شرح عقيدة السلف للصابوني 68

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 68، ألقاها

الإيمان بالأجل والقدر ومفهوم مكر الشياطين

يؤمن أهل السنة بأن لكل مخلوق أجلًا محددًا، وأن الموت يأتي بإذن الله، ويردون على المعتزلة. كما يعتقدون أن الشياطين خلقوا لإغواء البشر.

عقيدة أهل السنة في الشياطين ووسوستهم

يعتقد أهل السنة بوجود الشياطين وأنهم مخلوقون من نار لابتلاء الناس، ويعملون على تزيين الباطل وإثارة الشبهات والشهوات.

تحذير الله من كيد الشيطان وسبل الحماية منه

يشرح تحذير الله من السبل الضالة التي يدعو إليها الشياطين، ويبين أن الإيمان الصادق والتوكل على الله يحميان من الشيطان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلًا، وأن نفسًا لن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا، وإذا انقضى الأجل، وإذا انقضى أجل المرأة فليس إلا الموت، وليس له منهم فوت. قال الله عز وجل: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، وقال: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا﴾. ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله. قال الله عز وجل: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، وقال: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. التعليق على هذه الفقرة: أن الأجال مضروبة، وأنها لن تموت نفسٌ حتى تستوفي أجلها وتستوفي رزقها، ولن يؤخر الله جل وعلا نفسًا إذا جاء أجلها. وأن الإنسان إذا مات بالقتل أو مات بغير ذلك فقد استوفى أجله، فقد استوفى ذلك الإنسان أجله، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: أن للإنسان أجلين، أجل يدركه بالموت، وأجل قد لا يدركه بسبب القتل، فيقتل ذلك الإنسان قبل أن يستوفي أجله. وهذا قولٌ باطل ترده الأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في الأدلة التي بين أيدينا: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا﴾، وكما في قول الله عز وجل: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، فهذا يدل على ماذا؟ على أن آجالهم إذا جاءت فإنهم لا يستأخرون عنها ساعة ولا يستقدمون. قال رحمه الله تعالى: ويعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين، ويقصدون استزلالهم، ويترصدون لهم. قال الله عز وجل: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، وأن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء. قال الله عز وجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا﴾، وقال: ﴿إنه ليس له سلطان إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾. قوله رحمه الله تعالى: ويعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين، قوله رحمه الله تعالى: ويعتقدون، أي: أهل السنة والجماعة، من عقيدتهم يعتقدون بوجود الشياطين، وأنها من مخلوقات الله جل وعلا. خلقهم الله جل وعلا يوسوسون للآدميين، أي: هذا من جملة ما يبتل الله جل وعلا من يكون من أهل التقوى، من أهل التوكل، من أهل الإخلاص، فينجيه الله جل وعلا بذلك، ومن يتبع وساوس الشيطان فيكون من أوليائهم. فقوله رحمه الله: «ويعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين» إلى آخره، ما ذكره هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافًا للعقلانيين الذين يقولون: لا نرى ولا يقال بأن هناك مخلوقًا أو مخلوقات يقال لها الشياطين؛ لماذا؟ لأنها ليست بمحسوسة. هكذا زعموا ليست بمحسوسة، وكذبوا الأدلة النقلية والأدلة الحسية المتضافرة المتكاثرة الدالة على وجودهم، وعلى أنهم من خلق الله جل وعلا. فالله جل وعلا أخبر عن إبليس، وهو أبو الشياطين، وكذلك أخبر الله جل وعلا في آيات كثيرة عن الشياطين، وعن أعمالهم السيئة التي يعملونها في مخلوقات الله جل وعلا، وبخاصة في بني الإنسان. وقوله رحمه الله تعالى: ويعتقدون أن الله سبحانه خلق، فيه: أن الشياطين من جملة خلق الله جل وعلا، فالله جل وعلا خالق للخير وخالق للشر، ومن جملة الشر خلق الله جل وعلا الشياطين. والشياطين كما يقول علماء اللغة: إما من «شطن» إذا بَعُد عن الحق، أو عن رحمة الله، وإما من «شاط» إذا احترق. وكلا المعنيين موجودين في الشياطين، وهم من خلق الله جل وعلا، خلقهم الله جل وعلا من نار، كما قال الله جل وعلا حكاية عن إبليس: ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة: «وخلق الله الجان من مارج من نار»، فهم من جملة من خلقهم الله جل وعلا من المخلوقات. وقوله: «يوسوسون» أي: من عمل الشيطان أنه يوسوس للإنسان بأن يحدثه حديث نفس، فيجعله يتحدث مع نفسه أشبه ما يكون بالمجنون. ومن وساوسه أن يزين له الباطل، وأن يبغض له الحق، وأن يملي قلبه بالشبهات والشهوات المبعدة عن طاعة الله جل وعلا، وعن صراط الله جل وعلا المستقيم. قال: «يوسوسون للآدميين» للآدميين نسبة إلى بني آدم، ويقصدون استزلالهم، أي: يريدون منهم أن ينحرفوا عن الطريق القويم وصراط المستقيم، ويترصدون لهم، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. من كتاب الله جل وعلا كما في قول الله جل وعلا: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مستقيمًا، وخط عن جنبتيه ذلك الصراط خطوطًا صغيرة، ثم قال: هذا صراط الله مستقيمًا، ثم أشار إلى الخطوط الصغيرة على جنبتي ذلك الخط، قال: وعلى كل خط من هذه الخطوط شيطان يدعو إليه، شيطان يدعو إليه أن يدعو إلى الانحراف عن سبيل الله جل وعلا، وعن صراط الله جل وعلا المستقيم، ثم قرأ نبينا صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وأن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به﴾. فالله جل وعلا بيَّن لنا السبيل الموصل إليه، وحذَّرنا من غيره من السبل، وحذَّرنا عن غيره من السبل التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن على كل سبيل شيطان يدعو إليه، يدعو الناس إلى الخروج عن ذلك الصراط المستقيم، فيكونون من أولياء الشياطين، إلا من عصمهم الله جل وعلا بسلوك الصراط المستقيم. قالوا: أن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء. وهذا دلنا على أن الشياطين إنما يفعلون ما يفعلون بمشيئة الله جل وعلا، فلا يخرجون عن مشيئة الله جل وعلا النافذة. وهذا فيه ردٌ على القدرية القائلين بأن مشيئة الله جل وعلا غير نافذة على العباد. فالله جل وعلا إذا شاء أن يسلط الشياطين على من يشاء سلطهم، وإن شاء ربنا تبارك وتعالى أن يعصم من يشاء من عباده منهم عصمهم ربنا تبارك وتعالى، فلم يستطيعوا التسلط عليه. فهم يدخلون تحت قول الله جل وعلا: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. قال الله عز وجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا﴾. وهذه إضافة من الله جل وعلا، إضافة إلى الله جل وعلا: «إن عبادي»، ففيه إضافة العباد أو طائفة من العباد إلى الله جل وعلا، وأن هذه الطائفة إضافة إلى الله جل وعلا إضافة حفظٍ وحماية وكلاءة من الله رب العالمين جل وعلا. «إن عباد ليس لك عليهم سلطان»، والمراد بعباد الله جل وعلا: عباد الله جل وعلا المخلصون الصادقون المتوكلون على الله جل وعلا حق توكله. فإن الله جل وعلا يعصمهم ويكفيهم، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فالله جل وعلا حسيبهم، والله جل وعلا كافيهم. «إن عباد ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا»، كفى بربك وكيلًا على من توكل عليه والتجأ إليه سبحانه وتعالى. وقال: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾، ففي الآية دلالة واضحة على أن من أعظم ما يعصم من الشيطان هو الإيمان الصادق بالله رب العالمين جل وعلا، والتوكل الصحيح على الله رب العالمين جل وعلا. قال: ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾، أي: الذين يتولون الشيطان ولا يتولون الرحمن جل وعلا. نكتفي بهذا القدر، إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على