شرح عقيدة السلف للصابوني 21

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 21، ألقاها

مقدمة في اعتقاد السلف في صفات الله تعالى

يتناول اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى، حيث يبين أن السلف الصالح يتعاملون مع صفات الله باعتبار ظاهرها معلومة ومحكمة وباطنها متشابهة. كما يستدل بالقرآن على ذلك ويشرح معنى التفويض في معرفة الكيفية.

حكم السؤال عن صفات الله تعالى وطريقة التعامل معه

يشرح حكم السؤال عن صفات الله تعالى بـ 'كيف' ويبين أنه بدعة، كما يوضح كيفية التعامل مع مثل هذه الأسئلة من قبل العلماء والأمراء. يُظهر أهمية اتباع نهج السلف في هذا الشأن.

طريقة السلف في إثبات صفات الله تعالى وتطبيقاتها

يشرح طريقة السلف في إثبات صفات الله تعالى دون تمثيل أو تعطيل، ويتجنبون التكيف في الإثبات. يُظهر أمثلة على ذلك من خلال مناظرة بين إسحاق بن راهويه وسائل عن نزول الله تعالى.

ختام الدرس والدعاء

يشير إلى انتهاء الحديث في موضوع معين والانتقال إلى ختام يتمثل في التسبيح والاستغفار. يتضمن الدعاء بالتنزيه لله تعالى والاعتراف بالذنب والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي كلام على ما ذكره الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله عن أبي بكر الإسماعيلي رحمه الله من اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفات الرب جل وعلا. وتقدم معنا أن السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم يتعاملون مع صفات الرب جل وعلا باعتبار ظاهرها بأنها من المحكم، وأنها معلومة؛ لأنها جاءت موافقة للغة العرب التي يتكلمون بها والتي يتخاطبون بها؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فهو باعتبار الظاهر -كما تقدم معنا- من المحكم، وباعتبار الباطن الذي هو بمعنى الكيف والكنه، فإن هذا مما لا يعلمه أحد إلا الله جل وعلا، لذا هو بهذا الاعتبار من المتشابه. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إجماع السلف على أن صفات الرب جل وعلا باعتبار ظاهرها أنها معلومة محكمة بإجماع السلف، ونقل الإجماع كذلك على أن صفات ربنا جل وعلا باعتبار الكيفية أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. والقرآن يدل على ذلك في قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، وما يعلم تأويله أي حقيقة الصفات وحقيقة ما استأثر الله تبارك وتعالى به في علمه إلا هو جل وعلا. وما يعلم تأويله إلا الله، وكما مر معنا أن جماهير القراء يقرؤون هذه الآية على الوقف: "وما يعلم تأويله إلا الله"، ثم استؤنفت القراءة: "والراسخون في العلم يقولون آمنا به". وقول الراسخين في العلم: "آمنا به" فيه معنى من معاني التفويض، تفويض معرفة الكيفية؛ فالكيفية لا يعلمها إلا الله، كيفية الصفة لا يعلمها إلا الله جل وعلا. والراسخون في العلم يقولون: "آمنا به"، كل من عند ربنا، وما كان كذلك فبابه الإيمان وعدم التعرض له بشيء من التأويل أو بشيء من التفكير أو بشيء من التحريف إلى غير ذلك، بل بابه التسليم لله رب العالمين جل وعلا. وعلى قراءة الواصل -وهي قراءة قرأ بها كذلك بعض السلف- أي: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، يكون العطف هاهنا -أي عطف الراسخين على "العلم" على علم الله تعالى بتأويله- يكون بمعنى معرفة الظاهر، يكون بمعنى معرفة الظاهر. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، أي: يعلمون ظاهره وما دلت عليه النصوص باعتبار ظاهرها. ومنه يعلم أن الآية باعتبار الوقف لها معنى وهو صحيح، وباعتبار الواصل لها معنى وهو كذلك صحيح، وكلاهما من عند الله تبارك وتعالى، على كلا المعنيين هو صحيح، ولا تنافي بينهما ولا تعارض. قال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى: "قال أخبرنا أبو بكر بن زكريا الشيباني، قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي". وعندي سؤال من صاحبه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: من هو؟ من يقول: أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؟ أحسن، ابن راهويه، ابن راهويه الإمام الشهير قرين الإمام أحمد رحمه الله. قال رحمه الله: "وإسحاق بن راهويه -كما سمعتم- إمام، سئل عنه الإمام أحمد، سئل الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه: ما قولك فيه؟ فقال: أنا أسأل عن إسحاق، إسحاق يسأل عن الناس، إسحاق يسأل عن الناس؛ أي: أنه هو الذي يسأل عن الناس: ما حال فلان؟ وما حال فلان؟ وأيضا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى عنه في رواية أخرى: إسحاق عندنا إمام، إسحاق عندنا إمام، فهو إمام رحمه الله تعالى من أئمة المسلمين فقهًا وحديثًا وسنة، رحمه الله ورضي الله عنه، وكان قرينًا للإمام أحمد رحمه الله. قال: "سمعنا إسحاق بن راهويه يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا﴾، كيف ينزل؟" يعني أنظر إلى هذا الأمير، أولًا كيف تأدب مع هذا الإمام بأن سأله هذا السؤال الذي أشكل عليه، لكنه سأله بسؤال لا يليق في حق الله تبارك وتعالى، فسأله بـ"كيف". وكما مر معنا أن السؤال عن الصفات بـ"كيف" ما حكمه؟ هيا جماعة، بدعة، السؤال عن صفات الله تبارك وتعالى بـ"كيف" بدعة، من نص على ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى حينما سئل عن كيفية استواء الرب جل وعلا على عرشه، فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة"، أو قال قبل ذلك: "والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". لكن إسحاق -لما كان السؤال من أمير- تلطف رحمه الله تعالى معه في الجواب، تلطف معه رحمه الله تعالى في الجواب. وهذا يدلنا على أنه لكل مقام مقال، أنه لكل مقام مقال، وأن سؤال الأمير لم يكن سؤال متعنت، ولكن كان سؤال متعلم، سؤال متعلم مستفيد. فقال له إسحاق رحمه الله: قال: "قلت: أعز الله الأمير". انظر إلى أدب إسحاق قبل الإجابة، وطأ لجوابه بهذه المقدمة بقوله: "أعز الله الأمير". قال: "لا يقال لأمر الرب كيف". انظر، "أعز الله الأمير"، جوابه تلطف؛ بحيث أن الأمير يستقبل ما يلقى عليه من جواب. ثم أجابه بقوله: "لا يقال لأمر الرب -أي: لا يقال في شأن الرب جل وعلا، وفي حق الرب جل وعلا لعظمته وجلاله جل وعلا- لا يقال لأمر الرب جل وعلا كيف، إنما ينزل بلا كيف". أجابه رحمه الله تعالى بجوابين: الجواب الأول أنه لا يقال في حق الرب جل وعلا "كيف"، "كيف"، "كيف" لا يعلمه إلا الله جل وعلا. ثم أجابه بجواب آخر، فقال له: "ينزل بلا كيف"، أي: أثبت الصفة كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، دون أن تتعرض لها بأن تقول: "كيف نزل؟" "كيف يقول نزوله؟" أثبت الصفة كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: "قال حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل، قال: حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي، قال: حدثني جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن محبوب، قال: حدثنا أحمد بن حمويه". وجاء في بعض النسخ: "ابن حيويه" -يعني بإبدال الميم ياء كما عند البيهقي في "السنن" وكما في "المحجة" لأصبهاني- قال: "حدثنا أبو عبد الرحمن العتكي، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سألت عبد الله بن المبارك". وعبد الله بن المبارك من كبار أئمة المسلمين رحمه الله تعالى، وصفهم الأئمة رحمهم الله تعالى بوصف لا يعلم لأحد أنه اتصف به بعد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فقيل فيه: "إن الصحابة لم يسبقوا عبد الله بن المبارك إلا بشرف الصحبة والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم". ومعنى هذا أنه شاركهم رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله في جميع أبواب الخير، جاء شارك الصحابة رضي الله عنه ورحمه الله في جميع أبواب الخير، فكان عالمًا، وكان يحج عامًا ويرابط عامًا آخر، وكان ينفق على أئمة الحديث، كان ممن ينفق على سفيان الثوري وعلى طائفة من الأئمة رحمهم الله تعالى، كان ينفق عليهم ويقول: "أتجروا؛ لأجل أن أنفق على هؤلاء" -أي: الأئمة رحمهم الله تعالى- إلى غير ذلك مما آتاه الله تبارك وتعالى من سعة العلم والحفظ وحسن الخلق إلى غير ذلك من الصفات التي جمعها الله تعالى فيه وتفرقت في غيره. قال: "سألته عن نزول ليلة النصف من شعبان". الظاهر: "عن نزول الرب". أيش عندكم في النسخة الأخرى؟ "عن نزول الرب" فقط، يعني هنا كما يقال: محذوف مقدر "عن نزول الرب تبارك وتعالى" أو "عن نزول الله تبارك وتعالى" ليلة النصف من شعبان. فقال عبد الله: "يا ضعيف، ليلة النصف ينزل؛ في كل ليلة ينزل". فقال له الرجل: "يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟" فقال عبد الله: "ينزل كيف شاء". وهذا جواب كجواب من؟ كجواب إسحاق بن راهويه سواء بسواء: "ينزل بلا كيف"، "ينزل كيف شاء"، الجواب هو الجواب. ومنه يعلم طريقة السلف رضي الله عنهم وأرضاهم في إثبات صفات الرب جل وعلا: من أنهم يثبتون لله تبارك وتعالى الصفة على الوجه اللائق بالله جل وعلا، إثباتًا من غير تمثيل وتنزيهًا من غير تعطيل، ويثبتون الصفة إثبات وجود لا إثبات تكيف، إثبات وجود لا إثبات تكيف. قال رحمه الله تعالى في رواية أخرى لهذه الحكاية: "أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له". إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له. ومعنى "فاخضع له": لا ينبغي بل ولا يجوز لك أن تقول: "كيف؟" "ولماذا؟" بل تقول: "آمنت وسلمت"؛ لأن هذا من مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله، هذا من مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم معناها تصديقه فيما أخبر وطاعة فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، تصديقه فيما أخبر ما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أعلم الخلق بربه جل وعلا- يصف ربه جل وعلا بأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل، فيقول: "هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟" حتى يصبح الصبح، هذا خبر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوجب علينا الإيمان والتسليم والإذعان لخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: "سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم". عند من هذا السؤال؟ واحد، اثنان، من هو إسحاق بن إبراهيم؟ يا أبا بكر، طيب، من هو؟ ابن راهويه، طيب. قال: "وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه- فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم". فقال له بعض قواد عبد الله: "يا أبا يعقوب، عند من هذا السؤال؟ عند معاذ؟ ولا عند عبد الرحمن؟ من هو أبو يعقوب؟ إسحاق بن راهويه، طيب". قال: "أتزعم أن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ قال: نعم". قال: "كيف ينزل؟" يعني أنظر السؤال الأول، "أتزعم؟" ولفظ الزعم -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- فيه معنى من معاني التشكيك في إثبات ذلك القول. قال: "نعم". قال: "كيف ينزل؟" فقال له إسحاق: "أثبتوا فوق حتى أصف لك النزول". يعني هذا الآن مناظرة، قال: "تزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم". قال الرجل: "كيف ينزل؟" فقال له إسحاق: "أولا قل -أو أثبت- أن الله في السماء حتى أصف لك كيف ينزل؟" واضح جماعة. فقال له الرجل: "أثبته؟ أو أثبته؟ أثبته، نعم". فقال له إسحاق: "أثبته فوق حتى أصف لك -أو حتى أصف لك النزول- فقال الرجل: أثبته فوق، أثبته فوق". فقال إسحاق: "قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾". فقال الأمير عبد الله: "يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة -يعني هذا الأمر يكون يوم القيامة- قال". فقال إسحاق: "أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة؟ من يمنعه اليوم؟" واضح يا جماعة، ما دام أن الله تبارك وتعالى يجيء، وأثبت أنه يجيء يوم القيامة، فمن يمنعه اليوم أن ينزل إلى السماء الدنيا؟ فكان جوابًا مفحمًا للسائل من هذا الإمام الجليل عليه رحمة الله. قال رحمه الله تعالى: "وخبر نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا خبر متفق على صحته، مخرج في الصحيحين من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن الأعرج وأبي سلمة، عن أبي هريرة". وسائل الكلام معنا على طرق هذا الحديث في الدرس اللاحق بإذن الله تبارك وتعالى. اكتفي بهذا القدر إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على