الدرس في شرح فتح المجيد 3، ألقاها
يتناول شرح موضوع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يبين أن الكتاب يركز على توحيد العبادة بالأدلة من الكتاب والسنة. كما يشير إلى أهمية معرفة نقيض التوحيد وهو الشرك لتعريف التوحيد معرفة تامة.
يتناول المقطع شرح الشيخ عبد الرحمن بن حسن لكتاب التوحيد من خلال تهذيب وتكميل شرح الشيخ سليمان بن عبد الله. كما يبرز أهمية البدء بالبسملة في الأعمال والأقوال، مع مناقشة أحاديث تتعلق بذلك.
يتناول المقطع شرح وتفسير البسملة، مبينا فوائدها العديدة مثل الثناء على الله، والافتقار إليه، وتحقيق العبودية له. كما يشرح رأي الشيخ في تفسير البسملة وعلاقتها بالفعل المتأخر.
يذكر أن من أسباب ذكر اسم الله تعالى هو التبرك والاهتمام به، ويختم بدعاء يثني على الله ويطلب منه المغفرة والتوبة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: قال: وأما كتابه المذكور، فموضوعه في بيان ما بعث الله به رسوله من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ما ينافيه كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه. الشيخ رحمه الله تعالى بهذه الكلمات اليسيرة لخص موضوع الكتاب. بكلمات يسيرة مختصرة، وهذا يدل على حسن أسلوبه رحمه الله تعالى وبيانه، إذ أنه قال: موضوع الكتاب في بيان ما بعث الله به رسله. بماذا بعث الله عز وجل الرسل من أولهم إلى آخرهم؟ قال: من توحيد العبادة. فالله عز وجل أرسل الرسل من أولهم إلى آخرهم بتوحيد العبادة. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة. وقال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فالرسل من أولهم إلى آخرهم داعون إلى هذا المعنى، إلى عبادة الله عز وجل وحده. قال رحمه الله تعالى: وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة. والكتاب كما ذكر رحمه الله تعالى، وأشرنا إليه فيما مضى: أن الشيخ رحمه الله تعالى يذكر الباب، ثم يذكر بعد ذلك آية أو أكثر، أو حديثا أو أكثر، أو أثرا أو أكثر، يدلل على معنى الباب. فهو كما قال رحمه الله تعالى: يذكر المسائل مبنية على الكتاب أو السنة أو الكتاب والسنة. وهذا من بركة العلم، أن يكون العلم قائما على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى متانة ذلك العلم. قال: وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر. وكما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فالتوحيد لا يظهر ويعلم ويعرف معرفة تامة إلا بمعرفة نقيضه وضده، وضده ما هو؟ الشرك. إذا عرف الإنسان الشرك، عرف التوحيد معرفة تامة. وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: «من لم يعرف الجاهلية لم يعرف التوحيد». أو كما قال رحمه الله تعالى. فهذا يدل على هذا المعنى، والقرآن كذلك يدل على هذا المعنى، والسنة النبوية كذلك تدل على هذا المعنى، وكذلك سيرة السلف الصالح تدل على هذا المعنى: على أنهم يبينون الحق ويبينون ضده، وبضده تتبين الأشياء. قال رحمه الله تعالى: أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه. أي: ونحوه من الأمور التي تضر الإيمان الواجب، التي تضر الإيمان الواجب، هذا كفعل بعض المحرمات أو الكبائر المؤثرة على إيمان الشخص، وإن لم يسلم عنهم الإيمان أصلا ورأسا. قال رحمه الله تعالى: وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه. ما يقرب إلى الشرك الأكبر أو يوصل إليه، كذلك ما يقرب إلى الشرك الأصغر وما يوصل إليه. فالشيخ رحمه الله تعالى لهذا المعنى، كما سمعتم، كان كتابه «التوحيد» من أنفع الكتب وأجلها وأعظمها في بابه، في باب توحيد العبادة، من أجل الكتب وأعظمها لهذا المعنى. ولعل من أسباب ذلك أن الشيخ رحمه الله تعالى قام بأعباء هذه الدعوة في تلك البلاد في تلك الأزمان، فعاشر وشعر بما يحتاج إليه الناس، فألف هذا الكتاب يكون منهاجا يسير عليه أهل دعوة التوحيد، وتكون كذلك ويكون حجة على من خالفهم ومن ناوأهم. فالكتاب ألفه مؤلفه رحمه الله تعالى عن علم تام ودراية وخبرة بموضوع هذا الأمر، بتوحيد الله عز وجل، وما طرأ على أهل الجزيرة بل وغيرهم من الشرك. قال رحمه الله تعالى: وقد تصدى لشرحه حفيد المصنف، وهو الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله. الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى أجمعين. والشيخ سليمان رحمه الله تعالى نابغة من النوابغ، وحافظ من الحفاظ، وعالم جليل من العلماء الأجلة، رحمه الله تعالى وغفر له وأعلى درجته ومنزلته. على صغر سنه، إلا أنه كان موسوعة من موسوعات العلم، رحمه