الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 16، ألقاها
يعتقد الإمام الشافعي أن الله تعالى فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه، مستدلاً بحديث الجارية السوداء. كما يلتزم بالأحاديث الصحيحة وعدم مخالفتها.
ينكر الإمام الشافعي على من يشكك في قبول حديث رسول الله، ويبين الفرق بين أهل السنة وأهل البدع في قبول أخبار صفات الله تعالى.
ينتقد المقطع آراء الأشاعرة في التعامل مع صفات الله تعالى، ويبين بطلان طريقتي التفويض والتأويل اللتين يتبعونهما.
يتضمن المقطع دعاءً بالاستغفار والتسبيح يتبعه توجيه للمشاهدين بالاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث: قال وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه احتج في كتابه المبسوط في مسألة اعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اعتاقه إياها، فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، يعني أنك رسول الله الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإنها مؤمنة. والحديث كما هو معلوم رواه مسلم. قال: فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وإنما احتج الشافعي رحمه الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز اعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر، لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه، وفوق سبع سماواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة، سلفهم وخلفهم، إذ كان رحمه الله لا يروي خبرا صحيحا لا يقول به. قال: وقد أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال: أنبأنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: إذا رأيتموني أقول قولا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، فاعلموا أن عقلا قد ذهب. أي: إن حدث أو عالم حديثا صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمل بخلافه. وهذا يدلنا على أن الشافعي رحمه الله تعالى، كغيره من السلف من أئمة الحديث رحمهم الله تعالى، يؤمنون بما جاء عن الله تبارك وتعالى على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها إيمانه بخبر الجارية: «أنت رسول الله الذي في السماء»، فهو يؤمن بأن ربه تبارك وتعالى في السماء، كما هو نص هذا الحديث. وأراد الإمام الصابوني رحمه الله تعالى أن يبين أن الشافعي رحمه الله تعالى، كغيره من الأئمة يؤمنون بأن الله تبارك وتعالى فوق خلقه، لذا قال: لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة، سلفهم وخلفهم. لذا ذكر هذا الأثر، وأنه لا يروي خبرا صحيحا إلا عمل به رحمه الله ورضي الله عنه. شأنه شأن غيره من الأئمة رحمهم الله. قال: قال الحاكم رحمه الله: سمعت أبا الوليد غير مرة يقول: حدث عن الزعفراني أن الشافعي رحمه الله روى يوما حديثا، فقال السائل: يا أبا عبد الله تقول به؟ قال: لا تراني في بيعة أو كنيسة، ترى علي زي الكفار، هو ذا تراني في مسجد المسلمين، علي زي المسلمين، مستقبل قبلتهم، أروي حديثا عن نبي صلى الله عليه وسلم ثم لا أقول به؟ وهذا إنكار شديد من إمام الشافعي رحمه الله تعالى على من سأله عن حديث رواه: أتقول به؟ كأنه يقول: ومن لا يقول بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل مسلم يعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أنه قاله، ثم لا يؤمن به، ثم لا يقول به؟ لا يكون هذا ولا يتأتى من مسلم، لأن من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تصديقه فيما أخبر. والأمر ها هنا كذلك، رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بأن ربه في السماء، ويأتي السائل فيقول: أتؤمن بهذا؟ أتقول بهذا؟ هذا كما سمعتم لا يرده مسلم، أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردها مسلم أبدا. لذا قال الشافعي رحمه الله تعالى منكرا على هذا القائل: تراني في بيعة أو كنيسة -أي يهودي أو نصراني- حتى لا أقبل خبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ ترى علي زي كفار حتى لا أقبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذكر أنه في مسجد المسلمين وعلى زي المسلمين. وإذا كان كذلك، فيجب عليهم ما دام مسلما أن يقبل خبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: قال أبو عثمان الصابوني: والأثرين عن الشافعي ثابتين صحيحين. قال أبو عثمان الصابوني: والفرق بين أهل السنة وأهل البدع أنهم... (وقع هنا سقط في النص) ...قالوا: والفرق بين أهل السنة وأهل البدع أنهم -الضمير ها هنا عاد على أهل البدع- إذا سمعوا خبرا في صفات الرب ردوه أصلا ولم يقبلوه. من هؤلاء أهل الأهواء، أهل الأهواء يعني قوله: أنهم عاد على أهل الأهواء لأمرين: الأمر الأول لأنهم أقرب مذكور، والضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهذا هو الأصل. والأمر الثاني أن سياق الكلام يدل على ذلك، سياق الكلام يدل على أن هذا مذهب أهل الأهواء والبدع. قال: وأهل البدع إذا سمعوا خبرا في صفات الرب ردوه أصلا. أهل الأهواء والبدع يأتي القائل يقول لهم: قال الله تبارك وتعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ماذا تقولون؟ يقول: لم يستوي على العرش، لم يستوي على العرش مباشرة أصلا ورأسا يردون خبر ربنا تبارك وتعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر. لم يقبلوا أصلا ورأسا كما هو حال الجهمية، يقول: هذا غير مقبول أصلا ورأسا، لا يجوز أن يقال في حق الله تبارك وتعالى. أو لن يسلموا للظاهر كما هو حال الأشاعرة ومن كان على شاكلتهم. والكل متفق أن الظاهر من نصوص الصفات لا يجوز أن يوصف الله تبارك وتعالى به، لماذا؟ لأنهم فهموا من الظاهر التشبيه. فهموا من الظاهر التشبيه، لذا يقول قائلهم: لو قبل بظاهر القرآن لكان الله تبارك وتعالى... (استكمال النص) ...بل صرح بعضهم فقال: إن الأخذ بظواهر القرآن أصل من أصول الكفر والتشبيه. الأخذ بظواهر القرآن أصل في ماذا؟ في الكفر والتشبيه. تعالى الله وتقدس عن قول هذا الأفاك قولا كبيرا وعظيما. سبحانه وتعالى، تعالى الله وتبارك وتعالى عن قوله علوا عظيما. فالحاصل لما كان هؤلاء لا يفهمون من الظاهر من ظواهر الكتاب والسنة في الصفات إلا الكفر والتشبيه، قالوا بأن الظاهر غير مراد. فمنهم من رده أصلا ورأسا كما هو حال الجهمية. الجهمية إذا قال لهم القائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ما استوى على العرش. إذا قال لهم: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، يقول: ليس لله وجه. إذا قيل لهم: بل يده مبسوطة، يقول: ليس لله يد. إلى غير ذلك ينفون الصفات أصلا ورأسا. وبعضهم كالأشاعرة يؤول، يقول: الظاهر غير مراد. الظاهر غير مراد، ثم بعد ذلك لهم في صرف هذا الظاهر طريقان. لهم في صرف هذا الظاهر طريقان: الطريقة الأولى يسمونها طريقة السلف، يسمونها طريقة السلف، وهي التفويض. ما معنى التفويض؟ معنى التفويض أنهم يقولون: الظاهر غير مراد، طيب ما معنى الآية؟ ما معنىها؟ يصفق، الله أعلم، لا نعلم معناها. وهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا تناقض، لأن معنى قولهم أن الظاهر غير مراد، أنهم فهموا معنى الظاهر. فقولهم: الله أعلم بالمعنى، يناقض قولهم: والظاهر غير مراد. لأن قولهم -كما سمعتم- الظاهر غير مراد، يدل على أن الظاهر عندهم له معنى مفهوم، له معنى مفهوم، ولكن يقولون: ماذا؟ غير مراد. فإذا قيل لهم: ما معنى إذن الآية؟ يقولون: الله أعلم. هذه طريقة للأشاعرة. وطريقة أخرى لهم: طريقة التأويل، وهي ما يسميها بعضهم طريقة المحققين من الأشاعرة التأويل. لذا قال صاحب جوهرة التوحيد من الأشاعرة: وكل قول أوهم التشبيه، فوض أو أول ورم تنزيها. يعني: انظر كل نص أوهم التشبيه -وعندهم كل نصوص الصفات توهم ماذا؟ التشبيه- إلا سبع صفات، ماذا تصنع؟ يقول: فوض، قل: الله أعلم بمعناه. أو ماذا؟ يعني: أول، أو فوض ورم تنزيها، أي: وقصد تنزيها الخالق جل وعلا عن النقائص والعيوب. وكلاهما باطل، لأن الله تبارك وتعالى أعلم بمراده جل وعلا، وخاطبنا بما نعقل ونفهم جل وعلا. ومن أصدق من الله قيلا؟ ومن أحسن من الله حديثا؟ هل أنزل القرآن من الله تبارك وتعالى لأجل الألغاز؟ لأجل التعمية على الناس؟ أو لأجل التبيان والظهور والتجلية؟ لا شك أو لا ريب: لأجل البيان، كما وصفه الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. فهو مبين وواضح وجل بحمد الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ثم تأولوا بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله. يعني: يأتي الأشعري، يقال له: ما معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾؟ هل نثبت لله الوجه؟ قل: لا، لا يجوز أن نقول بأن لله وجه، لماذا؟ لأنه يستلزم التشبيه. إذن ما معنى الآية عندكم؟ يقول: معناها ويبقى ذات ربك. ويبقى وجه ربك، أي: ويبقى ذات ربك ذو الجلال والإكرام. سبحان الله! ألا يستطيع الله جل وعلا، وكلامهم أفصحوا الكلام وأبينوا الكلام وأوضحوا الكلام، أن يقول هذا التعبير: ويبقى ذات ربك ذو الجلال والإكرام؟ هذا من هذا الباب. يأتي عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، يقول: لا نصف الله جل وعلا بأن له يدين، بل وصف الله تبارك وتعالى بأن له يدين هذا تشبيه وكفر، تخويفا وتشنيعا لمن أثبت الصفات كما أثبتها الله تبارك وتعالى نفسه. فيقول القائل خوفا: إذا ما معنى الآية؟ يقول: معناها بل يد بمعنى القوة والقدرة. اليد بمعنى القوة والقدرة، ليست هي يد حقيقية تليق بالله تبارك وتعالى. فهل معناه: بل يده مبسوطتان؟ بل قدرتاه مبسوطتان؟ بل قوتاه مبسوطتان؟ أي: ليس لله إلا قدرتان، ليس لله إلا يدان؟ هذا كلام باطل. فكلامهم باطل، وبطلانه واضح. وسأتي مزيد بيان بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس اللاحق. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.