شرح عقيدة السلف للصابوني 20

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 20، ألقاها

إثبات صفات الله تعالى الفعلية

يؤمن السلف الصالح بضرورة إثبات صفات الله الفعلية مثل المجيء والإتيان والنزول كما وردت في القرآن والسنة، دون الخوض في الكيفية أو تأويلها. يُثبتون هذه الصفات على الوجه اللائق بالله تعالى مستندين إلى النصوص الشرعية.

مذهب السلف في التعامل مع الأسماء والصفات

يتبنى السلف منهجًا يقوم على الإيمان بصفات الله وأسمائه كما جاءت في النصوص الشرعية دون سؤال عن الكيفية. يفرقون بين المحكم والمتشابه في هذه النصوص، حيث يكون ظاهر الصفات محكمًا وواضحًا بينما كيفية الصفات متشابهة لا يعلمها إلا الله.

تفاصيل اعتقاد السلف في صفات الله

يتميز اعتقاد السلف في صفات الله بالتفويض في الأمور المتشابهة وعدم الخوض في معرفة الكيفية. يعتمد الراسخون في العلم على هذا المنهج، مما يميز اعتقادهم في التعامل مع صفات الله تبارك وتعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في كتابه «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: قال: «وكذلك يثبتون ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾». قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك يثبتون» أي: وكذلك يثبت السلف الصالح أهل الحديث رضي الله عنهم ورحمهم الله ما أنزل الله عز وجل في كتابه من ذكر المجيء والإتيان، أي: يؤمنون ويثبتون صفة المجيء والإتيان لله رب العالمين تبارك وتعالى على الوجه اللائق بالله جل وعلا، ولا يتعرضون إلى الكيفية، بل يثبتون الصفة كما أثبتها ربنا تبارك وتعالى لنفسه، وكما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكما أثبتها كذلك الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان. فإثبات الصفة كما يقول علماء السنة رحمهم الله تعالى: إثبات وجود، لا إثبات كيفية، ومعنى إثبات وجود: أي أنهم يثبتون الصفة كما أثبتها ربنا تبارك وتعالى لنفسه، فيصفون الله تبارك وتعالى بما وصف به نفسه، لا يتعدون الكتاب والسنة، ولا يردون الكتاب والسنة، بل يثبتون ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه على الوجه اللائق بالله جل وعلا. كما نطق بذلك الكتاب الحكيم في قوله عز وجل: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾، وقوله جل ذكره: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ يدل دلالة واضحة على أن الإتيان في هذه الآية إتيان حقيقي لله تبارك وتعالى، لذا عطف إتيان الملائكة على إتيانه، وإتيان الملائكة حقيقي. وكذلك إتيان الرب جل جلاله، ومنه يرد على القائلين بأن المراد بالإتيان هو إتيان الملائكة أو إتيان أمره؛ لأن الله جل وعلا عطف الإتيان، أو عطف الملائكة على قوله جل وعلا: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، ثم وصف هذا الإتيان بأنه بماذا؟ «في ظلل من الغمام»، ومنه يعلم امتناع قول القائل بأن المراد بالإتيان ها هنا إتيان أمره؛ إذ أن إتيان الأمر لا يحتاج إلى هذا الوصف، أنه محفوف بإتيان الملائكة، ومحفوف كذلك بأن يأتيهم في ظلل من الغمام. والأمر الثاني: أن الله تبارك وتعالى قال: «والملائكة»، والواو حرف عطف، والملائكة فاعل لفعل محذوف تقديره: يأتيهم؛ لأن حرف العطف يؤتى به بنية تكرار العامل الذي عطف عليه، فالتقدير: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة. وقوله عز وجل: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ كذلك فيه إثبات صفة المجيء لله تبارك وتعالى، وصفة الإتيان، وصفة المجيء من الصفات الفعلية الثابتة لله تبارك وتعالى، التي يفعلها الله جل وعلا كيف شاء، فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الله تبارك وتعالى يفعلها كيف شاء متى شاء؛ لأن ضابط الصفات الفعلية أنها متعلقة بفعل الله تبارك وتعالى، وبمشيئة الله جل وعلا. وصفتا المجيء والإتيان من الصفات الفعلية الخبرية؛ هي فعلية لما تقدم، وخبرية؛ لأنها لا تدرك إلا بالخبر؛ لأنها لا تدرك إلا بالخبر. قال رحمه الله تعالى: «قرأت في رسالة الشيخ أبي بكر إسماعيل إلى أهل جيلان: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، وقال: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾، قال: ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف». فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه؛ إذ كنا قد أمرنا به في قوله عز وجل: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. قوله رحمه الله تعالى: «قرأت في رسالة الشيخ أبي بكر إسماعيل إلى أهل جيلان» هذا فيه دلالة واضحة إلى أن المتأخرة يأخذون من المتقدم، وهذا عادة جرى عليها العلماء رحمهم الله تعالى، ومن الأمانة العلمية أن يحال القول إلى قائله، أن يذكر قائل القول ابتداء، هذا من الأمانة العلمية. وهذا يدلنا على دين الإمام الصابوني رحمه الله تعالى؛ إذ نقل هذا النقل من أبي بكر إسماعيل وعزاه إليه. قال رحمه الله: «قرأت في رسالة الشيخ أبي بكر إسماعيل إلى أهل جيلان: أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم». وفي هذا دلالة واضحة على إثبات صفة النزول لله رب العالمين إلى سماء الدنيا، كما صح الخبر في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وصفة النزول إلى السماء الدنيا كذلك من الصفات الفعلية؛ لأن الله تبارك وتعالى يفعلها كيف شاء، وتعالى، وهي كذلك صفة فعلية خبرية؛ لأنها لا تدرك إلا بالخبر، وكيفية النزول لا يعلمه إلا الله جل وعلا. فنحن نعلم معنى النزول، نحن نعلم في لغة العرب معنى النزول، إذا قال قائل: نزل زيد، علم معناه، ما معنى النزول؟ لكن نزول زيد يليق بزيد؛ لأنه مخلوق، ونزول رب جل وعلا يليق بالرب جل وعلا، فنزوله صفة من صفات الفعلية. وهي كغيرها من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة على الوجه اللائق بالله جل وعلا، إثباتًا من غير تمثيل، وتنزيهًا من غير تعطيل، على الوجه اللائق بالله رب العالمين جل وعلا، انطلاقًا من قوله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. فيثبتون لله تبارك وتعالى صفة النزول على الوجه اللائق بالله جل وعلا، ولا يلزم من ذلك أن يخلو مكان، وأن يشغل مكان آخر؛ لأن هذا لا يقال في حق رب جل وعلا الذي ليس كمثله شيء. فنزول رب جل وعلا ليس كنزول المخلوق؛ لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ولأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿هل تعلم له سمية﴾؟ ولأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن الله تبارك وتعالى له صفات لائقة به، ليست مثل صفات المخلوق. فكما أننا نقول: بأن سمع الله تبارك وتعالى ليس مثل سمع المخلوق، وبصر الله تبارك وتعالى ليس مثل بصر المخلوق، وعلم الله تبارك وتعالى ليس كعلم المخلوق، كذلك نقول: ونزول الله تبارك وتعالى ليس كنزول المخلوق، وإتيان الله تبارك وتعالى ليس كإتيان المخلوق، ومجيء الله تبارك وتعالى ليس كمجيء المخلوق، وكذلك قل في جميع الصفات، انطلاقًا من قول الله تبارك وتعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. فصفة الإتيان من الصفات الثابتة لله رب العالمين تبارك وتعالى بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإجماع السلف الصالح على إثبات هذه الصفة لله تبارك وتعالى على الوجه اللائق بالله جل وعلا. قال رحمه الله: «وقد قال الله عز وجل: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، في هذا إشارة إلى إثبات صفة النزول بإثبات صفة المجيء، إثبات صفة النزول بإثبات صفة الإتيان وصفة المجيء؛ لأن قول الله جل وعلا: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ فيه دلالة على أن الله يأتيهم يوم القيامة للفصل في القضاء. ففيه إثبات صفة الإتيان لله رب العالمين جل وعلا، ومن يأتي لا يمتنع أن ينزل؛ من يستطيع الإتيان لا يمتنع أن ينزل. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف»، ونؤمن بذلك كله على ما جاء: أي على ما جاء به النص من القرآن، بلا كيف: أي نثبت الصفة كما أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، ولا نقول: كيف؟ لا نقول: كيف ينزل؟ كيف يأتي؟ كيف يجيء؟ ولكن نقول كما قال الله تبارك وتعالى: بأن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا، بأن الله يأتي، بأن الله يعلم، يسمع، يبصر، له وجه، له يدان، كما أخبر الله تبارك وتعالى بذلك عن نفسه، بلا كيف. لا نقول: كيف علم الله؟ كيف سمع الله؟ كيف بصر الله؟ كيف وجه الله؟ كيف نزول الله؟ كيف إتيان الله؟ كيف استوى؟ إلى غير ذلك. وكما مر معنا أثر مالك رحمه الله تعالى: «الاستواء معلوم»، وهكذا نقول في كل صفة: الصفة التي أخبرنا الله تبارك وتعالى بها معلومة، أو قل: غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة؛ لأنها من علم الغيب، والإيمان بها واجب؛ أي أن نثبتها كما أثبتها ربنا تبارك وتعالى لنفسه، والسؤال عنها بدعة. قال رحمه الله: «ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، لو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل»، أي: لو شاء الله تبارك وتعالى أن يبين لنا كيفية الصفة لبينها لنا بيانًا واضحًا، ولكن لما لم يبينها لنا علمنا أن هذا مما استأثر الله تبارك وتعالى به في علم الغيب، فلم يطلع عليه لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، فهو من علم الغيب المحض الذي لا يجوز لأحد أن يفتش عنه، ولا أن يسعى في كشفه؛ لأنه لا يستطيع، لا يستطيع الوصول إلى ذلك أبدًا. قال رحمه الله: «فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه»، وقول: «فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه» فيه دلالة واضحة على مذهب السلف في باب الأسماء والصفات. وأن باب الأسماء والصفات من المحكم باعتبار، ومن المتشابه باعتبار، صفات الله تبارك وتعالى وأسماء الله تبارك وتعالى هي من المحكم باعتبار، وهي من المتشابه باعتبار آخر. فهي من المحكم باعتبار المعنى الظاهر، باعتبار المعنى الظاهر الذي يعلمه كل عربي بلسان العرب، هذا المعنى من المحكم؛ فكل عربي يعلم معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وجاء ربك﴾، يعلم المجيء، ويعلم النزول، ويعلم الإتيان، ويعلم الاستواء، ويعلم السميع والبصير والعلم والوجه واليدين إلى غير ذلك. هذا من المحكم؛ لأنه يعلم ابتداء بظاهره؛ لأن هذا الظاهر هو المتبادر إلى الأذهان، مجرد أن يسمع الإنسان: «ينزل ربنا»، يعلم معنى النزول، «يجيء» يعلم معنى المجيء، «يأتي» يعلم معنى الإتيان، وهكذا، هذا محكم. ومتشابه باعتبار آخر، متشابه باعتبار معنى الكيف والكنه، فكيفية الصفات وكنه الصفات لا يعلمها إلا الله جل وعلا، فلا يجوز لأحد أن يفتش عن هذا الأمر؛ لأنه من علم الغيب، ومن المتشابه بهذا الاعتبار. فعلم من ذلك أن صفات الرب جل وعلا من المحكم باعتبار المعنى الظاهر، فهي محكم واضح جلي، لا يختلف فيها اثنان من أولي القلوب السليمة والفطر المستقيمة. ومتشابه باعتبار الكيف، كيفية الصفة، لذا قال الإمام أبو إسماعيل، الإمام أبو بكر إسماعيل رحمه الله: «فانتهينا إلى ما أحكمه»، ما هو الذي أحكمه؟ الظاهر من النصوص المعلومة لكل عربي بفطرته السليمة. قال: «وكففنا عن الذي يتشابه»، ما هو الذي يتشابه؟ الكيف والكنه، هذا من المتشابه، لا يجوز لنا أن نبحث أو أن نكشف عن المتشابه، لماذا؟ قال: «إذ كنا قد أمرنا به في قول الله عز وجل: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾». وبعد هذا التقسيم في آيات القرآن، قسم الله تبارك وتعالى الناس في الأخذ بالمحكم والمتشابه على قسمين، فقال: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾، من هؤلاء؟ أهل الزيغ يحاولون يبحثون عن ماذا؟ الكيفية، كيف استوى؟ كيف يجيء؟ كيف يأتي؟ ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾، لماذا؟ قال: «ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله»، وما يعلم تأويله إلا الله، على قراءة الوقف، وهي قراءة الجمهور، وهي قراءة الجمهور. وما يعلم تأويله إلا الله: أي حقيقته، وما تقضي إليه صفة. قال: «والراسخون في العلم يقولون آمنا به»، الراسخون في العلم في الكيفية، ماذا يقولون؟ «آمنا به»، لا يخوضون في معرفة الكيفية، بل يفوضون معرفة الكيفية والعلم بالكيفية إلى من؟ إلى الله رب العالمين جل وعلا. فهذا هو اعتقاد السلف في باب صفات الله تبارك وتعالى، فالمحكم منها ما ظهر، وهو ما يعبر عنه بعض العلماء: «المعنى الظاهر من المحكم»، والمعنى الباطن الذي بمعنى الكيفية، هذا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. نتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على