شرح عقيدة السلف للصابوني 52

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 52، ألقاها

أفعال العباد وخلق الله تعالى

يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وتنسب إلى العبد نسبة مباشرة. يُبين أن العبد فاعل حقيقة لفعله ويجازى عليه.

نسبة الأفعال إلى الله والعباد

تنسب أفعال العباد إليهم مباشرة وإلى الله تعالى باعتباره الخالق لها. أهل السنة يؤمنون بأن الله خالق أفعال العباد ولا تعارض بين النسبتين.

الهداية والغواية ومسؤولية الإنسان

الله بيّن طريق الهداية والغواية والإنسان يختار طريقه. لا حجة للإنسان على الله إذا اختار الغواية بعد البيان الواضح.

الحجة الإلهية على العباد

الله أقام الحجة على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان الطريق الصحيح. ليس للناس حجة على الله بعد البيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى، أي قول إمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله: «ومن قول أهل السنة والجماعة»، أي من اعتقادهم في أفعال العباد، أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون في ذلك، أي لا يشكون ولا يختلفون، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه. فمعتقد أهل السنة والجماعة، وهو اعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، والأئمة المتبعين، أن أفعال العباد مخلوقة لله رب العالمين جل وعلا. مخلوقة لله جل وعلا، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، وأفعال العباد تدخل في هذا العموم. وكما قال الله جل وعلا: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أي والذين تعملون، أو والله خلقكم وعملكم. وعلى كلا التقديرين فيه الدلالة على المقصود. فما تعملونه من العمل الناتج عن عملكم هو مخلوق لله جل وعلا؛ لأنه كان من عملكم، وعملكم مخلوق لله جل وعلا. وأنتم كذلك مخلوقون لله جل وعلا؛ لأن العبد مخلوق، وما صدر عن العبد من أفعال فهي مخلوقة كذلك لله رب العالمين جل وعلا. فدلت الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله جل وعلا، وهي كذلك أفعال للعباد؛ فهي مخلوقة لله جل وعلا، وهي أفعال تنسب إلى العبد. أفعالهم من خير أو من شر، فإذا فعل الخير قيل له بأنه فعل الخير، وإذا فعل الشر قيل له بأنه فعل الشر. ولا يفعل ذلك إلا بتقدير الله جل وعلا، إلا بخلق الله جل وعلا له ذلك الفعل. وهو يثاب على فعل الحسن، ويعاقب على فعله السيئ. فما صدر منه من عمل، من فعل، فإنه يجازى به، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ولا إشكال في هذا، أي كون العبد فاعلًا حقيقة لفعله، وبين كون ذلك الفعل صادرًا من العبد، لا يكون إلا بمشيئة الله جل وعلا وتقديره. لأن الفعل صادر من العبد ينسب إلى العبد نسبة مباشرة؛ فالعبد هو الذي يباشر فعل الخير أو فعل الشر، فهو فاعل حقيقة، وفعله ينسب إليه من خير أو من شر. إن صلى قيل: فلان صلى، وإن فعل المعصية قيل: فلان فعل المعصية. ففعله من خير أو من شر ينسب إليه، والنسبة نسبة مباشرة. والله جل وعلا ينسب إليه ذلك الفعل نسبة خلق وتقدير؛ لأن العبد لا يفعل إلا ما شاء الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فكما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: فينسب الفعل إلى العبد نسبة مباشرة؛ فهو المباشر للفعل من خير أو من شر. كما تقدم، إن رأينا إنسانًا يصلي قيل: فلان يصلي، أي أنه هو المباشر لهذا الفعل. إن رأينا إنسانًا فعل شيئًا من المعاصي، يقال: فلان فعل تلك المعصية. فينسب إليه الفعل، فعله ينسب إليه نسبة مباشرة، لا نسبة خلق وإيجاد. من الذي خلق له الفعل؟ من الذي أقدره على الفعل؟ هو الله جل وعلا؛ فهو بهذا الاعتبار من الله جل وعلا. فما يفعله العبد من أفعال هي مخلوقة لله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا هو الذي خلق له الإرادة والقدرة التي بها صار فاعلًا للخير أو للشر. فنسبة فعل الله جل وعلا لفعل العبد نسبة المسبب إلى سببه، ونسبة فعل العبد إلى الفعل نسبة مباشر لفعل ذلك الفعل. ولا تعارض بين النسبتين. فأهل السنة والجماعة يقولون بما قال الله جل وعلا، من أن الله جل وعلا خالق أفعال العباد، كما قال الله جل وعلا في الآية السابقة عن إبراهيم عليه السلام حينما حاج قومه: ﴿أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون﴾. سواء