شرح لمعة الاعتقاد 78

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب طاعة ولاة الأمر وحدودها

يجب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، وقد أمر النبي بذلك. من مات بدون بيعة مات ميتة جاهلية.

أهمية السمع والطاعة لولاة الأمور

أمر النبي بالسمع والطاعة لولاة الأمور حتى وإن ظلموا، ولا يجوز الخروج عليهم. هذا مبدأ يميز أهل السنة.

حدود طاعة الحاكم وآراء العلماء حول الخروج عليه

الطاعة تكون في المعروف وليس في المعصية، وقد ناقش علماء المسلمين آراءهم حول الخروج على الحكام الظالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «ومن سنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله. ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه، وشق عصا المسلمين». هذه الفقرة فيها عدة مسائل، ومن هذه المسائل اعتقاد أهل السنة في مسألة الولاة، وأنه يجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا لأئمة المسلمين، أي الناس أو أهل الإسلام، أنهم يسمعوا ويطيعوا لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، أي نوابهم. الأمير معنى نائب السلطان، الذي يضعه السلطان في مكان آخر ينوب عنه، فهو أمير. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بطاعة أئمة المسلمين، وكذلك أمراءه. بل قال الله عز وجل: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وأولي الأمر هم الأمراء أو الحكام في الدنيا، وأما في الدين فهم العلماء. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث: أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لأمراء المسلمين، وإن جاروا. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «ولا ينزع يده من طاعة، وإن أخذ مالك، وإن ضرب ظهرك». وقال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيكون أمراء تعرف منهم وتنكر»، قالوا: «أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». وجاء في حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». فقالوا: «أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ قال: لا، ما صلوا». فمن رأى من أميره شيئا يكرهه في معصية الله عز وجل، فليكره عمله، ولا ينزع يده من طاعة. وغيرها من الأحاديث التي جاءت في طاعة ولاة الأمور. بل حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «سيكون عليكم أمراء يأمرون بغير هدي الله، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر»، قال عليه الصلاة والسلام: «وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». وهذا كله يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالسمع والطاعة. وجاء في البخاري: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي». معنى عبد حبشي: قالوا: كيف يتأمر العبد والعبد ليس له ولاية لأنه تابع لسيده. ولهذا من شروط الخلافة أن يكون حرا. لكن هذا الحديث يدل على أن الإمام يطاع ويسمع له، ولا يخرج عليه، ولو كان ظالما. والذي عليه أهل السنة أن الإمام يطاع ويسمع له، ولا يخرج عليه، ولو كان ظالما. وإنما الذي يخرج على الظالم هم الخوارج. الخروج على أئمة الظلم اشتهر عند الخوارج، ومن قال به ممن ينتسب لأهل السنة، فهو أخطأ. وقد أخطأ من نسب إلى بعض السلف الخروج على الحكام الظالمين. فمن نسب إلى سعيد بن جبير أنه خرج، ونسب كذلك إلى الشعب، ونسب إلى فقهاء من فقهاء أهل البصرة والكوفة الذين خرجوا مع عبد الرحمن بن الأشعث، فهؤلاء أخطأوا. وبعضهم كان يقول: إنما خرجنا لأجل أننا رأينا كفرا بواحا. كما كان يقوله الشعبي. وأيضا كذلك سعيد بن جبير لم يعرف عنه أنه خرج، وإنما كان يبتعد من الحجاج. وأخذه الحجاج ظلما وقتله ظلما. وإلا فهو إمام من أئمة المسلمين. وكان الإمام أحمد إذا ذكره يقول: «يرحم الله سعيد بن جبير». وأما ابن الزبير، عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه، فلم يخرج على أحد. ومن قال أنه خرج كما يدعيه بعض الخوارج وغيرهم، فهم مخطئون. عبدالله بن الزبير بويع بيعة شرعية. وإنما حصل الخلاف بعد ذلك بينه وبين بني أمية. وإلا في أول الأمر قد بايع أكثر الناس، بايع أهل مكة والمدينة وأهل البصرة وغيرهم من أهل الإسلام. فأكثر أهل البصرة والكوفة بايعوا، ما بقي إلا أهل الشام لم يبايعوا، أو بايع بعضهم. ثم حصل ما حصل من الفتن بين بني أمية وبين عبد الله بن الزبير وغيره رضي الله تعالى عنه. قال: «ما لم يأمر بمعصية الله». الآن السمع والطاعة يكون في الطاعة في المباح. وأما في المعصية فلا سمع ولا طاعة لأحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف». كما جاء في البخاري ومسلم. كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه لا طاعة لمن عصى الله»، أي لا يطاع إذا كان يأمر بمعصية. فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وإنما يطاع في ما كان طاعة أو مباحا. إذا كان الأمر مباحا وأمر به الأمير أو الحاكم، فيكون واجبا. ومثل بعض العلماء كإرشادات المرور وغيرها من هذه الأوامر، فإنها أيضا واجبة لأن الأمير يأمر بها، وهي مباحة، بل فيها مصلحة لسير الناس، وكذلك عدم حصول المفاسد من الحوادث وغيرها.