شرح رسالة فضل الإسلام 47

شرح رسالة فضل الإسلام 47

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من الافتراء والبدعة

يشرح خطورة الافتراء على الله والبدعة، ويبين أن المبتدع يضيف البدع إلى الدين. البدعة أشد من المعصية لأنها تنسب إلى الله ودينه.

التقول على الله بغير علم

يتناول خطورة التقول على الله بغير علم وكذب على الله ورسوله، ويحذر من إضلال الناس بهذا الفعل. الكذب على الله من أعظم الكبائر.

مسؤولية العلماء وولاة الأمور

يحذر من خطورة التعالم والتقول على الله بغير علم، ويبين مسؤولية ولاة الأمور في اختيار العلماء الأكفاء للمرجعية الدينية.

الابتداع في الدين وخطره

يُبين أن المبتدع أشد إثمًا من صاحب الكبيرة لأنه يضيف أفعاله إلى الله ودينه. الابتداع يعتبر افتراءً على الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته «فضل الإسلام»: قال تعالى ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية تحت ما مضى ذكره من الباب «باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر»، فأورد رحمه الله تعالى هذه الآية «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا»، فـ«من أظلم» هذا استفهام استنكاري، ما هناك أحد أظلم من هذا الصنف، ومن هو؟ هو الذي افترى على الله كذبًا، أضاف شيئًا إلى الله وهو لا يصح، وهو لا يثبت عن الله جل وعلا، بل هو محض كذب عن الله عز وجل، وكان القصد من هذا الكذب الذي تجرأ به هذا المتجرئ لغاية، وما هي غايته؟ قال سبحانه «ليضل الناس» أي بقصد الإضلال. وهذه الآية، أخواني في الله، تحتها مسائل، أولاها ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده لهذه الآية تحت هذا الباب، ووجه ذلك، أخواني في الله، أن المبتدع والذي يقترف البدع ويأتي بها عندما يأتي بها إنما هو في الحقيقة، وهذا هو الحال، وهذا هو الواقع، أنه يضيف البدع إلى الدين والشرع، بمعنى أنه أضافها إلى الله سبحانه وتعالى، إذ أنها من الدين، ومن هذا الذي يشرع في الدين إلا الله جل في علاه؟ وهذا من المبتدع محض افتراء على الله عز وجل، لأن الله ما أخبر بها، ولم يأمر بها سبحانه وتعالى. ولهذا العلماء رحمهم الله تعالى عندما يحرمون البدع يذكرون مثل هذه الآيات، إذ أن المبتدع قد افترى على الله كذبًا عندما يأتي ببدعته، ومقارنة بين المبتدع مع العاصي تجد أن العاصي إذا فعل المعصية فإنما هو يفعلها لنفسه، ويعترف بتقصيره وتفريط في جنب ربه، لكن هل يتجاسر أنه يضيف هذه المعصية لله ويقول بأن الله أمره بها؟ أمره بفعل فاحشة أو بفعل هذا الظلم والجريرة؟ لا، حاشا ما يتجاسر العاصي على ذلك، بخلاف المبتدع، فالمبتدع يفعل البدعة ثم ينسبها لله جل وعلا، ولدينه، ولشرعه. ولهذا الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه «الاعتصام» أورد هذه الآية تحت هذا الفصل، والذي كان بعنوان «الفرق بين البدعة والمعصية»، ثم أورد الآيات وذكر مباحث منها هذه الآية التي بين أيدينا، ففيها ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى في أن يبين أن البدعة أشد من الكبيرة من هذا الوجه، أن المبتدع إذا أتى بالبدعة ينسبها ويضيفها لله ولدينه ولشرعه، بخلاف العاصي فهو لا يتجاسر على ذلك. وأيضًا من فوائد هذه الآية، أخواني في الله، «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم»، فيه أن من أعظم الظلم الكذب على الله، من أعظم الظلم الكذب على الله سبحانه وتعالى، وهي من أعظم الفواحش والمحرمات، وعندما ذكر ربنا جل وعلا الفواحش بقوله ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ وعددها ربنا عز وجل في كتابه ختمها بقوله ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، هذا من أعظم الظلم، ومن أعظم الحرمات، أنك تتقول على الله بقول لم يقله رب العالمين سبحانه وتعالى. والتقول على الله جل وعلا هو صور كثيرة، صور كثيرة، من ذلك في مسألة التحليل والتحريم، بأن تقول بأن الله أحل هذا والله لم يحله في كتابه، أو أن الله حرم كذا، وهذه الآية جاءت في هذا الصدد عندما قام الكفار بتحريم أشياء على أنفسهم وعلى غيرهم، وهذا محض افتراء على الله، لأن الله ما حرم ذلك، فهذا من أعظم الكذب على الله في