كانت «ما» في قوله: «وما تعملون» مصدرية، فيكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، أو كانت «ما» موصولة، بمعنى: والله خلقكم والذين تعملون. فعلى كلا التقديرين يحصل ويكون المقصود. قوله رحمه الله: «ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه ويضل من يشاء عن دينه»، أي أن الله جل وعلا إذا هدى من هدى، فهو بفضله وكرمه جل وعلا وإحسانه وإنعامه على ذلك العبد. وإن أضل من أضل عن الهدى، فذلك لحكمة علمها الله جل وعلا، بعدله جل وعلا أضله. فالله جل وعلا يعلم من يستحق الهداية من خلقه فيهديه، ويعلم من لا يستحقها فلا يهديه. ولله الحكمة البالغة جل وعلا، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ هو أعلم بخلقه جل وعلا، أعلم بخلقه: من منهم يستحق الهداية فيهديه، ومن منهم لا يستحق الهداية فلا يهديه. فلا حجة لأحد ممن أضله الله جل وعلا على الله جل وعلا بأن يقول: يا رب، أنت أضللتني، فلماذا تعاقبني؟ لا حجة لأحد؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾. فليس لأحد حجة على الله جل وعلا. ثانيًا، أن الله جل وعلا قد جعل للعبد إدراكًا وإرادة وعقلًا، بها يعقل ما ينفعه مما يضره، وبين طريقة الخير من طريق الشر. فمنهم من وفق إلى سلوك طريق الخير، فكان من المهتدين. ومنهم من سلك الطريق الآخر، فكان من الهالكين والعياذ بالله. فالعبد هو الذي اختار أحد الطريقين، كما قال الله جل وعلا: ﴿فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾. من الذي استحب العمى على الهدى؟ هم الذين اختاروا ذلك الطريق فسلكوه. ولو شاء الله جل وعلا لجعلهم من المهتدين، لكن علم الله جل وعلا أنهم لا يستحقون الهداية. قال الله جل وعلا: ﴿إن هديناه النجدين﴾، أي طريق الخير وطريق الشر. فالإنسان هو إما أن يسلك طريق الخير فيكون من أهله، وإما أن يسلك طريق الشر فيكون من أهله. هو السالك. وكل إنسان يعقل ويعلم شرعًا وعقلًا وحسًا هذه الأمور. كل إنسان إذا قيل له: هذا ماء بارد، وهذا ماء يغلي، فاشرب أحبهما إليك، ماذا سيشرب؟ سيشرب الماء الطيب. هكذا في أمر الهداية وغيرها، بيّن الله جل وعلا طريق الهداية، وهذه طريق موصلة إلى الله جل وعلا وإلى جنة الله جل وعلا وإلى رحمة الله جل وعلا، وهذه طريق مبعدة عن الله جل وعلا، موصلة إلى عذاب الله جل وعلا، إلى النار والعياذ بالله. فمن كان من أهل الهداية عمل بعمل أهل الهداية، فسلك طريقها فكان من أهلها بعد توفيق الله جل وعلا له. ومنهم من سلك الطريق الأخرى، فاستحبوا العمى على الهدى. فالإنسان هو المباشر للفعل، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. فلا حجة لأحد بعد هذا البيان بأن يقول: لماذا ما هداني الله جل وعلا؟ وكما قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ضرب مثلًا لطيفًا، ولله المثل الأعلى، في كون الله جل وعلا يعلم خلقه، ومن خلقه من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الغواية فلا يهديه. قال: يضرب مثالًا برجل عنده ولدان، وهو خبير بهذين الولدين، فيعطي هذا مالًا ويقول له: يا ولدي، ائتني بكذا وكذا. ويعطي الآخر نفس المال، ويقول له: يا ولدي، ائتني بكذا وكذا، بنفس ما أرسل به أخاه. انطلقا، بعد أن انطلقا، يقول الأب للأم: أما فلان فسيعمل ما أمرته به، وأما فلان فلن يعمل ما أمرته به، سيعصي، سيخالف الأمر. رجع فكان كما قال الأب. هل للمخالف العاصي حجة على الأب؟ يقول: يا أبي، ما دام قد علمت، فلماذا تعاقب المثال؟ أب عاقبهم بسبب المخالفة. هل يقول: يا أبي، ما دام أنك علمت وأني لم أفعل، فلماذا تعاقبني على شيء أنا لم أفعله؟ واضح يا إخوة أم لا؟ فالمثل الأعلى: الله جل وعلا علم أمر عباده، بأوامر ونهاهم عن نواه، وعلم أن طائفة من الناس سيكونون من أهل الاستجابة والطاعة، فهداهم الله جل وعلا، فوفقوا لفعل ما أمرهم الله جل وعلا به، فاستحقوا الثواب من الله رب العالمين جل وعلا، فضلًا وإحسانًا. وعلم أن طائفة آخرين لم يمتثلوا ما أمرهم الله جل وعلا به، فكانوا كذلك، فاستحقوا العقاب من الله جل وعلا بتركهم ما أمرهم الله جل وعلا به. فهل للطائفة الأخرى حجة على الله جل وعلا؟ الجواب: ليس لهم حجة على الله، بل الحجة قائمة عليهم؛ بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان النجدين، وبيان طريق الخير من طريق الشر. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على