شرح منظومة القواعد الفقهية  30

شرح منظومة القواعد الفقهية 30

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الوازع الطبعي والشرعي

يناقش مفهوم الوازع الطبعي والوازع الشرعي كروادع للإنسان عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. يبين أن الوازع الطبعي هو ما جبلت عليه النفس البشرية من النفور من الأشياء المستقذرة، بينما الوازع الشرعي يتمثل في العقوبات الشرعية.

تطبيقات قاعدة الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي

يتناول أمثلة على تطبيق قاعدة الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي في مسائل فقهية مختلفة. يشمل ذلك تقديم الإقرار على الشهادة في المحاكمات، ومسألة خدمة الزوجة لزوجها، ومسألة عقوبة فاحشة اللواط.

ختام المنظومة والرسالة بالحمد والصلاة على النبي

ختم المؤلف منظومته بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي، وشرح معنى الحمد وأهميته. كما تم اختتام الرسالة بالدعاء أن ينفع الله قارئيها بما جاء فيها، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران. قوله رحمه الله تعالى: والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران. الوازع: الوازع اسم فاعل من وزع يزع وزعًا، بمعنى الردع، فالوازع بمعنى الرادع. والوازع الطبعي سيأتي معنى الطبعي، مأخوذ من الطبع، وجمعه طبائع، أي شيء طبيعي في الإنسان أو من طبع الإنسان. والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران، هنا معنى بلا نكران أي بلا فارق، بلا فارق أو بلا فرق بين هذا وبين ذاك. قال رحمه الله تعالى: والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران. هذه مسألة أخواني في الله متعلقة بالرادع والوازع عن اقتراف الذنوب والمعاصي والمنهيات. فإن الله عز وجل أمر من العباد الكف عن ذلك، وجعل سبحانه وتعالى من الوازعات مما بها يرتدع الإنسان عن فعل هذه المخالفات. وفي هذا البيت أبان المؤلف رحمه الله تعالى أن الوازع ينقسم إلى قسمين: إلى وازع طبعي وإلى وازع شرعي. قلنا: وازع بمعنى رادع، الذي يجعلك تكف عن فعل المخالفات، إما هذا الوازع وهذا الرادع طبعي. ومعنى وازع طبعي أي ما جعله الله سبحانه وتعالى في الطبائع، ما جعله الله سبحانه وتعالى من النفوس أنها تنفر من الأشياء المستخبثة ومن الأشياء المستقذرة. فهذه طبيعة في الإنسان أنهم من ذات نفسه يرون أنفسهم تبتعد وتنأى وترتدع عن فعل بعض الأمور لا لشيء إلا لأن الطبيعة البشرية تأباه. مثاله كتناول السموم، النفس لا تميل أبدًا، وكذلك تناول النجاسات، شرب الدم، أكل الرجيع، شرب البول، هذه أشياء مستقذرة النفس في العادة لا تأتيها ولا تميل إليها ولا تقترفها. فما الذي منع الناس من ذلك؟ الوازع الطبعي، لأن طبيعة نفوسنا تتقزز من ذلك. فهذا الوازع هو الذي جعله ربنا في الناس، وجعل ربنا في البشرية هذه من الأمور التي تردعهم عن فعل هذه الأمور. قال رحمه الله تعالى: والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي. ونحن نتكلم هنا عن الطبائع، أمور قامت على النفوس المستقيمة التي لا زالت على الفطرة. وهذه المسألة وهذه المخالفات التي النفوس لا تأتيها من جهة وجود الرادع الطبعي، تجد أن الشريعة لم تجعل عليها حدود، ولم تجعل عليها كفارات. لماذا؟ اكتفاءً بما في النفس، إلا أنه أحيانًا إذا رأينا أحدًا يتقحم هذه الأشياء والتي النفوس وطبائع النفوس لا تريدها، لكن نجد أن أناسًا يأتونها، حينها نحتاج إلى تعزير، يعزر أمثال هؤلاء حتى يكونوا عبرة لغيرهم. قال رحمه الله تعالى: كالوازع الشرعي. وهنا النوع الثاني من أنواع الروادع الذي يرتدع بها الإنسان عن المخالفات، وما يسميه العلماء الوازع الشرعي. وما هو الوازع الشرعي؟ هي مطلق العقوبات الشرعية، والتي جعل فيها ربنا الحدود. فهناك معاصي وهناك ذنوب تجد أن النفس تميل إليها، بخلاف الأول الوازع الطبعي، تجد أن النفوس هي التي تتقزز منها من نفسها ما تستطيع أن تأتيها إلا من انتكست فطرته. فهذا الذي عليه الناس لم يجعل عليها ربنا الحدود لأن ما في النفوس يكفي بالردع. لكن هناك مخالفات ومعاصي تجد أن النفوس تهواها وتميل إليها، وهنا كان من حكمة الشرع أن جعل فيها حدود، جعل عليها عقوبات كوازع يرتدع منه الإنسان، مثل الزنا، مثل السرقة، النفوس تميل لذلك. فهنا لا يرتدع من أمثال هؤلاء إلا بعقوبات شرعية يحذرون من فعل الزنا، فعليه الجلد أو عليه الرجم، ومن أخذ مال امرئ مسلم بغير حق سرقة، فإن يده تقطع، فالناس يرتدعون بمثل هذا. وهذا ما يسمى بالوازع الشرعي. وتجد أن هذا الوازع الشرعي يكون في الأمور التي فيها لذة وفيها شهوة وفيها ميلان من النفس البشرية. إذن هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران، أي بلا تفريق، هذا يعتبر وازع ورادع، وهذا يعتبر وازع ورادع، والكل يهدف إلى أمر واحد، إلى إبعاد الناس عما لا يجوز عما لا يحل. هذا خلاصة هذه القاعدة، وبعضهم يعبر بهذه القاعدة بقوله: بأن الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي. إذا أردنا أن نجعل مقارنة أي الموازعات الذي أرفع طبقة لرأيت أن العلماء يصرحون في كتب الأصول والمطولات بأن الوازع الطبعي أعلى وأقوى من الوازع الشرعي. ومثاله: لو أن عندي محاكمة وحكم وقضاء على رجل أقر بشيء وهناك شهود على خلاف ما قال وما أقر به، فأيهما يقدم الإقرار أم الشهادة؟ وكل ذلك من الظنون، هذا ظن المقر، وهذا ظن الشهادة، فأيهم يقدم؟ قال علماء: يقدم الإقرار على الشهود، يقدم الإقرار على البينة. كما صرح بعضهم من أي وجه قدم الإقرار والاعتراف على الشهادة؟ من هذه القاعدة، أي قاعدة الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي. وجه ذلك قال علماء: وازع المقر طبعي، الذي يعترف يعترف الذي جعله يعترف ما هو؟ وازع في نفسه أنه ما أراد أن يقع في الكذب وما أراد أن يشار إليه ببهتان وافتراء. تجد ماذا ينأى بنفسه عن ذلك ويترفع عن ذلك؟ فهذا وازع طبعي. وأما الشهادة فهو ماذا؟ وازع شرعي، الشهادة كونك تشهد على فلان هذا وازع شرعي، الشريعة تلزمك بهذا. فعندنا هنا وازع طبعي وعندنا هنا وازع شرعي. فقال علماء: فالوازع الطبعي أقوى وأرفع من الوازع الشرعي. كذلك مسألة وهي مسألة خلافية ذكروها العلماء، لكن في بيان كيف أن العلماء استفادوا من هذه القاعدة في بعض المسائل والأحكام الشرعية، مسألة اختلفية العلماء حول خدمة الزوجة لزوجها. خدمة الزوجة لزوجها، لا شك أن المرأة إنما عقد عليها الرجل بمقابل الاستمتاع والانتفاع، الاستمتاع بها وقضاء الوطر. بقي هل يدخل في هذا ما يتعلق بالخدمة؟ أنها تلتزم بخدمته، تلتزم بماذا؟ بأن تكون عنده تطبخ وتكنس وتنظف وترتب. هذه المسألة وقع فيها خلاف. فمن أهل العلم من ألزم المرأة بهذا، ومنهم من لم يلزم المرأة بهذا، وأن هذا ليس من واجباتها، وإنما هذا الأمر يرجع إليها. ومنهم من ألزمها بهذا. فبعضهم استدل من هذا أن من ذهب إلى أن المرأة تلزم بهذا استدل بهذه القاعدة، ما هي القاعدة؟ أن الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي. وجه ذلك قالوا: أن المرأة في طبيعتها وفي خلقتها الخدمة، هذا مما تجده المرأة في نفسها أنها تعمل وأنها تقوم بمهنة بيتها. قالوا: هذا وازع طبعي في نفسها، إذن فهذا الوازع الذي تجده في نفسها مقدم على أي شيء. إذن فمن ذهب إلى أن المرأة يجب عليها أن تخدم زوجها في بيتها استدل بهذه القاعدة. بأن خدمة المرأة للغير أو لخدمة المرأة لزوجها هذا وازع طبعي، فهو مقدم على غيره. فعليها أن تخدم زوجها. وأن المرأة متى ما ترفعت واستنكفت عن خدمة زوجها كان ذلك مما تأباه الطباع، بل ربما لامت على هذا التكاسل وعنّفت على هذا التقاعس. وكذلك مسألة أخرى، وإن كان التطبيق فيها بعيد، لكن نبين وجه الصواب في مسألة فاحشة اللواط. هذه الفاحشة ذهب طائفة من العلماء أن هذه العقوبة أن هذا الذنب العظيم والجريرة الشنيعة ليس عليها حد، ينقل هذا عن الأحناف وعن أبي حنيفة أنه ليس عليها حد. فذهب جماعة من الجهلة عندما رأوا هذه المقالة عن أبي حنيفة وأنه يرى أن فعل الفاحشة اللواط ليس عليها حد، ما الذي ظنوا؟ ظنوا أن أبا حنيفة يرى أنها ليست من كبائر الذنوب وأنها من صغائرها. فرد عليه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إغاثة اللهفان». وقال: وهذا محض افتراء على أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة قوله مع قول سائر الأمة على أن فاحشة اللواط أعظم من الزنا، بدلالة أن الله سبحانه وتعالى عاقب أهلها بعقوبة لم تكن إلا في هذه الفاحشة، عقوبات لم يجعلها ربنا في أحد بمثل من فعل فاحشة اللواط. فقال ابن القيم: فقول أبي حنيفة هو من قول العلماء بأنها من كبائر الذنوب، لا نزاع في هذا الباب. لكن بقي مسألة: لماذا ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا حد على الفاعل؟ هل من باب أن ذاك تخفيف؟ لا، ليس من هذا الباب. ولكن ذهب أبو حنيفة لهذه القاعدة، ما هي القاعدة؟ الوازع الطبعي. يرى أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن اللواط هي فاحشة رذيلة مستهجنة في النفوس وعند الأمم، وبما أن ذلك قد استقر في القلوب وفي النفوس فإنها لا تحتاج إلى حد. وقد ذكرنا أن الوازع الطبعي ما يحتاج إلى حد، كأكل السموم وأكل النجاسات، وإنما يرجع ذلك لما قذفه الله في الطبائع البشرية من أن تترفع عن ذلك. فهذا يكفي. فكان أبو حنيفة من تطبيقه لهذه القاعدة يرى أن هذه الفاحشة مستهجنة وخبيثة ومستشنعة، وأن يكفي ما كان في النفوس يردع عن إتيانها وعن غشيانها. فكان هذا قوله من هذا الباب، لأن من باب التخفيف لا، بل يراها كبيرة ويراها جريرة ويراها جريمة، لكن ذهب إلى أنه لا حد فيها لأنه اكتفى بالوازع الطبعي الذي به ترتدع النفوس عن فعل ذلك. وإلا فجمهور العلماء على خلاف قوله، بل قالوا: أن عليه حد، وهو حد إزهاق روحه، لكن اختلفوا كيف ذاك، منه من قال بقتله، ومنه من قال برميه من مكان شاهق مرتفع أسفل بسلفه من قوم لوط الذين قلب الله جل وعلا قريتهم بأسافلها عالية، ثم خسف بهم الأرض. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: والحمد لله على التمام في البدء والختام والدوام، ثم الصلاة مع سلام شائع على النبي وصحبه والتابع. هذا أخوان في الله نهاية المنظومة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، فختمها بهذه الأبيات. فقال: والحمد لله على التمام في البدء والختام والدوام. هنا ختم هذه الأبيات بالحمد، بالحمد لله عز وجل. وقد مضى معنا في أوائل الرسالة في أوائل الأبيات تعريف الحمد، وهو ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأن الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله. ذكر محاسن المحمود ففيه ثناء، ففيه تلفظ ذكر محاسن المحمود مع إعظامه وإجلاله. هذا لا بد لأنه إذا كان فقط عبارة عن ذكر محاسن المحمود من غير محبة من غير تعظيم من غير إجلال فهذا يسمى مدح، ما يسمى حمد. فالذي يفرق بين الحمد والمدح الشطر الأخير، وهو أن الحمد فيه ذكر محاسن المحمود مع زيادة الحب والتعظيم والإجلال له. إجلال هذا المحمود الذي أثنيت عليه وذكرت محاسنه، فهذا الحمد. والألف هنا هي الاستغراقية، أي أن جميع المحامد لله سبحانه وتعالى. قال: والحمد لله على التمام في البدء والختام والدوام. والحمد في البداية قد بدأ المؤلف رحمه الله تعالى ذلك في رسالته، أنه بدأ المنظومة بالحمد، وقلنا: وذلك أسوة بكتاب الله سبحانه وتعالى. وأيضًا بالختام كما فعل هنا حمد الله سبحانه وتعالى بالختام. قال علماء: وجه ذلك بأن يكون شكر الله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا، بدءًا وختامًا، يكون العبد في كل أحواله من قبل ومن بعد متذكرًا نعمة الله عليه، فيكثر من حمد الله سبحانه وتعالى. وأيضًا هذا يستفاد من قول تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. والختام قال علماء: أصل الختام هو الطين الذي به يختم به الإناء، وهذا دلالة على أن الأمر قد انتهى. قال: في البدء، والختام، والدوام. كذلك في دوام الحال تكن يا عبد الله حامدًا لله سبحانه وتعالى. وقد ذكر المؤلف في شرحه فائدة، قال: وحمد الله على الأمور يوجب بركتها وزكاءها ونماءها وحفظها من الآفات، ويوجب كمال الانتفاع بها. ثم قال رحمه الله تعالى: ثم الصلاة مع سلام شائع. ثم الصلاة مع سلام شائع على النبي وصحبه والتابع. وأيضًا عرج بعد الحمد الصلاة على النبي صلوات ربي وسلامه عليه. وهنا قام المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أكمل الوجوه، وهو الجمع بين الصلاة والسلام، الجمع بين الصلاة والسلام. وهذا الذي جاء ذكره في كتاب الله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، فجمع ربنا بين الصلاة والسلام، فهذا هو الأكمل، وهذا هو الأولى في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. لكن وقع خلاف قد ذكرنا ذلك في أول الرسالة، ما لو أن أحدًا اقتصر على واحد من هذه الأمور، صلى وما سلم، أو سلم وما صلى، فما العمل الصحيح؟ والذي عليه المحقق من العلماء أن ذلك جائز بلا كراهة. ثم قال: على النبي وصحبه والتابع. وبهذا أخوانًا في الله انتهينا من هذه الرسالة، فنسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.