الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 53، ألقاها
يناقش مفهوم الهداية وأقسامها الأربعة في الإسلام. يوضح أن الهداية تنقسم إلى هداية عامة، هداية البيان والإرشاد، هداية التوفيق والإلهام، والهداية إلى الجنة أو النار.
يشرح أنواع الهداية الإلهية ويمييز بين هداية الإرشاد والبيان وهداية التوفيق والإلهام. يبين أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه ويضل من يشاء، مع تقديم أمثلة من القرآن والسيرة النبوية.
يشرح أن الله يهدي من يشاء بفضله ويرضى، ويضل من يشاء بحكمته وعدله. يبين أن مشيئة الله نافذة وتشمل كل ما يقع، وأن الإرادة تقسم إلى شرعية وكونية.
يشرح معنى قول الله تعالى "ولا معقب لحكمه" ويبين أن كل شيء يحدث بمشيئة الله. يشمل ذلك كفر الكافر وإيمان المؤمن، ويظهر أن الله يحب الإيمان ولا يحب الكفر.
بسم الله الرحمن الرحيم ثم أما بعد، ما زلنا في قول الإمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله: «ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه». يهدي من يشاء لدينه، الهداية هاهنا تجمع الهدايتين: هداية البيان والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. لأن الهدايات تنقسم إلى أربعة أقسام: الهداية العامة لجميع الخلق، برهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم، وإنسهم وجنهم، والأشجار والحيوانات، وكل ما خلقه الله جل وعلا، تدخلهم هذه الهداية العامة، الذي قال الله جل وعلا فيها: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فهذه هداية تسمى الهداية العامة لجميع الخلق، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ثم هذا ذلك الخلق أو كل ذلك الخلق إلى ما ينفعهم، وإلى دفع ما يضرهم، فهذا النوع من الهداية يسمى الهداية العامة. والنوع الثاني من الهداية هي هداية البيان والإرشاد، وهذه الهداية يشترك فيها أي بيان البيان والإرشاد، هداية إرشاد وبيان من الله جل وعلا لعباده، وهداية إرشاد وبيان من الأنبياء لأممهم، وهداية إرشاد وبيان من العلماء، ومن الصالحين، ومن دعاة الخير للناس، هذه تسمى هداية إرشاد وبيان، أي ترشد الإنسان إلى ما ينفعه في دنياه وآخرته، وإلى البعد عن ما يضرهم في دنياهم وآخرتهم. وهذه الهداية قد دلت عليها أدلة كثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومنها قول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي تبين وترشد وتوضح إلى صراط مستقيم، تدعو إلى صراط مستقيم. والهداية الثالثة: هداية إلهام وتوفيق، وهذه الهداية خاصة بالله رب العالمين جل وعلا، هداية إلهام وتوفيق، وهي هداية خاصة بالله رب العالمين جل وعلا، لا يشرك فيها ولا يشترك معه فيها لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا أحد، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أكرم خلق الله جل وعلا على الله جل وعلا، لا يملكها ولا يقدر عليها ولا يستطيعها؛ لأنها خاصة بالله رب العالمين جل وعلا، وملك لله رب العالمين جل وعلا. قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، يهدي من يشاء. فالهداية هاهنا هداية إلهام وتوفيق لطريق الخير والسير عليه، أن يبين الله جل وعلا لعبده طريق الخير، ويرشده إليه، ويوفقه إليه، هذه هداية توفيق وإلهام، وهي خاصة بالله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له، فلا تطلب إلا من الله، ولا يسأل أحد الهداية -أي هذه الهداية- إلا الله جل وعلا. والهداية الرابعة: الهداية إلى الجنة، أو الهداية إلى النار، ومنه قول الله جل وعلا -أي في الهداية إلى الجنة- قول الله جل وعلا عن أهل الجنة أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، هداية إلى أين؟ إلى الجنة. والهداية إلى النار كما قال الله جل وعلا عن أصحاب الجحيم -والعياذ بالله-: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، هذه هداية إلى النار، والعياذ بالله. فالهداية أربع: إما هداية عامة، وإما هداية إرشاد وبيان، وإما هداية توفيق وإلهام، وإما هداية إلى جنة أو إلى نار. فقال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى: «ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه»، ها هنا هداية -كما سمعتم- هداية إلهام وتوفيق، وقبلها تكون هداية الإرشاد والبيان، فالله جل وعلا هو الذي يبين ويوضح، ويلهم ويوفق من شاء إلى سلوك الطريق الذي أراده الله جل وعلا شرعا، فهذه هداية توفيق وإلهام. وقوله: «ويضل من يشاء عنه» أي عن هذا الصراط، فلا يهديهم هداية توفيق وإلهام، وإن كان قد بيّن لهم وأرشدهم إلى سبيل الخير والرشاد، ولكن التوفيق والإلهام من الله رب العالمين جل وعلا. وخذ مثالا على ذلك -والأمثلة كثيرة- قال الله جل وعلا عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ أي واضحة جلية، فدل هذا على أن هداية الإرشاد والبيان قد حصلت، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ما وفقوا للأخذ بما جاءهم من الله جل وعلا، وبطاعة الله جل وعلا، ما وفقهم، ما هداهم الله هداية التوفيق، فقالوا ما قالوا، وهذا من الخذلان، لأن حقيقة التوفيق -كما قال علامة ابن القيم رحمه الله-: التوفيق هو أن يهدي الله جل وعلا، وأن يسر الله جل وعلا العبد إلى طريق الخير، فيكون العبد بالله ولله جل وعلا. والخذلان هو ضد التوفيق، وهو أن يمنع الله جل وعلا توفيقه عن العبد، وأن يكيله إلى