الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 67، ألقاها
يتم التمييز بين الإمام السلفي أبو عثمان الصابوني والإمام الأشعري المتصوف المتأخر الذي يحمل نفس الاسم، مع الإشارة إلى تخليطات الأخير في كتبه. يُوضح أيضًا اعتقاد الإمام السلفي في الأجل والموت.
يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن الآجال ثابتة ولا تتأثر بالأسباب الظاهرة، مع توضيح اختلافهم مع المعتزلة في هذا الشأن. يُبين أيضًا دور الأسباب الظاهرة في الموت.
يؤكد على أن الأجل والموت مقدر من الله تعالى، وأن الأسباب لا تأثير لها بذاتها بل بقضاء الله. يُبين أيضًا مخالفة القدرية لهذه العقيدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكرتم قبل أيام فرقًا بين الصابون المتقدم والمتأخر، أو هناك فرق بين الصابون المتقدم والمتأخر؟ فما هو الفرق؟ الفرق كالفرق بين السماء والأرض كما يقال. الصابوني أبو عثمان الصابوني الذي نحن نقرأ كتابه هذا الذي بين أيدينا، هذا من أئمة السنة، رحمه الله تعالى وغفر له. أما المتأخر فهو أشعري من حيث العقيدة، وإيضًا متصوف، وعنده تخليطات كثيرة. والعلماء رحمهم الله تعالى لهم ردود عليه، وعلى كتبه، ألاسيما كتابه «صفوة التفسير». كتابه «صفوة التفسير» رد عليه العلامة الفوزان، رحمه الله تعالى - حفظه الله تعالى - العلامة صالح الفوزان، وكذلك العلامة عبد العزيز بن باز، رحمه الله تعالى، أقر ذلك، وأيضًا أضاف بعض التنبيهات على ذلك الكتاب. الكتاب تخليط. وقد كان شيخنا، رحمه الله تعالى - العلامة مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى - يقول: من الكتب أو يقول من المؤلفين الذي لا يعتمد عليهم «أصابوني» علي بن محمد، الظهر علي بن محمد «أصابوني» المتأخر، صاحب كتاب «صفوة التفسير». فأشهد أن ذاك عنده تخليط، بعض المسائل في التفسير يأتي بكلام أهل وحدة الوجود، وكذلك في باب الصفات، عندهم أشعري متصوف، فأشهد أنه مخلط. أما هذا، هذا سلفي العقيدة، إمام، رحمه الله تعالى. ثم هذا، هذا معاصر، أي الصابوني المبتدع الأشعري، هذا معاصر. أما هذا توفي في عام أربعمائة وتسعة وأربعين، يعني بينهم تقريبًا أكثر من تسعمائة سنة. هذه من الفروق. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: «ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجل، وأن نفسًا لن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا. وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له منه فوت». قال عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَلًا﴾. وهذا كذلك مما يعتقد أهل السنة والجماعة، من أن الآجال مضروبة، أي أن الله جل وعلا قد جعل لكل نفس أجلًا متحتمًا، وهي لاقيه لا محالة. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون؛ لأنه جاء أمر الله جل وعلا، فلا أحد يفر منه، ولا أحد ينجو منه، ولا أحد يفلت منه؛ لأنه أمر الله جل وعلا الذي لا يخلف. وعد الله جل وعلا الذي لا يخلف. قال: «ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله». قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وهذا أيضًا مما يعتقده أهل السنة والجماعة، من أن الإنسان إذا مات فقد جاء أجله، وإذا قتل فقد جاء أجله. خلافًا للمعتزلة، المعتزلة يقولون: إذا قتل الإنسان فإن القاتل قطع أجله. المعتزلة