الدرس في شرح كتاب التوحيد 89، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل استجابة الملائكة لقضاء الله وتأثير كلامه عليهم، حيث يضربون بأجنحتهم خضوعا لكلام الله ويصعقون من شدة قوته. يبين أن هذا يدل على عظمة الله وجبروته.
يصف هذا الفصل حال الملائكة عند سماع كلام الله، حيث يفزعون ويصعقون ثم يزول عنهم الفزع ويخبر بعضهم بعضا بما سمعوا. يبين أن هذا يدل على عظمة الله وقوة كلامه.
يتناول هذا الفصل قدرة الشياطين على الطيران واستقبال الأخبار من السماء، واختلاف العلماء حول مدى قدرتهم على الوصول إلى السماء. كما يفسر كيفية تعاونهم في استراق السمع ونقل الأخبار.
يختتم هذا الفصل الدرس بالإشارة إلى استكمال الحديث في الدرس القادم، ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد. يعبر عن ختام الدرس بالتأكيد على أهمية الدعاء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فهذا إعلان عن محاضرة لهذه الليلة، والتي ستقام في مسجد عبد الرحيم، محاضرة تقام هذه الليلة في مسجد عبد الرحيم لإخواننا الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح أورد المؤلف رحمه الله تعالى، أو سويريد لنا رحمه الله تعالى، الأحاديث المتعلقة بهذا الباب الجديد، والذي مر معنا في درس أمس، حيث أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر وبوَّب بابًا فيه بيان لحال الملائكة أمام الله جل في علاه، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، وهو العلي الكبير. وكيف أن الملائكة يأتيها الفزع من كلام الله جل في علاه، والمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى صنف الملائكة بالذات؛ لأنها أولًا من أعظم وأقوى المخلوقات، وهي كذلك من أقرب المخلوقات منزلة عند الله جل في علاه، ومع ذلك هي لا تملك لنفسها نفعًا وضرًا أمام ربها جل في علاه. وهنا سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى الأحاديث أدال لكذلك على هذه مسألة، فقال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، أي في البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء». إذا قضى الله الأمر، وهنا المقصود بالقضاء القضاء الكوني والقضاء الشرعي، فالقضاء منهما هو قضاء شرعي؛ ما يتعلق بدينه وأحكامه وشرائعه، وما أنزله على أنبيائه وجعله في كتبه، ﴿قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، هذا قضاء شرعي، ومنه قضاء الكوني، وهما يقدره الله في الكون وفي ملكوته، ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فربنا عز وجل إذا قضى الله الأمر، ويكون قضاءه بكلام جل في علاه، يتكلم به سبحانه وتعالى بكلام يليق بجلاله وعظمته. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها»، وفيه بيان على أن الملائكة عالم حقيقي، وأن الملائكة لها أجسام وأبدان الله أعلم بكنهها، وفيه أن الملائكة لها أجنحة، أن لها أجنحة، وهم يتفاوتون في هذا الوصف، فمنهم من له أجنحة بالآحاد، ومنهم بالعشرات، ومنهم بالمئات، خلق لا يعلم به إلا الله جل في علاه. فهنا قال عليه الصلاة والسلام: «ضربت الملائكة بأجنحتها»، قال: «خضعانا لقوله»، خضعانا بضم الخاء وإسكان الضاد خضعان، وفي لفظة خضعان بفتحتين خضعان، وكلها بمعنى خاضعين، بمعنى الخضوع، أي أن الملائكة هذا وصفها إذا تكلم الله جل وعلا بقضائه وبما أراد أن يتكلم به، فإن الملائكة تخضع، تخضع بأجنحتها تعظيما لكلام باريها جل في علاه. قال: «ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا»، وفي لفظة خضعانا لقوله: «كأنه سلسلة على صفوان»، هذا في وصف كلام الله جل في علاه، فقوله عليه الصلاة والسلام: «كأنه سلسلة»، السلسلة معروفة الحديدية، على صفوان، والصفوان هو الحجر الأملس الصلب، أي صوت