شرح لمعة الاعتقاد 79

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية هجران أهل البدع

يشرح أهمية هجران أهل البدع لحماية الدين والعقيدة، ويبين فوائده في حماية الفرد ومنع انتشار البدع. هجران أهل البدع أصل عظيم من أصول أهل السنة.

خطورة مخالطة أهل البدع وتأثيرهم

يُناقش خطورة مجالسة أهل البدع ومخالطتهم مستدلًا بآيات وأحاديث، ويوضح أن البدع أشد من المعاصي. يجب الابتعاد عنهم لحماية المعتقد.

تحذير السلف من أهل البدع وسنة هجرهم

يجب الابتعاد عن أهل البدع لأن مجالستهم قد تؤثر على المعتقد، وقد حذر السلف من ذلك مستدلين بحديث كعب بن مالك. السلف كانوا شديدين على أهل البدع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ذكر في طاعة ولاة الأمور أن من صار خليفة، سمي أمير المؤمنين، وجب الطاعة إذا غلب بسيفه. وهذا قد تكلمنا عليه، وتكلمنا على حرمة الخروج على الأئمة وشق عصاهم. قال رحمه الله: من السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، ترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة. قال: من السنة هجران أهل البدع، أي سنة السلف رحمة الله عليهم، سنة السلف أن كانوا يهجرون أهل البدع. وأخذوا هذا والمران بالهجران هنا خاصة هجران مجالسهم، مجالس أهل البدع، ولا يخالطهم في أعمالهم، بل حتى هجرانهم بالكلام، وهجرانهم بالأبدان. أحيانًا يحتاج إلى الهجر بالكلام، أي عدم تكليمه، وأيضًا عدم الاجتماع معهم حتى تقوم بدعتهم، وحتى لا ينتشر شرهم. فهجران أهل البدع له فائدتان: الأولى تكون فائدة للشخص نفسه، وهو أنه لا يلبس عليه هؤلاء المبتدعة ويدخلونهم في شبههم. ولهذا جاء عن السلف أن أهل البدع كالجرب، كما جاء عن ابن عباس أنه كالجرب يعدون. وأيضًا قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني لا آمن أن يلبسوا عليكم دينكم. وذكر الإمام ابن بطة في الإبانة، وكذلك الإمام الأجري في كتاب الشريعة، وأيضًا ابن بطة العقبري في كتاب البدع آثار كثيرة في هجران السلف لأهل البدع وعدم كلامهم لهم. وكما قلنا أن له فائدتان: الفائدة الأولى بالنسبة للشخص نفسه، أنه يحمي نفسه ويحمي عقيدته ودينه. والفائدة الأخرى هي بالنسبة لغيرهم من الناس من المسلمين، ألا يغتروا بهؤلاء المبتدعة، فقد يكون الرجل من أهل السنة فيدخل مع أهل البدع فيغتر به الناس. ولهذا سئل لو زاعي عن الرجل يجالس أهل السنة ويجالس أهل البدع، قال: ما أظن هذا إلا من نفاق، أنه يجالس المبتدعة ويجالس أهل السنة يريد أن يخلق بين الحق والباطل. أما مسألة الدليل على هذا فهي كثيرة، ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾. فالركود يدخل فيه التساهل في المجالسة أو المخالطة، وقد أيضًا يدخل فيه التسامح معهم في أشياء كثيرة. والمراد هو إظهار هؤلاء بأنهم ليسوا ملومين، فإذا أظهر أهل البدع أنهم ليسوا بملومين فهذا ركون إليهم. ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. فلهذا فهجران أهل البدع أصل عظيم من أصول أهل السنة، لأن البدع أعظم من الكبائر، والبدع أشد، والمبتدع أشد تمسكًا بالبدع من غيرها. وقد ذكر العم أن البدع أحب إلى إبليس من المعصية، كما قال سفيان الثوري: أن البدع أحب إلى إبليس من المعصية. وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام قد وصف أهل الأهواء أنها تدخل على الرجل أكثر من دخول المعصية عليه، ما جاء في حديث معاوية، وأيضًا جاء من حديث أبي عامر، أقصد جاء من حديث المقدام بن معدي كرب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وأن لما ذكر أهل الأهواء قال تتجار بهم الأهواء كما يتجار الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله». وهذا الحديث أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، وإسناده حسن. فلهذا فالمبتدع خطر على العبد، ومن العدالة أيضًا مجانبة هؤلاء، ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم، أولئك الذين سمى الله فاحذروهم». إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. فلهذا الواجب أن الإنسان أو المسلم السني يبتعد عن هؤلاء ويبتعد عن مجالسهم، ولا ينبغي أيضًا أن يذهب يجلس في دروسهم لأجل أن عندهم مثلًا علم في كذا، فإن هذا من المصائب التي أردت بكثير من ممن كان على علم وعلى سنة فتحول إلى البدع. كثير من هؤلاء ممن كان على سنة تحول إلى البدع بسبب مجالسة أهل البدع. وفي التاريخ أشياء كثيرة من هذا، ولعلكم تسمعون بابن عقيل أو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، فهذا كان رأسًا في العلم وعنده علم كثير. حتى أن أكبر كتاب هو لهذا للوفاء ابن عقيل كتاب الفنون، قال الذهبي: رأيت الجزء الثمانمائة أو بعد الثمانمائة. أنا كتاب أكبر كتاب قدمه للمكتب الإسلامي، وكان على مذهب السنة، لكن كان يحب أن يجلس عند أهل البدع ويدرس عندهم. قال: وكان يقول كنت أستفيد من بعض أهل البدع، وكان أصحابنا يمنعوني من ذلك، أنا كان أصحابه أي الحنابلة كانوا يمنعونه أن يذهب لهؤلاء المبتدعة، لكن أصر على ذلك فأثر فيه. لهذا ابن عقيل خرج عن طريقة الحنابلة إلى طريقة الأشاعرة، صار من أهل البدع ويقول بقول أهل البدع من التفويض وغيره، وتبعه أيضًا تلميذه ابن الجوزي. فلهذا فمجالسة أهل البدع تؤثر، ولهذا كان السلف يحذرون من أهل البدع بأعيانهم حتى لا يجلس الناس إليهم، وهذا كثير جدًا في كتب السلف، بل كان عبد الله المبارك يقول على المنبر يحذر من عمر بن ثابت ويقول: لا تجلسوا إلى عمر بن ثابت فإنه يسب السلف. وهذا الباب كما قلنا كثير جدًا، فحسبنا هذه الأشياء. وأيضًا كذلك من ما استدل به العلماء في هجر المبتدع حديث كعب بن مالك في هجر من تخلف في غزوة تبوك، فهذا أيضًا أصل في هجران أهل البدع. وهجر الكبائر وإن كان ليس مبتدع لكنه تخلف يعتبر تخلفهم من الكبائر، فهجرهم نبي صلى الله عليه وسلم خمسين يومًا حتى أنزل الله عز وجل براءتهم من فوق سبع السماوات، وهذا لإخلاصهم وأيضًا إيمانهم، فعذرهم الله أو أنزل الله عز وجل توبتهم. وأيضًا سنة السلف في الشدة على أهل البدع لئلا يدخلوا في دين الله ما ليس منه. إن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى. شكرًا لكم.