قدرية، يقولون: بأن الإنسان إذا قتل، القاتل قطع أجل ذلك الإنسان، ولو لم يقتل أو ولو لم يقتل لما مات. وهذا بناء على معتقدهم في باب القضاء والقدر، وأن الأمر أنف أن الله جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. والحق الذي نطق به كتاب الله جل وعلا: أن أجل الإنسان إذا جاء فلا يؤخر. وقد يكون موتهم بأن يموت من غير سبب ظاهر، كأكثر الناس يأتيه الأجل وهو نائم، وهو يأكل، وهو يشرب، وهو يتكلم، وهو يمشي، يأتيه الأجل فيموت. ومن الناس من يكون لموته سببًا من الناس، من يكون لموته يكون لموته سبب، إما قتل، إما حرق، إما غرق، المهم يكون هناك سبب ظاهر، يكون هناك سببًا ظاهرا في موت ذلك الإنسان. هل معنى هذا أن ذلك السبب يقطع أجله كما تقول المعتزلة القدرية؟ الجواب: لا، ولكن سبب جعله الله جل وعلا به ينقضي أجل ذلك الإنسان الذي كتب الله جل وعلا عليه أنه يقضي أجلهم في ذلك الوقت، وعلى تلك الحالة. فالحاصل من هذا: أن مما يعتقده أهل السنة والجماعة أن الإنسان إذا مات أو قتل، فإنما ذلك بأجل أجله الله جل وعلا، جعله الله جل وعلا له، ولا يتخلف أحد عما كتبه الله جل وعلا له من الأجل. وكما جاء في الحديث: «إن رزق أحدكم يتبعه كما يتبعه أجله، سيأتيك أجلك ولا محالة». لذا قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. ما دام أراد الله شيئًا كان، ولا محالة إذا أراد الله جل وعلا شيئًا، وقضى بشيء، وكتب شيئًا، فإنه يكون ولا محالة، لا معقب لحكم الله جل وعلا، ولا راد لقضاء الله جل وعلا. لذا كما سمعتم هذا الأمر مما يذكر أهل السنة والجماعة، تنبيهًا وتنويهًا بعقيدتهم في هذا الباب، وكذلك تضمن بيان عقيدة من خالف أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهم القدرية، وهم القدرية كما سمعتم، الذين يقولون: بأن الإنسان إذا قتل فإن القاتل قطع أجله، لا أن أجله قد كان ولا محالة. ويتم بأشياء عقلية، ليس وراءها شيء. فيضربون مثلًا: لو أن إنسانًا مثلًا لو لم يقتلوا لعمر كذا وكذا. يقال: ما يدريك؟ وضح جماعة عملًا إذا لم يقتلوا لعمر لا ما مات في ذلك الوقت. يقال له: ما يدريك؟ بل كونه يموت من ذلك أو بذلك القتل يدل على أنه لا يتعدى ذلك الأجل. لذا كم من إنسان رمي بأشياء قاتلة، وضرب بأشياء قاتلة، لكن لم يكن أجل ذلك الإنسان قد حان فيعيش. وكم من إنسان ربما يضرب بأشياء ليست بقاتلة، ومع هذا يموت. وهذا معلوم معروف بالحس والواقع، خير شاهد. وكما سمعتم وعلى هذا كذلك يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. فهذه أسباب، والأسباب كما هو معلوم لا تؤثر بذاتها، لكن بقضاء الله جل وعلا وقدر. أسباب تؤثر إذا جعل الله جل وعلا فيها التأثير، وهيأ المحل لقبول ذلك التأثير، ونفى الموانع المانعة من ذلك التأثير. فالأمر كله لله جل وعلا، الأمر كله لله جل وعلا، وبيد الله جل وعلا. وكما سمعتم كم من إنسان ربما بضربة يسيرة يموت، وآخر ربما يضرب بالرصاص عشر الطلقات بل خمسة عشر طلقة ولا يموت، بل وأكثر من ذلك ولا يموت. هذا ممكن يا جماعة، ممكن، ممكن وواقع، وقد رؤي من حصل له هذا المعنى. فالحاصل بأن هذا الأمر إذا جاء أجل، إذا جاء الأجل فلا يؤخر، والموت له قد تكون أسبابه ظاهرة، وقد تكون أسبابه غير ظاهرة، وكل يموت بقضاء الله جل وعلا وقدره. أعلم، سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.