نفسه، أن يمنع الله جل وعلا توفيقه عن العبد، وأن يكيله إلى نفسه، هذا خذلان. قال الله جل وعلا -كما سمعتم-: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، هذا مثال من الأمثلة من أن الله جل وعلا إذا منع العبد الهداية وكله إلى نفسه، فخذل -والعياذ بالله-. وخذ مثالا آخر: عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أبو طالب، ممن عرف صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتيقن ذلك، وتيقن بأن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق، هذا هداية بيان وإرشاد حصل هذا المعنى، تيقن: «ولقد علمت أن دين محمد خير دين البرية دينا لو لا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني بعد ذلك سمحا أمينا» إلى آخر الأبيات التي ذكرها أبو طالب في ثنائه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به هو الحق، فالحجة قائمة عليه، البيان والإرشاد، لكن ما هدي، ما أراد الله جل وعلا هدايته. فلما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الرواية- من حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، وكان عنده أبو جهل عبد الله بن أمية، فقال له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فأثاروا في نفسه الحمية للآباء، وتقليد الآباء، والإعراض عن الحق، فما زالوا به حتى قال: «بل هو على ملة عبد المطلب»، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حزينا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي لا تهدي هداية توفيق وإلهام من تشاء، من أحببت؛ لأن هذا النوع من الهداية حق وخاص بمن بالله رب العالمين جل وعلا. فهداية الإرشاد والبيان حصلت، لكن ما حصلت هداية التوفيق والإلهام الذي بها يكون النجاح بإذن الله رب العالمين جل وعلا. فالله جل وعلا يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بحكمته وعدله جل وعلا؛ لأن أفعال الله جل وعلا صادرة عن علم وحكمة وخبرة. الله جل وعلا ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ الله جل وعلا وهو العليم الحكيم. وهذه الأفعال دائرة بين الفضل والعدل، فمن هداه الله جل وعلا فهو فضل من الله وتوفيق من الله، ومن أضله الله جل وعلا فهو بعدله، ولا يظلم ربك أحدا جل وعلا، فليس لأحد حجة على الله جل وعلا، بل لله الحجة البالغة. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، فلو شاء لهداكم أجمعين. قال رحمه الله: «لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر لديه»، لماذا؟ لأن الحجة قائمة عليه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الطريق الموصل إلى الله جل وعلا، والتحذير من الطريق المفضي إلى سخط الله جل وعلا وغضبه وعقابه. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- من حديث أبي هريرة: «كل أمة يدخلون الجنة إلا من أبى»، قالوا: «يا رسول الله، ومن يأبى؟» قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». إذن بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد ووضح، ومع هذا من الناس من آمن واتبع وأطاع ففاز في الدنيا والآخرة، ومنهم من أعرض عن الذكر بعد إذ جاءه، فكانت حياته في الدنيا في ضنك، وفي الآخرة في خسران -والعياذ بالله- والحجة قائمة، والطريق واضح، ولكن الله جل وعلا علم من يستحق الهداية فهداه، ومن يستحق الغواية فوكله إلى نفسه. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فلو شاء لهداكم أجمعين. وهذا يدلنا على أن مشيئة الله جل وعلا نافذة، ومشيئة الله جل وعلا تكون في كل ما وقع، وهذا الذي يقع قد يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وقد لا يحبه الله جل وعلا ولا يرضاه، لكنه واقع بمشيئة الله، فإيمان المؤمن بمشيئة الله، وكفر الكافر بمشيئة الله جل وعلا، فلا يخرج أحد عن مشيئة الله جل وعلا نافذة. وأهل السنة والجماعة يقسمون الإرادة -كما دلت على ذلك النصوص الشرعية من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلى إرادتين: إرادة شرعية، هي بمعنى المحبة والرضاء، وإرادة كونية، هي بمعنى المشيئة. فالإرادة الشرعية هي: كل ما أراده الله جل وعلا مما يحبه ويرضاه، لكن قد يقع وقد لا يقع، فإيمان الإيمان يحبه الله جل وعلا، الطاعات يحبها الله جل وعلا، يريدها شرعا، الطاعات يريدها الله جل وعلا شرعا، يحبها ويرضاها، لكنها قد تقع وقد لا تقع من الناس، من يطيع الله جل وعلا، ومن الناس من يعصي الله جل وعلا. فالإرادة الشرعية هي ما يحبه الله ويرضاه، وقد تقع وقد لا تقع. وأما الإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة، فإنها تقع ولا محالة، وقد يحبها الله جل وعلا وقد لا يحبها؛ لأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أي ما شاء الله وقع وحصل ولا محالة، ما شاءه الله جل وعلا وقع وحصل ولا محالة، لا أحد معاقب لحكم الله جل وعلا، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه. هذا في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾، أي الكون إذا شاء الله جل وعلا شيئا كان ولا محالة، وهذا الشيء قد يحبه الله جل وعلا وقد لا يحبه، مثل كفر الكافر، هذا لا يحبه الله جل وعلا، ولكن وقع بمشيئة الله جل وعلا، إيمان المؤمن وقع كذلك بمشيئة الله جل وعلا، ويحبه الله جل وعلا. فهذا كما يقال: إشارات لهذه المسألة، ونكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.