الرب عز وجل كأنه سلسلة على صفوان. وهذا الحديث إخواني في الله ليس المراد به أن كلام الله كهذا الصوت، لا، فليس المراد المثلية، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وإنما المراد هنا الشدة، أي أن كلامه سبحانه وتعالى شدة قوي جل في علاه، شبه نبينا كلام الرب عز وجل بشدته كالذي نسمعه إذا خركت السلسلة الحديدية على حجر أملس، صوت قوي مذعر مخيف، فهذا المراد، فليس المراد به المثلية حاشا، وإنما المراد به التشبيه بالشدة. وهذا كثير كما أخبر، مثلا أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بأن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، هل معنى ذلك أن هؤلاء يدخلون وجوهم تحوّل إلى أقمار؟ لا، ما تحوّل إلى أقمار، هي بشر، لكن المغصود بأنه ليس القصد المثلية، لكن القصد به الوصف بماذا؟ بالمشاهدة، أي أن وجوههم فيها من البهاء والضياء والنور والجمال والجلال كضوء القمر ليلة البدر، هؤلاء أول من يدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر؛ لأن وجوهم قمر لا، لكن تكون كالقمر في جماله وبهائه. وهكذا صوت الرب جل وعلا، فإن الملائكة تسمع لكلام الله شدة كأنه سلسلة على صفوان، ليس المراد التشبيه والتمثيل حاشا، وإنما المراد به الشدة. قال عليه الصلاة والسلام: «ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان»، «ينفذهم ذلك»، ينفذهم ذلك، أي أن هذا الصوت الذي تكلم به الرب جل وعلا من شدته أنه ينفذ فيهم، والنفوذ هو الوصول في الشيء، فإنه ينفذ هذا الكلام حتى يصل إلى قلوبهم. وعلى أثر هذا النفوذ تصاب الملائكة بالفزع، تصاب بالفزع، تصاب بالخوف، وفي رواية: «يصعقون»، سبحانك، يصعقون من شدة ما يجدونه من قوة كلام الرب سبحانه وتعالى، لا يتمالكون أمام كلام الباري إلا صعف، يصعقون، ومنهم من يعتريه الفزع والخوف إذا تكلم سبحانه وتعالى بما يريد أن يتكلم به. قال عليه الصلاة والسلام: «فينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم»، قد مضى معنا في درس أمس تفسير هذه الآية وهذه الكلمات، «حتى إذا فزع»، أي زال عنهم الفزع، فالفزع هو الخوف المفاجئ يصيبهم الذعر إذا تكلم الله، ثم بعد ذلك يزال عنهم الفزع وما أصابوا به. وهذا الشاهد من كلام المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده للآية السابقة، ولهذا الحديث الذي بين أيدينا في بيان حال الملائكة مع عظمتها وقوتها، فانظر يا عبد الله إلى حالها أمام ربها سبحانه وتعالى، فكيف بغيرها؟ فكيف بغيرها من المخلوقات ممن يعظم فلان وفلان من السادات والصالحين والأولياء والأصفياء، حتى جعلهم في مرتبة الرب عز وجل، يعبدهم من دون الله، ويلتجئ بهم بالذبح والنذر والدعاء والنداء والاستغاثة والاستعانة، استعانة إلى غير ذلك. فالله سبحانه وتعالى لا شريك له، وهو القادر جل فعلا، وهو الكبير المتعال، فإذا كان هذا حال الملائكة، اعلم يا عبد الله أن من دونهم أضعف وأخوف. قال عليه الصلاة والسلام: «حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير»، قد مضى معنى ذلك. قال: «فيسمعها مسترق السمع»، هذا الحديث يبين كذلك مسألة، أولا هذا الحديث أفادنا فائدة على أن هذه الآية إذا تتحدث عن الملائكة، نعم، أشرنا إلى الخلاف الوارد بين المفسرين، أن من المفسرين من يرى أن هذه الآية تتحدث عن أحوال الكافرين يوم القيامة، كما جنع إلى هذا جماعة من أهل العلم، لكن هذا الحديث يبين ويفسر يفسر الآية القرآنية، وأن المقصود بهنا بهذه المخلوقات ليس الكفار يوم القيامة، وإنما المقصود الملائكة إذا سمعت الوحي في السماء. فإذا تكلم الله عز وجل بالوحي، وسمعت الملائكة ما قال الله جل وعلا من أمره ونهيه وحكمه وشرعه، قال عليه الصلاة والسلام: «فيسمعها مسترق السمع»، ومسترق السمع وهكذا بعضه