شرح عقيدة السلف للصابوني 36

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 36، ألقاها

الإيمان بشفاعة الرسول

يؤمن أهل السنة والجماعة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد، وثبتت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد ذلك. الشفاعة يوم القيامة تكون بالتوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر.

تعريف الشفاعة وأنواعها

الشفاعة هي التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر، وثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشفاعات كثيرة متفق عليها أو محل نزاع. تؤكد الأحاديث النبوية الشريفة على شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته.

شفاعة النبي وإخراج الموحدين من النار

يشرح المقطع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وإخراج الموحدين من النار بعد تعذيبهم بذنوبهم برحمته وفضله. بينما يبقى أهل الكفر والشرك في النار أبدًا، يعتقد أهل السنة بخروج من دخل النار بشفاعة الشافعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلامي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وهذا حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن المسيب الأرغياني، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين». وهذا كذلك، هذا الحديث الشاهد منه ثابت، وهو قوله: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم». في قوله: «اخترت الشفاعة»، وهي لكل مسلم. جاء هذا الحديث عن عوف بن مالك وعن غيره، وهو كذلك حديث ثابت، والشاهد منه أن شفاعة للمذنبين من أهل التوحيد، كما سيأتي بيان ذلك بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عامر بن أبي عمر. وأخبرنا أبو الطاهر بن خزيمة، قال: أخبرني -أو قال: أخبرنا- جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عامر بن أبي عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه». وهذا الحديث متفق عليه، لكن جاء من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك من حديث جابر، جاء كذلك من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم وأرضاهم -يعني- في البخاري من حديث أبي هريرة، وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم جميعًا. قوله رحمه الله تعالى: «ويؤمن أهل الدين وسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». قوله: «ويؤمن» أي: من جملة ما يؤمن به أهل السنة والجماعة من الأمور الغيبية التي ستحصل يوم القيامة بإذن الله رب العالمين جل وعلا، يؤمنون بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر. والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرون الكلام على الشفاعة وعلى كثير من مسائل الاعتقاد، لما وقع فيها من النزاع والخلاف بين أهل السنة والجماعة -أهل الحق- وبين غيرهم من طوائف الضلال، فالشفاعة من حيث اللغة والمعنى اللغوي معناه: جعل الوتر شفعًا أي زوجًا. ومن حيث المعنى الشرعي: هو التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر. وسميت الشفاعة شفاعة لأن الشافع والمشفوع له كلاهما يطلبان من يرجون منهم الشفاعة، فلما اجتمع الطلبان سمي شفعًا، لأن المشفع -أو من طلب الشفاعة- يدعو، والشافع كذلك يدعو، كلاهما داع لأجل إما جلب نافع أو لأجل دفع ضر، فسميت الشفاعة شفاعة لأجل هذا المعنى. والشفاعة التي هي ثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعات كثيرة، يثبتها أهل السنة والجماعة لثبوتها بالأدلة الشرعية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفعها. ومن هذه الشفاعات ما هو متفق عليه بين جميع الأمة، ومنها ما هو محل نزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل الضلالة. فمما هو متفق عليه بين الأمة أجمع: شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أجمع، وهي الشفاعة الكبرى لأهل الموقف، هذه يثبتها الجميع ويقر بها الجميع. وهناك شفاعات حصل فيها كذلك معنى الاتفاق، وشفاعات حصل فيها نزاع. ومن أشهر الشفاعات التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم: الشفاعة لأهل النار، أو الشفاعة لمرتكبي الكبيرة من أهل التوحيد ممن أدخلهم الله جل وعلا النار، بأنهم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، كما دل على ذلك الأدلة الكثير من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة ويؤمنون بها للنصوص الثابتة في ذلك، وهي محل إجماع بين السلف الصالح بين صحابة وتابعيهم