شرح كتاب التوحيد 87

شرح كتاب التوحيد 87

الدرس في شرح كتاب التوحيد 87، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب إنذار الأقربين وتحذيرهم من النار

المقطع يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه آية "وأنذر عشيرتك الأقربين". يُشدد على أهمية البدء بالأقربين في الدعوة والخير.

عدم قدرة الأنبياء والأولياء على تقديم أو تأخير العذاب الإلهي

يشرح المقطع أن الأنبياء والصالحين لا يملكون تقديم أو تأخير العذاب الإلهي. يُؤكد أن العمل الصالح والإيمان هو السبيل للنجاة وليس القرابة أو النسب.

أهمية العمل الصالح يوم القيامة وتأكيد عدم نفع القرابة أو الشفاعة بدون إيمان

العمل الصالح هو ما ينفع الإنسان يوم القيامة، ولا يملك أحد أن ينفع غيره إلا بإذن الله. الشفاعة يوم القيامة هي من فضل الله وليست من حق النبي صلى الله عليه وسلم.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والبركة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، فقال: «يا معشر قريش -أو كلمةً نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتي، لا أغني عنك من الله شيئاً». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث وهو في صدد ذكر الأدلة الدالة على ضعف المعبودات التي عبدت من دون الله، ومر معنى الآيات والأحاديث في هذا الصدد، وكلها كما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أنه ما من شيء عبد واتخذ آلهة من دون الله من ملك مقرب أو نبي مرسل، ناهيك عن الأصنام والأنداد، إلا وهي عاجزة قاصرة لا تنفع ولا تضر لنفسها فضلاً عن غيرها. فقوله رحمه الله تعالى: وفيه، أي في البخاري ومسلم، فهذا الحديث من المتفق عليه. قال: وفيه عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. نزلت هذه الآية آمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم نذيراً للناس، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن قام قام بهذا المقام، وذلك دليل على شدة تحريه لطاعة ربه سبحانه وتعالى. وما ابتلى صلوات ربه وسلامه عليه بما يجده من أثر هذه النذارة من نكال وأذى ونصب وتعب من قبل قومه، فإنما امتطى قائماً للنذارة ائتماراً بأمر ربه. وأنذر، والنذارة كما قال العلماء هي الإعلام بأسباب المخافة، هذا هي النذارة الإعلام بأسباب المخافة، وضدها البشارة. ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ فيه بيان على أن النذارة أول ما ينبغي أن تكون لمن قرب منك أهلاً ونسباً ورحماً، فهؤلاء من أقرب الناس وأحراهم بالدعوة ولكل خير، وهذه قاعدة مضطردة: من أراد أن يظهر الخيرية في غيره فليبدأ بمن قرب منه، جار، دار، صاحب، قريب نسب، حتى أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله أريد أن أهدي، فمن أهدي؟ أي أريد عندي هدية أريد أن أعطيها فمن أهدي؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لأقربهم لك باباً»، انظري من هو أقرب لك باباً من الجيران، فهذا أولى بالقرب، فكلما قرب الإنسان منك فهذا أولى بخيرك، ومن خيريتك التي ينبغي أن تصل لغيرك ولمن قرب منك خيرية الدين، ما كان من صلاحك من فلاحك من صلاتك، احرصي -عبد الله- على أن توصلها لمن كان من أقرب الناس إليك، أهلك وأزواجك وأولادك وقرابتك ورحيمك. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، فقال -أي قام نبينا بالنذارة-: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم» هنا «اشتروا» بمعنى أنقذوا أنفسكم، أي مما سيكون عليكم من الوبال ومن النار، يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً. وكيف للإنسان أن يشتري نفسه بالإيمان وبالتوحيد؟ فإن هذا من أعظم ما تعتق به الرقاب من النيران، أنك تخلص العبادة لله وحده جل في علاه، فلا تعبد سواه ولا تلتفت لمن عداه جل في علاه. فإذا كنت -يا عبد الله- موحداً مخلصاً مقبلاً على ربك ظاهراً وباطناً، أبشر، أبشر -يا عبد الله- بعتق الرقاب من النار، وأن الله سبحانه وتعالى سيجعلك من أهل الجنان. هذا الذي أمره نبينا لأهله من كفار قريش: «اشتروا أنفسكم» وذلك بالإيمان والتوحيد والإخلاص، «لا أغني عنكم من الله شيئاً» ولو كنت منكم وفيكم، فإني لا أغني عنكم ولا أدفع عنكم شيئاً من عذاب الله جل في علاه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا أغني عنكم من الله شيئاً»، شيئاً نكرة، والقاعدة أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي لا أغني عنكم من الله أي شيء، لا أقدم ولا أؤخر، فالأمر كله لله سبحانه وتعالى. ثم قال: «يا عباس بن عبد المطلب» هنا أتى بالتخصيص بعد العموم، بعدما نادى بمعشر قريش خصص فذكر من عمومته «يا عباس لا أغني عنك من الله شيئاً»، «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئاً». وهذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى لكي يدلل على هذه الفائدة، وهي أن الأنبياء ومن كان دونهم من الأولياء والصالحين والأصفياء لا يقدمون ولا يؤخرون، فلا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم ضرا ولا نفعا. فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول لجماعته وعشيرته -لأن قالوا أنذر عشيرتك والعشيرة هم جماعة الرجل ومنهم من يحدها بالجد الرابع- هؤلاء كلهم عشيرة، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لن يقدم ولن يؤخر في نفع عشيرته، ليس هذا فحسبه، بل عمه كذلك لا يقدم ولا يؤخر، بل بنته من صلبه فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهي من أحب الناس إلى قلبه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لا يغني عنها من الله شيئاً إن استحقت العذاب والعقاب، فلا يستطيع نبينا ولا غيره. بل دلت الآيات والأحاديث على أن الأنبياء هم على هذا المنوال، فنوح عليه السلام ما استطاع أن يقدم أو يؤخر في نجاة ابنه، ولا إبراهيم استطاع أن يقدم أو يؤخر في هلاك أبيه، وهكذا لوط مع زوجته، فكل الأنبياء مع ما أعطاهم الله من السؤدد والسيادة في الرسالة والنبوة، لكنهم في هذا الباب لا يقدمون ولا يؤخرون في حكم الله جل في علاه. وهذا هو الشاهد على أن هؤلاء ما يملكون لغيرهم ضرًا ولا نفعا، فكيف بعد ذلك يأتي من يأتي من الخلوف في هذه الأزمان ويعتقدون في الأنبياء ويعتقدون في الأصفياء والأولياء، وأن منهم المدد ومنهم الولد، وأن أزمة الكون بأيديهم؟ والله ما أقول هذا استغفالًا ولا أقول هذا تهكماً ولا تطاولاً، هذا مسطر في كتبهم: فلان الكبريت الأحمر وهو من الأوتاد الأربع الذين بأيديهم زمام الكون، يقصرعون بهذا فلان وفلان وفلان، وكل طريقة وكل فرقة تختار من أوليائها من يجعلونه ندًا مع الله جل في علاه، يعلم الغيب، يهدي القلوب، علام الغيوب، يسمع، يسمع ويبصر ويعطي وإليه المصير، هذا يقال في أتباعهم وفي كبرائهم وأندادهم. وهذا نبينا صلوات ربي وسلام عليه صرح بها مدوية: «يا فاطمة سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئاً». وبهذا تعلم أن العمل الصالح والإيمان لا ينفع به القرابة، لا تظن -يا عبد الله- لو أن الله وفقك بأن تكون مثلا من آل البيت، هل هذا معنى أنك تترك الطاعة؟ تقول: يا كما نسمعه من بعض الناس: يكفيني جدي، وتعني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا معنى يكفيك؟ أي تفعل ما تشاء، لا طاعة، لا صلاة، لا صيام، لا قرآن، لا أذكار، لا عمل صالح، ثم تركت على النسب، لا. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، لا تظن أن النسب ينفعك في باب الإيمان والتقى، لا ينفعك عملك الذي أنت قمت به. ولهذا الإنسان إذا ولج في قبره، ما الذي سيأتيه؟ يأتيه عمله، لا تأتيه قرابته، ولا يأتيه أهله، ولا يأتيه نسبه، ولا تأتي عشيرته. يا إن كنت على عمل صالح، عملك يأتيك أمام ناظريك على صورة رجل أبيض على ثياب حسنة وجه حسن، تفوح منه الريح الطيبة، تقول: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بخير يقول: «أنا عملك، أنا عملك الصالح». والعكس بالعكس، من كان تاركاً للأعمال الصالحة، ولو كان من خيرة الأنساب، وكان من السيادة بمكان، ولو كان من آل البيت، ولكن ما عمل صالحاً، عملك الذي يحكم عليك. فلا تركن -عبد الله- بالأنساب، فإن الإيمان والتقى ما يشترى لا بمال ولا بنسب ولا بقرابة. وعندما أتى ذلكم الرجل قال: يا رسول الله أدعو الله لي، قال: تمنى، قال: يا رسول الله أسألك أو أسأل الله مرافقتك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أعني على نفسك بكثرة السجود»، اعمل، اعمل صالحاً تريد رفقتي، تريد المنزل العالي اعمل صالحاً، لا قال تتركنا إلى هذا الأمر. فالله الله -يا عبد الله- بالأعمال الصالحة، فلا تركنا على أحد، فالمخلوق لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا، ما ينفعك يوم القيامة إلا عملك الصالح، وهكذا الأنبياء هم كذلك لا يقدمون ولا يؤخرون. قد يقول قائل: أليس هناك الشفاعة؟ أليست هناك الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم سينتفع منه أناس؟ نقول: نعم الشفاعة نؤمن بها، وهي من عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن أناسا من الناس سينتفعون جداً بشفاعة عليه الصلاة والسلام، لكن السؤال: من أين أتى نبينا بالشفاعة؟ من ذات نفسه؟ الجواب: لا، وإنما هو فضل من الله محض، تفضل الله على نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. ولهذا إذا حانت الشفاعة وأذن الله بالشفاعة، كيف تكون شفاعة عليه الصلاة والسلام؟ هل يقدم؟ لا، وإنما يحجم حتى يأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجداً، ثم يدعو ويدعو ويسأل ربه ويتضرع حتى يقال له: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع»، إذا من أين جاءت الشفاعة؟ من الله جل في علاه، ليس من حق نبينا، وإنما هو فضل وعطاء أعطاه ربنا وخصه لنبينا عليه الصلاة والسلام. وبهذا تعلم -يا عبد الله- أنه ما هناك أحد يملك في ذاك اليوم ضرا ولا نفعا لغيره إلا أن يشاء الله جل في علاه. تنبيه أخير إخواني في الله، في هذا الحديث الذي في الصحيحين تلاعبت به بعض أياد الكذبة، بعض أياد الكذبة من عباد الله، إذ وجد من أهل الأهواء من أورد هذا الحديث في بعض كتبهم لكن مع تغيير على حد زعمه يسير، ماذا أضافوا؟ أضافوا مثلا في قوله عليه الصلاة والسلام: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً»، هذا في الصحيحين كما سمعتم، ماذا أضافوا؟ قال: «إلا أن تقولوا لا إله إلا الله»، هذه الكلمة تجدها عند كتب القوم، عند كتب القوم في رواية مكذوبة، ما قالها نبينا وما نطق بها يوما قط في هذا الحديث. الذي أتى بها لماذا أتى بها؟ أتى بها لما في نفسه من أن النبي يضر وينفع، فيكون على هذا المحمل الذي أضافه: «يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله»، بمعنى إذا قلتموها سأنفعكم، هذا المراد، نعم هذا الذي يريده القوم. والجواب: هذا اللفظة مكذوبة جاءت من جيوبهم، فترجع إليهم، وما يجوز التلاعب بأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل حذر نبينا من ذلك فقال: «ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». فالشاهد إخواني في الله، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث لكي يبين أن الأنبياء والصالحين لا يملكون لأنفسهم، بل لا يملكون لغيرهم كما صرح نبينا في هذا الحديث، شيئاً إلا أن الأمر كله دال على أن الأمر كله بيد الله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.