرم على الأرض أجساد الأنبياء؛ فإنها باقية في حياة برزخية. وكذلك دلت الأدلة على غير الأنبياء من الشهداء، ومن كان في معناهم. فدل هذا على كيفية البعث يوم القيامة. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الأجساد التي تبعث يوم القيامة هي الأجساد التي أطاعت الله عز وجل أو التي عصت الله عز وجل، أي: أصلها وقوامها، أصل الجسد وقوام الجسد. وإن كان ربما حصل شيء من التغيير باعتبار الوصف، لكن الجسد هو الجسد. ومثل العلماء بذلك أن الإنسان إذا رؤى وهو شاب، ثم رؤى وهو شيخ كبير، هل الجسد هو نفس الجسد أم لا؟ الجسد هو نفس الجسد، لكن حصل ماذا؟ تغيير في الأوصاف. قالوا: فالبعث يعود الجسد نفس الجسد، لكن قد يحصل تغيير في ماذا؟ في الأوصاف. هذه بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب. ونذكر ما تبقى بإذن الله تبارك وتعالى في درس اللاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.