الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 69، ألقاها
يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة في وجود السحر الحقيقي والتخيلي، ويبين اختلافهم مع المعتزلة في نفي السحر الحقيقي. يستدل على وجود السحر بأدلة من القرآن والسنة.
يناقش أنواع السحر وتأثيره، ويبين أن السحر حقيقي وله تأثير بإذن الله تعالى. يقسم العلماء السحر إلى قسمين: سحر حقيقي يتضمن استعانة بالشياطين، وسحر مجازي يتمثل في استخدام مواد كيميائية.
تعلم السحر واستعماله يعتبر كفرًا وردة عن الإسلام، ومن يعتقد أن السحر ينفع أو يضر بغير إذن الله فقد أشرك بالله. الساحر لا يستتاب ويضرب عنقه، ومن يأتي الساحر ويتبع أوامره الكفرية يستتاب فإن لم يتب ضربت عنقه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله: «ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله عز وجل». طيب، الذي عندهم مثل نسختنا هنا في سقط، يعني سقط يسير، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هكذا في النسخة الأخرى. طيب، ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر. وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وإن وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم، نهي عنه، فإن عاد عُزِّر. وإن قال: السحر ليس بحرام وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه. قوله رحمه الله تعالى: «ويشهدون» أي: ويعتقد أهل السنة والجماعة عقيدة جازمة أن في الدنيا سحرًا وسحرة. أن في الدنيا سحرًا وسحرة. والعلماء والأئمة، ضائفة منهم، يذكرون هذه المسألة في كتب الاعتقاد؛ لأن هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل الأهواء. فإن المعتزلة نفوا السحر الحقيقي الذي يؤثر تأثيرًا حقيقيًا بالأجساد والقلوب والإرادات. فقالوا: ما ثم إلا السحر الذي هو بمعنى سحر التخيل، سحر العيون. وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: بأن السحر على قسمين، السحر ينقسم إلى قسمين: إلى سحر حقيقي، إلى سحر حقيقي يؤثر في الأبدان، يؤثر في القلوب، يؤثر في الإرادات. وقد دلت عليه أدلة كثيرة. ومن هذه الأدلة قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:1-4]، النفاثات في العقد، المقصود بهم سحر السحرة، النفاثات الذين ينفثون في العقد. وأدلة ذلك كثيرة. ومنها ما جاء في صحيحين من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه كان ربما يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله. وهذا فيه دلالة على أن السحر يؤثر في الإرادات، إلا أن الله عز وجل عصمه من ذلك بأمر الوحي، وشفاه الله جل وعلا، أي: شفى نبيه صلى الله عليه وسلم. لكن الشاهد: أن السحر الحقيقي موجود، وأثره ظاهر، بل هو واقع محسوس، لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، باعتبار الواقع المحسوس. فكم من إنسان مسحور، مسلوب الإرادة، وتجده في بدنه نحيفًا، وتجده من حيث القلب: وساوس وخواطر وأشياء يراها، ويظن أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، إلى غير ذلك. هذا سحر حقيقي. وهذا النوع من السحر تنكره المعتزلة، ووافقهم غيرهم من الفقهاء في ذلك، فأخطأ -رحم الله الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر لهم-، والصواب كما سمعتم، الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة، وجماهير الفقهاء: من أن السحر على قسمين: سحر حقيقي له تأثير، وسحر تخيلي. السحر التخيلي: وافقت المعتزلة فيه أهل السنة. السحر التخيلي هو: أن يرى الإنسان الشيء، وحقيقة الشيء أنه لم يتغير، يسمى سحر العيون. كما جاء في قول الله عز وجل عن سحرة فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ سحر أعين الناس، فيخيل للناس أن الشيء شيئًا على خلاف واقع هو في الواقع الشيء على ما هو عليه. يعني: مثال ذلك كما يذكرون عن بعض السحرة: أنه ربما أمر ثلاجة الشاي وبعض الكأسات بأن تأتي كأنها دجاجة وأبناؤها، هذا من سحر إيش؟ التخيل، يخيل إليه يعني. ومن لطيف ما ذكر: ذكر أن بعض الناس كانوا مجتمعين، فأتاهم ساحر، فصور لهم أشياء، فكلهم أقروا بذلك الشيء الذي رأوه بأنهم فعل ما طلبوا منهم، يعني: طلبوا منهم أن يحول لهم بعض الأشياء إلى أشياء أخرى، الأعيان إلى أعيان أخرى. فماذا عمل الساحر؟ سحر أعينهم، فجعلوا يرون الأشياء على خلاف حقيقتها وواقعها. هذا يسمى السحر ماذا؟ سحر التخيل، يخيل إليه، يخيل إليهم، سحر الأعين. قلنا: من لطيف ذلك أن طائفة من الناس ذكر أنهم طلبوا من ساحر -أو حصل بينهم من ساحر- شيء من ذلك، فسحر أعينهم، فرأوا الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع والحس. وكان رجل منهم على نخلة، الساحر ما يدري به، ما يعلم به. فقال القوم: أصبت للساحر. فقال لهم الذي على النخلة: يقول لهم: «يا قوم، الأشياء على ما هي عليه، إنما سحر أعينكم». فنظر إليه الساحر، قالوا: وأنت أيضًا. قال: كيف تراها الآن؟ قال: أراها كما رأيتم. سحر أعينيه. الشاهد: في أول أمر لم يسحر عين ذاك الذي كان على ما ذع النخلة، سحر أعين الحاضرين، ثم لما علم به سحر عينيه. هذا السحر يسمى ماذا؟ هذا سحر التخيل أو سحر الأعين، واضح يا جماعة، الأشياء على ما هي عليه. ومن لطيف ما ذكر، من لطيف ما ذكر كذلك في هذا الباب: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر عن بعضهم الذي يفعل بعض الحركات، ولا سيما في المناسبات والاجتماعات، يعني: بعضهم ربما أتى بجمل ويجري أمام الناس كأنه يشق بطن الجمل، يعني: يدخل بين الجمل. شيخ الإسلام الرؤيتمية رحمه الله تعالى يقول: هذا كاذب، وإنما يسحر ماذا؟ أعين الناس. فماذا صنع؟ عمل رمادًا تحت ماذا؟ تحت الجمل، فالرجل كان يجري ويجري ماذا؟ من تحت الجمل، يدني إذا جاء من عند الجمل يخفض رأسه ويجري، والناس يرونه ماذا؟ أنه دخل من جوف الجمل. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى عمل الرماد، وقال: أنظر -يعني: فضحه أمام الناس-. هذا النوع الشاهد من السحر يسمى سحر التخييل. وهذا السحر تقول به المعتزلة، موافقة لأهل السنة والجماعة في هذا الأمر. أما النوع الأول فهو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم. هذا أمر، الأمر الثاني: أن السحر وإن كان حقيقيًا وله تأثير، إلا أن الساحر لا يسحر أحدًا إلا بإذن الله جل وعلا، فيكون هذا من جملة البلاء الذي يصاب به العبد بإذن الله جل وعلا. فالبلاء قد يصاب به الإنسان: إما بنقص بالأنفس، بالأموال، بالثمرات، بالأمراض، بالأوجاع، ومن جملة ذلك أن يبتل بالسحر، أن يبتل بالسحر، فكله بإذن الله جل وعلا، وكله بمشيئة الله جل وعلا. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلا بإذن الله جل وعلا. فالسحر الواقع إذا وقع بإنسان فهو بإذن الله جل وعلا، وإلا الساحر لا يملك النفع بذاته، ولا يملك الضر، الضر بذاته. هذا أمر. وأمر كذلك، أمر ثالث: أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون السحر إلى قسمين باعتبار السحر نفسه. باعتبار السحر نفسه ينقسم إلى قسمين: إلى سحر هو عبارة عن رقى وأوراد وعقد وقراءات واستعانات بالشياطين ونحوها، هذا نوع من السحر، وهو في الحقيقة هذا هو حقيقة السحر الذي جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السحر المذموم. والنوع الثاني من السحر: السحر بواسطة الدخاخين والعقاقير ونحو ذلك، وهي كذلك تؤثر على بدن الإنسان، وربما أثرت على عقله، وربما أدت إلى وفاته. هذا القسم منهم من يدخله في جملة السحر على سبيل المجاز، وإلا فالسحر إنما هو في القسم الأول. وإذا علم هذا، انتقلنا إلى كلام الشارح رحمه الله، إلى كلام الإمام الصابون رحمه الله تعالى؛ لينزل الأقسام منازيلها، أو لتنزل الأقسام منازيلها. قال رحمه الله تعالى: «ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة» سحرًا، أي: أن السحر موجود، وكذلك السحرة؛ لأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، والفاعل يصدر منهم الفعل. إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله، كما تقدم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: «ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر». وهذا هو الأصل في السحرة الذين يستخدمون السحر الحقيقي الذي هو عبارة عن نفث وعقد واستعانات بالشياطين، هم معلقون قلوبهم بأوليائهم من الشياطين، ويعتقدون فيهم النفع والضر. لذا تجد الساحر من هؤلاء لا يصير ساحرًا إلا بعد أن يتقرب إلى وليه من الشياطين بأنواع من الردة والكفر بالله جل وعلا، فيتقرب إليه بأنواع من العبادات: إما بأن يذبح لذلك الشيطان، وإما أن يسجد بين يديه، وقد يدوس المصحف، أو يلوث المصحف بحيض النساء، أو يرميه في الحمامات والنجاسات، وربما داسه، أو بال عليه، أو ما شابه ذلك من أنواع الردة والكفر، والعياذ بالله. ومثل هذا لا يشك مسلم عاقل بأنه كافر بالله جل وعلا، فضلًا عن أن يكون عنده شيء من العلم؛ لأن هذه ردة صريحة، ردة باعتبار أنه تقرب إلى غير الله جل وعلا بأنواع من القرب، وهذا شرك بالله جل وعلا. أو أنه استهان بشيء من دين الله جل وعلا، أو من شرع الله جل وعلا، أو أهان القرآن، أو ما شابه ذلك. وهذه ردة بذاتها، إلى جانب أن السحر نفسه -كما تقدم- الذي هو السحر الحقيقي الذي حقيقته الاستعانة بشياطين، بأمور يعتقدها الساحر في ذلك الشيطان أنها تنفع وتضر بذاته، أو بذاته، أي: ذلك الشيطان. هذه العقائد نفسها وبذاتها كفر وشرك بالله جل وعلا. لذا قال الله جل وعلا في كتاب الكريم: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فدل على أن تعلم السحر لا يكون إلا بكفر بالله جل وعلا. ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، إلى آخر الآيات. ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فدل على أنهم بكفرهم، فدل على أنهم بتعلمهم السحر كفروا بالله جل وعلا. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فالحاصل من هذا: أن السحر، ولا سيما السحر الحقيقي الذي هو استعانات بالشياطين، هذا كفر وردة، هذا كفر وردة. قال رحمه الله: «ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر»؛ لأنه اعتقد أن غير الله جل وعلا ينفع أو يضر استقلالًا. ومن اعتقد ذلك فقد كفر بالله وأشرك بالله جل وعلا معه غيره؛ لأن النفع والضر المطلق إنما هو من خصائص الله جل وعلا، ومن حقوق الله جل وعلا الذي لا يشركه فيها أحد، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا. الله جل وعلا عن المشركين: ﴿وَيَعْبُدَونُ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ما لا يضرهم ولا ينفعهم. فمن هو النافع الضار؟ إنه الله رب العالمين جل وعلا. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فالله جل وعلا وحده هو الذي يملك النفع والضر بذاته جل وعلا. وأما المخلوقات فإن الله جل وعلا يجعلهم أسبابًا لإيصال شيء من النفع، أو إيصال شيء من الضر. أما مالك الضر والنفع هو الله جل وعلا. فمن اعتقد في غير الله جل وعلا أنه ينفع أو يضر استقلالًا فقد أشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر، وهو من قبيل الشرك بربوبية الله جل وعلا. وسواء كان ذلك صادرًا من الساحر، أو كان صادرًا ممن أتى إلى الساحر لأجل أن يسحر به غيره. إن اعتقد أن الساحر ينفع أو يضر، إنسان أتى إلى الساحر فاعتقد أن الساحر ينفع أو يضر بذاته، هذا أشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر. وإن زعم أو ادعى الساحر ذلك، واعتقد ذلك أيضًا، كفر، الكفر الأكبر، والشرك الأكبر. قال: «ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر». «وإذا وصف ما يكفر به استتيب» بمعنى: لو جاءه إنسان يطلب منه علاجًا، فقال له: «اذبح كبشًا للولي الفلاني، أو للسيد الفلاني، أو افعل دوس المصحف، أو بول على المصحف، أو ما شابه ذلك» من الأشياء التي إذا فعلها الإنسان صار كافرًا مرتدًا بالله جل وعلا. فكما ذكر: «وإذا وصف ما يكفر به استتيب»، جاءه إنسان يطلب منه شيئًا، فقال له: افعل كذا وكذا؛ حتى أفعل ما أردته. هذا كما ذكر الإمام. الساحر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، وهي مسألة استتابة الساحر: هل يستتاب أم لا؟ على قولين بين الفقهاء رحمهم الله تعالى. منهم من يرى: بأن الساحر كغيره ممن أتى بالردة يستتاب. ومن أهل العلم من يرى: بأن الساحر لا توبة له. واستدل على ذلك بآثار جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ولا يعلم لهم مخالف. جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: أنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة، فقتل ثلاث سواحر، وليس يذكر أنهم استتيبوا، ولا ذكر أنهم يستتابون. كذلك ثبت عن جندب: أنه قتل ساحرًا. وثبت كذلك عن حفصة: أنها أمرت بقتل ساحرة، ساحرتها كانت مولاة لها. وهذه الآثار اشتهرت وشاعت وذاعت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعلم لهم فيها مخالف. فالحاصل: أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: بأن الساحر لا يستتاب، تضرب عنقه. وهذا يكون لولي الأمر. بقي الأمر الثاني: إذا وصف للإنسان، إنسان أتى جاهلًا إلى ساحر، فقالوا: «افعل كذا وكذا». ففعل هذا الإنسان، يستتاب. الإنسان الذي أتى إلى الساحر هذا يستتاب؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لماذا؟ لأنه فعل ردة. إذا أتى إنسان إلى ساحر، فقالوا: «افعل كذا وكذا»، ساحر فلان قال: «نعم»، لكن بشرط أن تذبح شاة لفلان، أو أن تسجد بين يديه، أو أن تدوس المصحف، أو أن تبول على المصحف، أو ما شابه ذلك. إن فعل ذلك، ذلك الإنسان غير الساحر، هذا يستتاب؛ لأنه ارتد بفعله ذلك، يستتاب؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه مرتدًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في صحيح مسلم- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «من بدل دينه فاقتلوه». وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر منها: «التارك لدينه المفارق للجماعة». وبقيت أمور نؤجلها إلى درس لاحق، وانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.