وتابعيهم، لم ينكرها إلا الخوارج الضلال، وتبعهم على ذلك المعتزلة وأفراخهم الزيدية. وأما أهل الحق فإنهم يثبتونها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالأدلة الكثيرة في ذلك، ومنها ما مر معنا بين أيدينا في هذا الكتاب: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وجاء كذلك في الصحيحة من حديث أنس، من حديث أبي سعيد، من حديث أبي هريرة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم جميعًا، الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بذلك. فجاء في حديث أنس، وكذلك في حديث أبي سعيد وأبي هريرة -والمعنى متقارب- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة يخر ساجدًا تحت العرش، فيفتح عليه من المحامد ما لم يكن يعلمها في الدنيا، فيقول له ربنا تبارك وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع»، فيقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيأذن له ربنا تبارك وتعالى بحد أن يخرجهم من النار، فيخرجهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بشفاعته وبإذن الله جل وعلا له. ثم يخر مرة ثانية تحت العرش، فيبقى ساجدًا ما شاء الله أن يبقى، ثم يقول له ربنا تبارك وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع»، فيقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيقول له ربنا تبارك وتعالى: فيأذن له ربنا تبارك وتعالى بأن يشفع على حد يحده له ربنا تبارك وتعالى، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بشفاعته ما أذن له فيه. ثم يخر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تحت العرش مرة ثالثة، ويدعو ربه جل وعلا، فيقول له ربنا جل وعلا: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع»، فيقول: «أمتي أمتي»، فيخرج كذلك بحد يحده الله جل وعلا له، ما أذن له ربه تبارك وتعالى بالشفاعة لهم. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ثم يؤذن للملائكة بالشفاعة، ويؤذن للمؤمنين بالشفاعة»، وذكر الحديث. وفي آخره أن الله جل وعلا يقول: «شفع الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون، بقيت رحمة أرحم الراحمين»، فيخرج الله جل وعلا برحمته وفضله من النار أناسًا صاروا فحمًا وحممًا، يخرجهم ربنا تبارك وتعالى، فيجعلهم في الجنة في نهر يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يحلون بالأساور في الجنة، ويقال لأولئك القوم: «هؤلاء الجهنميون، هؤلاء عتقاء الرحمن». أي: أن الله جل وعلا يخرجهم من النار بعد أن صاروا إلى ما صاروا إليه من هذا الوصف. وهذا دليل قاطع على صحة ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، من أن أناسًا من أهل التوحيد -لا بد من هذا القيد: من أهل التوحيد- ممن وقع في الكبائر وشاء الله جل وعلا أن يعذب بذنبه -ولا يظلم ربك أحدًا- أنه يعذب في النار تنقية وتصفية له وتهذيبًا له، ثم بعد ذلك يخرج من النار فيدخل الجنة. ولا تبقى في الجنة ولا يبقى في النار إلا أهلها، لا يبقى في النار إلا أهلها، وهم الكفار الذين ماتوا على الكفر والشرك بالله جل وعلا. وأما أهل التوحيد فإنهم إما يدخلون الجنة في الحال، وإما أن يدخلوا الجنة في المآل بعد أن يدخلوا النار بذنوبهم وبعدل الله جل وعلا، ثم مآلهم ومصيرهم إلى الجنة. ومن باب الفائدة -وهي لطيفة- جاء في صحيح مسلم من حديث جابر -أو من عن بعض التابعين- أنهم قالوا: نحج -يعني طائفة من الخوارج- أرادوا أن يخرجوا على الناس، فقالوا: نحج هذا العام وهذا الموسم، ثم بعد أن نقضي ما علينا من الحج نخرج على الناس. فشاء الله جل وعلا أن يدخلوا المدينة فيدخلوا المسجد النبوي، فإذا بهم بشيخ كبير يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خبر الجهنميين الذين يخرجهم الله جل وعلا برحمته وفضله. فسألوا من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا جابر بن عبد الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا والله. فرجع كلهم إلا اثنان أو ثلاثة خرجوا مع الخوارج. أشهد أن فكرة الخوارج على هذه القضية: أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، ومن دخل الجنة لا يخرج منها أبدًا. وهذا محل اتفاق: من دخل الجنة. محل اتفاق. لكن الخلاف في ماذا؟ في أن من دخل النار هل يخرج منها بشفاعة الشافعين أم لا؟ أهل السنة والجماعة يقولون بذلك، وغيرهم مخالف لهم في ذلك. وسأتي مزيد كلام بإذن الله جل وعلا في درس لاحق. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على