فوق بعض، انتقل نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أمر حول ما يتعلق بمسترقي السمع، وهم الشياطين، الشياطين خلق من خلق الله، إلا أن الشر فيهم أغلب وأكثر، وهم عالم موجود، خلقهم الله كما خلق الله الملائكة. وهؤلاء لهم قدرة أقدرهم الله عليها، فمن قدرة الشياطين التي أعطاهم الله ومكنهم الله بها الطيران، فهم يصلون إلى السمع، لا حاجة إلى آلات كالذي يحتاج إليه البشر، كما يدعي الناس الآن أنه بإمكان الصعود إلى الفضاء عبر مكوك فضائي، عبر صواريخ، عبر أقمار صناعية، عبر أشياء بها يصعد، لكن شياطين ما تحتاج إلى ذلك، يصعدون قدرة أقدرهم الله جل وعلا عليهم. فمن خبث بعض الشياطين أنهم يحرصون على أن يسترقوا السمع من السماء، ومن الذي تكلم به الرب عز وجل في قضائه في كونه، فهؤلاء يسترقوا السمع. جاء في رواية في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة تنزل إلى العنان، والعنان هو السحاب المرتفع، السحاب المرتفع، فتقوم الملائكة في هذا المكان في السحاب تذكروا الأمر الذي قضي في السماء. فهنا تسترق الشياطين هذا الكلام من الملائكة إذا تذاكروا، إذا تذاكروا. هذه الرواية تمسك بها جماعة من أهل العلم في بيان أن الشياطين أنها لا تصل إلى السماء، وإنما تصل إلى العنان، وهو السحاب المرتفع، هذا حدهم، تمسك بهذا الحديث. ومن أهل العلم من يرى أن الشياطين لا تصل إلى السماء، طبعا والكل متفق على أن الشياطين حدهم السماء الدنيا فقط، السماوات سبع، لكن حد الشياطين إلى السماء الدنيا. على من قال بهذا يقول: حدهم السماء الدنيا، ولا يصعدون ولا يمكنهم النفوذ؛ لأن الله جل وعلا جعل السماء سقفا محفوظا، فهي محفوظة بحفظ الله، فأقصى ما يصل إليه الشيطان على قول من قال من أهل العلم أنهم يصلون إلى السماء الدنيا. ومن قال بهذا تمسك بظاهر القرآن، تمسك بظاهر القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾. فالقرآن نص على أن الشياطين وصلت إلى السماء. والقول الثاني يقول: لا، أنها ما تصل إلى السماء، وإنما حدها أنها تصل إلى السحاب، وهو السحاب، وهو العنان المرتفع، فالأمر في هذا سأل لهذا يقول العلماء أن الشياطين تسمع الوحي من السحاب، وهو العنان المرتفع، وقد تصل أحيانا بجهود مضنية أم تصد إلى السماء، فتسترق ثم تنزل، كما سيأتي بيانه في هذا الحديث. فقال عليه الصلاة والسلام: «فيسمعها مسترق السمع»، «ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض»، أي أن هؤلاء الذي يسترقون السمع يقومون إن صح التعبير بمجهود جماعي، ليس فردي، فهم يتعاونون على الصعود، يتعاونون على الصعود إلى أن يصعدوا، ثم يتعاونون على إنزال الخبر الذي سمعوه من السحاب. فقال عليه الصلاة والسلام: «بعضه فوق بعض»، وصفها سفيان بن عيينة بكفه، سفيان بن عيينة راوي هذا الحديث أراد أن يبين لنا كيفية أن هؤلاء بعضهم فوق بعض، فماذا فعل سفيان؟ قال الراوي: وصفها سفيان بن عيينة بكفه، فحرفها وبدد، حرف كفه ثم بدد بين أصابعه، أي هكذا، طبعا هذا فهم من سفيان، هذا ليس من الحديث، هذا ليس من فعل رسول الله، وإنما سفيان بن عيينة لما سمع هذا الحديث، هو أحد الرواة، أراد أن يبين كيف أن الشياطين صعدوا إلى السماء، ثم إذا استرقوا السمع أن كل واحد مسترق السمع يعطي الخبر لمن دونه، ومن دونه لمن دونه، حتى ينزل بها إلى الأرض. وسيأتي معنا أين المنتهى؟ فالشاهد أن سفيان حرف كفه وبدد بين أصابعه، أي كل واحد فوق الآخر يصعدون، ثم ينزلون بخبر السماء. طبعا هناك تكمل لهذا الحديث، لكن يحتاج إلى وقت ونفس في شرحه، نكتفي إلى هذا الحديث، وإن شاء الله في درس غد نستكمل ما بقي في هذا الحديث وما يتعلق بسرق الخبر من مسترق السمع من خبر ملائكة الله. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.