الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 97، ألقاها
يناقش تقسيم الاستطاعة إلى قسمين، الأول يتعلق بالتوفيق والثاني بالصحة والوسع قبل الفعل. الاستطاعة التي هي مناط التكليف تكون قبل الفعل وهي من فعل العبد.
يناقش مفهوم الاستطاعة في الإسلام مستشهدا بالآيات والأحاديث، ويوضح الفرق بين الاستطاعة كقدرة حقيقية وتوفر الأسباب. ينتقد رأي القدرية في هذا السياق.
يتناول آراء الجبرية والقدرية في أفعال العباد، ويبين أن أهل السنة يثبتون أن الأفعال مخلوقة لله وكسب للعباد. يُظهر أن كلا الطرفين أخطأ في فهم الحق.
يفسر معنى الباء في آية قرآنية بأنها باء السبب، ويشير إلى أن الله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات. كل شيء يرجع إلى فضل الله ورحمته.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، تكون مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب. وهو كما قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة. وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين، كما ذكره الشيخ رحمه الله، وهو قول عامة أهل السنة. قوله: والاستطاعة التي يجب بها الفعل، أي التي يقع بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، تكون مع الفعل؛ لأن هذه الاستطاعة إنما تكون من الله رب العالمين جل وعلا، وهي التوفيق للعبد لفعل ما أمره الله جل وعلا بفعله. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، أي يتعلق الخطاب من الله جل وعلا، كما في قول الله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. هذه الاستطاعة هي مناط التكليف، فالاستطاعة التي هي مناط التكليف هي من فعل العبد. الاستطاعة التي هي مناط التكليف هي من فعل العبد، أي بها يكون العبد فاعلا أو قادرا على الفعل أو لا. قال رحمه الله: وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل، التي هي مناط التكليف. استطاعة عند القدرية والمعتزلة تكون قبل الفعل؛ لأنها هي مناط التكليف، أي بها يكون العبد قادرا على الفعل، مستطيعا على الفعل. وقابلهم طائفة من أهل السنة، فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل. وهذا في الحقيقة قول جبرية. وقال به كذلك الأشاعرة. والذي قاله عامة أهل السنة: أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه. والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل، لا يجب أن يوجد الفعل بقدرة معدومة. قال رحمه الله: وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال. وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فأوجب الحج على المستطيع. فلو لم يستطع إلا من حج، لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحد على ترك الحج. وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وكذلك قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة. ولو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق. وهذا معلوم الفساد. قال رحمه الله: وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾، والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات. وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾، وكذبهم في ذلك القول. ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين. وحيث كذبهم، دل على أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال. قال رحمه الله: وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾، والمراد استطاعة الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». إنما نفى استطاعة الفعل معها. وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾، والمراد نفي حقيقة القدرة، لا نفي الأسباب والآلات. قال رحمه الله: وكذا قول صاحب موسى: «إنك لن تستطيع معي صبرا»، وقوله: «قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا»، والمراد منه حقيقة قدرة الصبر، لا أسباب الصبر وآلاته. قال رحمه الله: وأما ما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون: إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية. قال رحمه الله: فلما كان أصل قول القدرية أن فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء، امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه. قال رحمه الله: وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل؛ لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك. وهذا باطل قطعا. قال رحمه الله: فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية موجودا عند الفعل. فنقيض قولهم حق، وهو أن الفعل لا بد أن يكون معه قدرة. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد. قال الشارح رحمه الله: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية. فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية. وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى. والحق سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه. فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلا. والقدرية نفوا القدر، جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى. قال رحمه الله: وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير. وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة. قال رحمه الله: فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن. قال رحمه الله: فمما استدلت به الجبرية قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، فنفى الله عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد. قال رحمه الله: وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضل فيه الجبرية والقدرية. فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. فالباء في قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد الجنة بعمله»، باء السببية، أي لن يدخل أحد الجنة جزاء عمله، بل بفضل الله ورحمته. والباء التي في قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، باء السبب، أي بسبب عملهم. والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.