الله تعالى. وقد قتله الباغي محمد بن علي باشا، حينما حصل بين جيش الجيش العثماني وبين الدعوة السلفية في العيينة ما حصل، قتله ظلما وعدوانا، وهو لم يتجاوز الثلاث والثلاثين سنة، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فوضع عليه شرحا أجاد فيه وأفاد. والشرح موجود، ويسمى شرحه «تيسير العزيز الحميد»، وهو من أفضل شروح «التوحيد»، وإن لم يكمله الشيخ رحمه الله تعالى، نبه فيه على نفائس من نفائس العلم، وعلى مهمات من مهمات العلم، رحمه الله تعالى وحقق وبين ونقح وشرح وأفاد عليه رحمة الله. قال: ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع، أي: أطال وأسهب. وفي بعضها تكرار، يستغنى بالبعض منه عن الكل. ولم يكمله الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى. يقول: رأيت الكتاب، ورأيت فيه على ما فيه من العلم الغزير، رأيت أنه أطنب في مواضع، أي: توسع في الكلام على بعض الأمور بكلام واسع. قال: وفي بعضها تكرار، أي: أنه ربما تعرض للمسألة في موطن وكرر في موطن آخر، لكن بإسلوب آخر. قال:. قال: يستغنى بالبعض منه عن الكل. أي: بمعنى أنه لو ذكر المسألة مختصرة لأغنى عن الإطالة. قال: ولم يكمله. ولعل السبب في ذلك أن الشيخ سليمان رحمه الله تعالى ألف الكتاب، وكان مسودة عنده، ولم يبيضه بعد، بل مات قبل أن يكمله، وقبل أن ينقحه. فالناظر في الكتاب والقارئ في الكتاب يتعجب من الكتاب، على ما في الكتاب من العلم الغزير، فرحمه الله. قال الشيخ عبد الرحمن: فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله، وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة، تتميما للفائدة. وسميته «فتح المجيد» لشرح كتاب «التوحيد». إذن كتاب «فتح المجيد» هو تهذيب لأي كتاب؟ تهذيب لكتاب «تيسير العزيز الحميد». وهل هو تهذيب فقط؟ لا، بل زاد عليه فوائد ومسائل ونقولات، وأكمل ما تبقى من الشرح. قال رحمه الله تعالى: والله أسأل أن ينفع به كل طالب علم ومستفيد، أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وموصلا من سعى فيه إلى جنات النعيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قوله: «الله أسأل» تقديم ما حقه التأخير، فيه الحصر والاختصاص، كأنه يقول: لا أسأل إلا الله. في ماذا؟ قال: أن ينفع به كل طالب علم ومستفيد. أما قوله: «أن ينفع به كل طالب علم ومستفيد»، فهذا أو في هذه الدعوة قد حصلت بحمد الله عز وجل. فإن الكتاب ليس له نظير في هذا الباب، شرح كتاب «التوحيد» الذي هو «فتح المجيد» ليس له نظير في هذا الباب. فكل طالب للعلم منهم يستفيد، وعليه يتتلمذ، لا سيما في باب توحيد العبادة. وقوله: «أن يجعله خالصا لوجهه الكريم»، هذه الثمرة تدل على إخلاص، والله عز وجل حسيبه، ولا نزكي على الله عز وجل أحدا. وقوله: «وموصلا من سعى فيه إلى جنات النعيم»، نسأل الله عز وجل أن نكون من أولئك، ممن يسعون إلى توحيد الله عز وجل، وإخلاص الدين لله عز وجل، وأن يجعلنا من أهل جنات النعيم، إنه على كل شيء قدير. قال رحمه الله تعالى: «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». هذا في إشارة إلى أن ما يذكره من العلم والمسائل، إنما هو بفضل الله عز وجل ونعمته، فلا حول ولا قوة العبد إلا بالله عز وجل، إلا بعون الله وتوفيقه، فالأمر من الله وإليه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف: بسم الله الرحمن الرحيم. وعادت الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتابه «فتح المجيد»: أنه يذكر المتن بقوله: «قال المصنف». وأما الشرح فيبدأه بقوله: «قال». قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. قال: ابتدأ كتابه بالبسملة. اقتداء بكتاب الله العزيز، فالله عز وجل افتتح جميع سور القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم، بالبسملة. قال: وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع». قال: أخرجه ابن حبان من طريقين. قال: ابن الصلاح: هو الحديث حسن. والحديث حسن. قال: ولأبي داود وابن ماجه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع». ولأحمد: «كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع». وللدارقطني: عن أبي هريرة مرفوعا: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع». وهذه الأحاديث بهذه الروايات وبهذه الألفاظ تكلم عليها إمام المحدثين في هذا العصر، العلامة الألباني رحمه الله تعالى، في أول حديث وثاني حديث من كتابه «إرواء الغليل». وقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر طرق الحديث وبينها