قضية التحليل والتحريم. أو كذلك في قضية التشريع، بأنك تقول بأن هذا هو حكم الله، كما يعبر عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى «بالشرع المبدل»، بأن تأتي بحكم ثم تقول هذا هو حكم الله، وهذا كذب على الله وأنت تعرف ذلك، هذا من أعظم الظلم، ومن التقول على الله، أو كذلك ما مضى معنا في قضية التأصيل، بأنك تؤصل عبادات ثم تضيف ذلك إلى الله، بأن هذا طاعة، وأن هذا قربة، وأن هذا يحبه الله، وأن هذا مما ينبغي بل يجب على الناس، وأنك إذا لم تفعل هذه البدعة فأنت عاصي، أنت لا تحب النبي، أنت مقصر في دينك، من أين هذه الأحكام؟ هل طلعتم عليها؟ أخبرونا بها؟ إنما محض افتراء وكذب على الله سبحانه وتعالى. وهكذا من التقول على الله جل وعلا بأنك تكذب على الله، تكذب على الله جملة وتفصيلًا، بأن الله قال كذا، وأن الله قال لي كذا، وألحق العلماء في هذا الباب كذلك الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، كمن يأتي بالأحاديث الموضوعة، لأن الكذب على رسول الله هو في الحقيقة كذب على الله، لأنه كذب على الوحي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، وهكذا صور عديدة ذكرها العلماء في مسألة التقول على الله، فإنها من أعظم الظلم، وهو أنك تفتري وتكذب على الله سبحانه وتعالى فيما لم يقله أو يحكم به أو يخبر به سبحانه وتعالى. أيضًا في هذه الآية، أخواني في الله، فيه أن الكذب حرام، وأنه من كبائر الذنوب، وأعظم الكذب، يا عبد الله، أنك تكذب على الله، وهناك الكذب على الناس، الكذب على الأصحاب، الكذب على الزملاء، الكذب على خلق الله جل وعلا، فالكذب كله حرام، لكن أعظم الكذب أنك تكذب على ربك سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية كذلك التحذير من إضلال الناس، فهذه الآية كانت في بيان صلف من الناس بلغوا أن الله جل وعلا سخط عليهم وغضب عليهم بأنهم اتصفوا بهذه الصفات، كذبوا على الله بهذا القصد، وهو إضلال الناس، من أجل إضلال الناس، فدل على أن هذه الغاية عظيمة، أنك تفعل أمرًا لتصل لهذا الأمر، وهو أنك تضل خلق الله، وهذا سيأتينا، أخواني في الله، في بيان على أن من فعل فعلًا، وهذا الفعل ليس فقط ينحصر في نفسه من الإثم والسيئة والمعصية، وإنما أمره ينجر إلى من بعدك، فهذا إثمه أعظم. والشيء بشيء يذكر، فإن الطاعة والعبادة إذا كانت متعدية أثرها متعد إلى غيرك، فإن أجرها أعظم وأفضل عند الله من العبادة القاصرة اللازمة التي لا تتعدى، والأمثلة في هذا الباب كثيرة، فمن هذه العبادات الجهاد في سبيل الله، الدعوة إلى الله، نشر العلم، البذل الصدقات، البذل المعروف للناس، التعاون على البر والتقوى، هذه العبادات أمرها عظيم لأنها تدور على هذا المحك، على نفع الغير. وكما قال عليه الصلاة والسلام «أحب العباد إلى الله أنفعهم»، «أنفعهم للغير»، ومثل نبينا بهذا الحديث حديث بن عمر الذي فيه قال «ولئن أمشي مع أخي في حاجته أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا»، هناك مقارنة بين عبادتين، عبادة لازمة الاعتكاف، تبقى لوحدك منعزل، أو أنك تخرج في خدمة أخ من إخوانك، قال «إن أمشي مع أخي في حاجته أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد»، لماذا؟ لأن العبادة المتعدية أفضل من العبادة اللازمة. وهكذا قل في هذا الباب الذي نحن بصدده، فإن المعصية إذا كانت لازمة قاصرة في صاحبها فهي أهون بكثير من أن تكون المعصية يكون فيها الدعوة للغير، لأن آثام الآخرين ستأتيك، أنت ستأتيك السيئة، هذا معنى سيأتي في أبواب قادمة بإذن الله. كذلك وفي هذه الآية، أخواني في الله، فيه التحذير أو فيه بيان على أن من أعظم ما يكون فيه سبب إضلال الناس هو القول على الله بغير علم، هذا من أعظم الطرق، ومن أعظم السبل، إذا أراد أحد أن يضل الناس وأراد أن يبحث عن طرق مؤدية إلى هذا الطريق وإلى هذا السبيل، فما هناك سبيل مثل هذا الطريق، وهو أنه يفتري على الله الكذب، إذ بهذا الطريق يستطيع أن يضل كثيرًا من خلق الله، لعموم الجهل الذي ابتلينا به. ولهذا أهل الكفر والشرك والزندقة وأهل الكتاب من اليهود والنصارى فهموا هذا، فلما أرادوا إبعاد الناس عن دين الله جل وعلا، ما الذي فعلوا؟ طرقوا هذا الباب، الكذب والافتراء على الله، فزرعوا بين أمتنا وفي أوساطنا الفرق الضالة المارقة التي تدعي الإسلام في ظاهرها وهي مشحونة بالكذب على الله، فكان من نتيجة هذه الفرق الضالة أنها قسمت الناس وأبعدت الناس وأضلت الناس عن الطريق، وهذا الذي نلاحظه في هذه الأزمان، ما هو سبب إضلال الناس؟ وما كان في تفرقهم في دينهم؟ من أين جاء هذا؟ من هذه الطريق، التقول على الله بغير علم. وهذا كذلك فيه فائدة أخرى من هذه الآية، فيه التحذير من علماء السوء، لأن هذا الذي يضل الناس عن طريق التقول على الله بغير علم، من هذا الذي يفعله؟ هذا يفعله علماء السوء، علماء السوء الذي يظهر للناس بزي عالم وأنه واجهة شرعية، وأن الأمور ترجع إليه، ثم بعد ذلك يتقول على الله بغير علم، فيكون في ذلك إضلال الناس، كما جاء في الحديث الصحيح «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بخط العلماء، حتى إذا لم يبق عالم أو يبقي عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، فمن أين جاء إضلال الناس؟ من هذا الطريق؟ التقول على الله بغير علم، وأين مكمن من علماء السوء؟ فحذر، يا عبد الله، لأن لماذا قلنا علماء السوء؟ لأن العالم الرباني ما يتجرأ أنه يتكلم على الله أو يفتري على الله، حاشا، لو كان كذلك لما كان عالمًا ربانيًا، لكن علماء السوء يتجاسرون على هذا، يحرمون الحلال، يحللون الحرام، يسوقون الشركيات والبدعيات إلى غير ذلك، ويفترون على الله الأكاذيب. كذلك من فوائد هذا المبحث، أخواني في الله، فيه أيضًا خطورة التعالم، فيه خطورة التعالم، وكما قيل «التعالم أول عتبات القول على الله بغير علم»، والتعالم، أخواني في الله، أن يظن الشخص في نفسه أنه أهل للفتيا والفتوى وهو ليس كذلك، يعني يرى أنه قد بلغ من العلم مبلغًا عظيمًا لدرجة أنه يرى أنه أهل أن يسأل فيفتي، هذا التعالم، فليس كل من دخل إلى مضمار العلم يفتي، العلم درجات، فهناك المبتدئ، وهناك طويل بالعلم، وهناك طالب علم، وهناك المجتهد في العلم، وهناك المجتهد الذي بلغ درجة الاجتهاد والإفتاء. لكن أنت، يا عبد الله، إن أعطاك الله علمًا فلا تتجرأ أنك تفتي، وإنما حسبك أنك تخبر بالذي تعلمه، قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع، بلغ إليك فتوى عالم انقلها لغيرك، بلغني عن الشيخ الفلاني انقلها، أما أنك تتجشم عناء الفتوى في مسائل عويصة، في مسائل الدماء والقتال والأعراض والأبضاع، وهذا مما بتولى به في هذه الأزمان، التعالم، كم من أناس تعطى لهم الساحات، تعطى لهم المنابر، يعطى لهم الإعلام والشاشات، ثم يتكلم وهو بالأمس كان مهندسًا أو كان كيميائيًا أو كان مدربًا رياضيًا أو كان مفسرًا للأحلام، كان بالأمس هذا، ثم بين يوم وليلة ينقلب إلى عالم، عالم أمة. يقول علامة بن القيم رحمه الله تعالى: «قال من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاصي»، آثم عاصي، قال «ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا»، لحيث هذا فقط آثم، هو الذي تجرأ على أن يتكلم فيما لا يحسنه، فأصبح يخبط في دين خبط عشواء، هو آثم، وأيضًا الذي مكنه، مكنه فجعله مصدر فتوى للناس يرجعون إليه، هو كذلك الوالي آثم. لهذا، أخواني، فهذه من المسؤوليات العظيمة على ولاة الأمور، أن هذه الأماكن أماكن مؤتمنة، وهي المرجعية الدينية، فلا يصلها إلا من كان قد حاز من العلم الخير الكثير، حتى شهد له الناس وشهد له العلماء بأن هذا عالم ممن ترجع إليه الأمور، فهذا، أخواني في الله، ممن يستفاد من هذه الآية، فيه خطورة التعالم، وأنها بداية لأن الذي يفتي بغير علم هو الآن ما افترى على الله كذبًا، لكن بدأ يتجرأ، لكن سيصل به المآل إذا استمر به الحال على هذا المنوال سيكذب على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام. فشهد، أخواني في الله، أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد من هذه الآية «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم» يبين أن ما عليه المبتدع وصاحب البدعة أشد مما عليه صاحب الكبيرة من هذه الحيثية، إذ أن المبتدع يضيف ما فعله لله وعلى دينه وملته، بخلاف العاصي، فإنه يفعل ذلك ويعترف بتقصيره وتفريطه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.