الدرس في شرح كتاب التوحيد 86، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل حديثًا نبويًا يتعلق بقنوت النوازل في صلاة الفجر ودعاء النبي على بعض الكفار، ويبين أن هذا الحديث دليل على جواز لعن الكفار وقنوت النوازل في الصلاة. يُوضح أن هذا ليس دليلاً على مشروعية قنوت الفجر بشكل دائم.
تناول هذا الفصل حكم لعن المعين، حيث اختلف العلماء في هذه المسألة بين من قبلها ومن توقف فيها. يُظهر أن الجمهور على عدم جواز لعن المعين، واستدلوا على ذلك بأن الأحاديث الدالة على جواز لعن المعين إما أنها منسوخة أو أنها من قضايا الأعيان التي لا يقاس عليها.
يشرح هذا الفصل أن الأنبياء لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا أو ضرًا، ويستدل بدعاء النبي على من آذوه ثم إسلامهم بعد ذلك. يُظهر أن هذا يدل على عدم علم النبي بالغيب وسعة رحمة الله تعالى، وأن علم الغيب هو من اختصاص الله تعالى وحده.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في ركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. قال: وفي رواية يدعو على صفوان ابن أمية وسهيل ابن عمرو والحارث ابن هشام، فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من بين الأدلة الدال على التبغيب السابق، والذي فيه بيان لضعف وعجز المعبودات التي عبدت من دون الله، فتوجه لها بأنواع الطاعات والاعتقادات. وقبل ذكر مناسبة الحديث للباب، نذكر ما يتعلق بأهم مسائله. ففي هذا الحديث، في قوله: وفيه، أي في صحيح البخاري، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وفي ذلك مشروعية قنوت النوازل، وهذا مما يشرع في الحوادث المدلهمة التي تطم وتعم في أرجاء بلاد أهل الإسلام. فليست كل حادثة يكون لها دعاء القنوت، بل الحوادث النازلة التي تعصف بالأمة، فحينها يشرع لعامة أهل الإسلام بأنهم في الركعة الأخيرة من كل صلاة أنهم يدعون الله جل وعلا برفع هذه النازلة. ولها أدلة كثيرة. وأيضًا من فوائد هذا الحديث أن لا يستدل بهذا الحديث ما يظنه بعض العامة أنه دليل على قنوت الفجر، لأن بعضًا قد يفرح بكلمة أن النبي قنت، وأن هذا القنوت وقع في صلاة الفجر. الحديث يتعلق باللعن هنا، دعا نبينا على فلان وفلان، قال: اللهم العن فلانًا وفلانًا، فهنا الحديث يتحدث عن قنوت النوازل لا عن قنوت الفجر. والصحيح من أقوال العلماء أن هذا لا يشرع قنوت الفجر، لا يشرع، وهذا ليس من هديه، وليس من سنته عليه الصلاة والسلام. وما يستدل به بعض الفقهاء من بعض الأحاديث فهي لا تصح. علينا أن نعلم أن هذا الحديث الذي بين أيدينا إنما يتحدث عن قنوت النوازل، وقنوت النوازل ليس خاصًا بالفجر، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بباقي الفروض. لكن ابن عمر هنا يحكي أن هذا القنوت منه وقع في صلاة الفجر، فلا يفهم أن قنوت النوازل يختص به في صلاة الفجر، لأن أدلة أخرى ثبتت أن النبي دعا في غيرها من الفروض. وفي هذا الحديث كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: اللهم العن فلانًا وفلانًا، فيه جواز لعن الكفار، جواز لعن الكفار. وهنا في قوله: وفي رواية أن يدعو على صفوان أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، هذه الرواية التي فيها التحديد للأسماء وبيان للمبهمات والمجملات التي جاءت في الرواية الأولى. هذه الرواية الزيادة للعلماء فيها نظر، للعلماء فيها نظر، فهذه الرواية جاءت من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه بن عمر أنه سمع رسول الله، لكن ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أن هذه الرواية مرسلة. وقد جاءت موصولة عند الإمام أحمد وعند الإمام الترمذي، لكن أوصلوها من طريق عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن رسول الله. فهي موصولة بهذا الإسناد: عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله عن ابن عبد الله بن عمر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعمر بن حمزة وهو الراوي لهذه اللفظة الزيادة متكلم فيه، كما أشار لهذا الحافظ رحمه الله تعالى في التقريب. ولهذا من أهل العلم من توقف في هذه الزيادة التي جاءت في أحد طرق الصحيح، والتي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى هنا بقوله: وفي رواية يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام. فالحاصل أن هذه الزيادة كما يقال هي تحت المجهر. من أهل العلم من يقبلها لعموم ورودها في صحيح البخاري، ومنهم من توقف فيها لأنها جاءت مرسلة، وهي ليست على شرطه رحمه الله تعالى. على صحة هذا اللفظ فيه بيان على جواز لعن المعين، على جواز لعن المعين، أنك تلعن فلان ابن فلان، ومسألة لعن المعين من المسائل الخلافية بين أهل العلم. والجمهور من أهل العلم على عدم جواز لعن المعين، جمهور العلماء على عدم جواز لعن المعين، ولو كان كافرًا، لو كان حيًا، فالكافر إن كان حيًا لا تلعنه، لا تلعنه، إذا كان كذلك، فما ظنك بالمسلم؟ إذن المسلم لا يلعن من باب أولى. إذا كانت تخريج المسألة على أن الكافر إن كان حيًا لا يلعن، فما ظنك بالمسلم؟ من باب أولى لا يلعن. والجمهور رحمهم الله تعالى في مسألة عدم لعن المعين قالوا: فما جاءت من الأحاديث ومن الأدلة الدال على جواز لعن المعين، نعم هناك بعض الأحاديث تمسك بها طائفة من الفقهاء استدلوا بها على جواز لعن المعين باسمه. فرد الجمهور عليهم أن هذه الأدلة التي تدل على ذلك فهي تحمل على معنيين اثنين: إما أنها منسوخة نسخت، كهذه القصة التي بين أيدينا، فنبينا لعن: اللهم العن فلانًا، اللهم العن فلانًا، وصرح بأسمائهم كما في الرواية، فنزل قول الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، أي أن كما مر معنا في الدرس السابق أن شأن الخلق ليس إليك، كف لا تنقطع، لا تيأس منهم، هذا ليس لك، فدايتهم، صلاحهم، هدايتهم، هذا لله. فأمره الله جل وعلا أن ينقطع ولا يدعو عليهم، فقال العلماء: فهذه الآية تنسخ كل النصوص الدال على لعن المعين. والمحمل الثاني: أن ما ثبت فيه أن النبي لعن معينًا، فهذه من قضايا الأعيان التي لا يقاس عليها. نعم، جاءت في بعض الأحاديث أن النبي قال: «ملعون من فعل هذا»، «ملعون من فعل هذا»، فكأنه أراد شخصًا بعينه، فقال العلماء: هذه قضايا أعيان، قضايا أعيان لا يقاس عليها. لذا فالصحيح والذي عليه جمهور العلماء على عدم جواز لعن المعين، فلا تأتي إلى أحد ولو فعل ما فعل ولو فعل ما فعل، فلا تلعنه باسمه، بشخصه، فهذا لا تلعن. لكن بالمقابل لك أن تلعن الوصف، وهذه مسألة لها تفاصيل، إذ أن اللعن ينقسم إلى قسمين: إلى لعن الوصف وإلى لعن الشخص. فلعن الشخص أي لعنه بعينه باسمه لا يجوز، وأما لعن الأوصاف فلك، كأن تقول: لعنة الله على الكاذبين، لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على الفاسدين، هذه أوصاف لك أن تلعنها. فشاهد أن هذا الحديث فيه أن النبي لما لعن فلانًا وفلانًا نزلت هذه الآية تأمرهم بأن لا يدعو عليهم. كذلك في هذا الحديث من المسائل، وهذا هو الشاهد: أن الأنبياء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عن إضرارهم ونفعهم لغيرهم. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم عندما لعن فلانًا وفلانًا، لماذا اختار هؤلاء باللعن؟ لماذا اختارهم؟ قال العلماء: لأن هؤلاء قد بلغ أذاهم المنتهى، قد بلغ أذاهم المنتهى، آذوا أصحاب رسول الله، بل آذوا نبينا وضيقوا عليه، فلعظيم أذيتهم أخذ نبينا ويلعنهم ويدعو عليهم. فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم كما يدعي أناس بأن النبي له من خصائص ومن صفات الرب، كان بإمكانه أن ينزل عليهم ما يكون من بلاء وانتقامه وغضبه، لكن ما فعل هذا، وإنما ماذا فعل نبينا؟ التجأ إلى ربه، فالتجأ إلى الله سبحانه وتعالى لأنه ما يملك لنفسه شيئًا، ما يستطيع، وإنما هو ضعيف، وقوي بربه، هو ضعيف بنفسه قوي بربه. فالتجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك في حق رسول الله، فكن أنت كذلك يا عبد الله، فإن أصابك الضرر أو أصابك الضر أو أصابك علة أو أصابك مرض أو ابتليت بهم أو غم، فافعل ما فعله نبيك، وماذا فعل؟ أن يلتجأ إلى الله، قل: يا الله، فلا تستغيث بغيره، لا تستغيث بغيره، ولا تستجير بمن عداه سبحانه وتعالى، فقل: يا الله. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده لهذا الحديث، وهذا من بديع فقهه رحمه الله تعالى، أنه عندما ذكر لنا ضعف المعبودات التي عبدت من دون الله من قبل الناس والأقوام، مثل بحال رسول الله، لأن النبي عند من الناس من يعظم رسول الله، ويرفع نبينا حتى أنه يصف له الطاعات والعبادات، ويعتقد فيه الضر والنفع. فأراد المؤلف من إيراده لهذا الحديث بأن النبي ها هو هو صلوات ربي وسلامه عليه يصاب بالضر والأذى، ومع ذلك يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان هذا حاله فينبغي اتباعه، فكل من كان مصابًا بضر أو أذى فعليه أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. وفائدة أخيرة أختم به هذا المقام، قال العلماء: أن هؤلاء الذين دعا عليهم نبينا: اللهم العن فلانًا وفلانًا، وجاء في رواية التصريح بأسمائهم أنهم أسلموا، أنهم أسلموا، من الله عليهم بالهداية، وبهذا فائدة عظيمة، منها الحكمة من عدم لعن المعين ولو كان كافرًا، لأنك عندما تلعن معنى أنك تطرد من رحمته: اللهم العن فلانًا، أي أن هذا فلان اطردهم من رحمتك. لا يا عبد الله، وربنا سبحانه وتعالى قد وسعت رحمته كل شيء، فهؤلاء الكفار مع عنادهم وعتوهم وما كان من عظيم أذيتهم لرسول الله ولصحبه الكرام، إلا أن الله من عليهم بالهداية والرحمة، فدل ذلك على عظيم سعة رحمة الله. ولهذا قطع الشرع عدم لعن المعين، فلا تطرد أحد من رحمة الله، فالله يعلم من الذي يستحق أن يرحم سبحانه وتعالى. كذلك في عدم لعن المعين فيه دعاء لإسلامه، تخيلوا أن إنسانًا شرع لنا أن نلعنه، فيسمع منا اللعن ليل نهار، صباح مساء، هل يتوب؟ لا والله، سيزيد في عتوه، سيزيد في عتوه وييأس. لكن لما ينقطع الناس عن لعنه، وحينها تتوجه الألسن لهدايته ودعاء الله له وسؤال الله بأن الله يمن عليه بالهداية، ستأتيه الهداية. وفي هذا فائدة أيضًا أن النبي لما لعن فلانًا وفلانًا، ثم هؤلاء أسلموا، دل على أن رسول الله لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب. فلو أنه كان يعلم بأن الهداية ستأتي ما لعنهم طرفة عين، لكن لعدم علمه وإنما حمل الأمر على الظاهر، فلعنهم واحدًا واحدًا، فلعدم علمه للغيب صار منه هذا الدعاء. وبهذا تعلم أن علم الغيب من علم الله الذي استأثر الله به، لا يعلم أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.