بيانا شافيا وافيا: لا، وجملة القول أن الحديث ضعيف، لاضطراب الرواة فيه. قال: والصحيح عنه مرسلا، كما تقدم عن الدارقطني وغيره. والله أعلم. هذا خلاصة القول في هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر. قوله: «والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة»، فيه إشارة إلى أن الشيخ رحمه الله تعالى كرر كتابة هذا الكتاب. قال: ووقع لي نسخة بخطه رحمه الله تعالى، بدأ فيها بالبسملة، وسن بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام على هذا. قوله: «والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر». لأن البسملة إذا ابتدأ بها الإنسان، فيها ثناء عظيم على الله عز وجل. وكذلك هي من الذكر. وفيها فوائد كثيرة، نشير إلى بعضها. من هذه الفوائد: أن فيها ذكر محاسن الله تعالى باسمائه الحسنى. الثاني: أن فيها إشارة إلى معنى الضعف والافتقار من العبد لربه، وطلب العون والتوفيق والسداد منه. الثالث: من فوائدها أيضا: أن فيها معنى الدعاء، الذي حقيقته الطلب والتضرع إلى الله، وهو من أجل العبادات. أيضا: فيها عبادة جليلة، وذلك بنطقها باللسان، ولا سيما إذا واطأ عليها القلب. الخامسة: الفائدة الخامسة: أن فيها تحقيق لمعنى العبودية لله. السادسة: أن فيها تحقيق لربوبية الله عز وجل على خلقه أجمعين. السابعة: أن فيها تحقيق لتوحيد الأسماء والصفات. الثامنة: أن فيها تحقيق لأولويته سبحانه، وأنه ليس قبله شيء. التاسعة: أن فيها: أن من أعانه الله، فهو فضل من الله ورحمة، لا عن استحقاق، ولكنه من فضل الله ورحمته على العبد. العاشرة: أن فيها: أن العبد من الله يستمد العون، وإليه يرغب ويرجو ويطمع ويرهب. الحادي عشرة: أن فيها إشارة إلى أمور المعاد والحساب. قال رحمه الله تعالى: وللحديث المتقدم. تقدم أن الحديث المتقدم ليس بصحيح، وإن كان بعض أهل العلم قد صححه أو حسنه، فالصحيح أنه لا يرتقي إلى الحسن. فذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى ابتدأ بالبسملة لأمرين: ابتدأ بالبسملة لأمرين: الأمر الأول: ما هو؟ لأن البسملة من أعظم الذكر والثناء. الثاني: للحديث: «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع». قال رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصر عليها في مراسلاته، كما في كتابه له رجل عظيم الروم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصر على البسملة، يقتصر على ماذا؟ على البسملة، على «بسم الله الرحمن الرحيم»، على أن يكتب في مراسلاته «بسم الله الرحمن الرحيم»، كما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظيم الروم، إلى هرقل عظيم الروم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم». والحديث في الصحيحين، من حديث ابن عباس، عن أبي سفيان، في قصة أبي سفيان حينما سأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله تعالى: «والباقي بسم الله متعلقة بمحذوف». اختار كثير من المتأخرين كونه فعلا خاصا متأخرا. قوله: «والباقي بسم الله»، أي: الجار والمجرور. الباء: حرف جر، والجار والمجرور لا بد له من متعلق يتعلق به. فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: «والباقي بسم الله متعلقة بمحذوف». وقوله: «الباقي بسم الله»، أي: متعلقة بماذا؟ قال: «اختار كثير من المتأخرين كونه فعلا خاصا متأخرا». قوله: «اختار كثير من المتأخرين»، في إشارة إلى ماذا؟ إلى الخلاف في المسألة، وأن الصحيح فيها ما اختاره الأكثرون. وما هو الذي اختاره الأكثرون؟ اختار الأكثرون كونه فعلا، أن يكون متعلق الجار والمجرور فعلا، أي: لا يكون اسما. قال: وأما كونه خاصا، أي: لماذا كان فعلا وخاصا؟ قال: فلأن كل مبتدئ بالبسملة في أمر يضمر ما جعل البسملة مبدأا له. قال: وأما كونه متأخرا، لماذا متأخر؟ قال: فلدلالته على الاختصاص. بمعنى أن الفعل الذي هو العامل، إذا تقدم على معموله، أو إذا تأخر على معموله، يدل على الاختصاص. قال: وأدخل في التعظيم. أي: أظهر في التعظيم، وذلك لأنه كأن قائلا يقول: لا أبدأ بقبل، أو لا أبدأ بشيء قبل اسم الله عز وجل. قال: وأوفق للوجود. وهذا معنى ثالث. أوفق للوجود؛ لأن الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء. قال: ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى. فهذه أربعة معان لكون الفعل مؤخرا عن الجار والمجرور: الأول: الاختصاص. الثاني: أظهر وأوفق للتعظيم. الثالث: أنه أوفق للوجود. الرابع: أنه للتبرك والاهتمام باسم الله عز وجل. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.