شرح الجوهرة الفريدة 74

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 74، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحريم التمائم وانتشارها

يتناول الدرس تحريم تعليق التمائم واعتبارها شركاً بالله، على الرغم من انتشارها بين الناس. كما يشير إلى بعض الأمثلة على تعليق التمائم والصلاة على النبي بالشرك.

الغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين

يناقش الدرس الغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين واعتباره شركًا بالله، مستشهدًا بممارسات بعض الطوائف مثل الرافضة والصوفية. ويحذر من جعلهم أسبابًا لخلق الكون دون دليل شرعي.

التحذير من التمائم والرقى غير الشرعية

يشرح الدرس التحذير من التمائم والرقى غير الشرعية ويبين أن الأذكار الشرعية هي السبب النافع للشفاء. ويستشهد بأمثلة من الأحاديث النبوية والتجارب الشخصية للصحابة والتابعين.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الدرس بالدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والآل و الصحابة. ويعد بمتابعة الدروس اللاحقة إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. ما بعد، فقد كان آخر الكلام في ذكر التمائم وأنها شرك بالله جل وعلا، أي تعليق التمائم شرك بالله جل وعلا، إلا إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المأثورة، فإن في ذلك خلافا سيأتي ذكره من كلام المؤلف الناظم رحمه الله تعالى. ذكرنا أن التمائم انتشرت انتشارا كثيرا بين الناس، فالناس لهم أنواع وألوان من التمائم يعلقونها، إما على أنفسهم أو على بيوتهم أو على دوابهم أو غير ذلك، كل ذلك من الشرك بالله جل وعلا إذا كانوا يعتقدون أنها تجلب نفعا بذاتها أو تدفع ضررا بذاتها. أما إذا علقوها على أنها أسباب لجلب نفع أو دفع ضر، فإن ذلك من الشرك الأصغر؛ لأن هذا من جعل ما ليس بسبب سببا. وهذه البلوى التي عمت وطمت بين الناس لما يتعلق بالتمائم، يتعجب الإنسان من هذا الانتشار مع صراحة ووضوح الأدلة الدالة على أنها من الشرك. فأدلة تحريم تعليق التمائم وأنها من الشرك واضحة وبينة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عبد الله بن مسعود: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تعلق شيئا وكل إليه». قال عليه الصلاة والسلام: «يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه». وهكذا في البخاري: أرسل النبي عليه الصلاة والسلام رسولا -قد جاء في بعض الروايات أنه زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه- قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تبقين على رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت». فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر الصحابة حتى في فترة الجهاد مع أعداء الإسلام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بذلك أن لا يبقي أحد هذه التمائم معلقة، لا على رقاب الدواب ولا على أعضاد الناس؛ لعظيم هذه المخالفة التي فيها تعلق القلب بغير الله جل وعلا في جلب المنافع ودفع المضار. ومع هذا تجد كثيرا من الناس -إلا من رحم الله- قد علقوا هذه التمائم وتنوعوا في أشكالها وفي كذلك وضعها وغير ذلك. بل الأمر أعظم من هذا، أن يكون تعليق التمائم من الأمور المسلمة -يعني صار نفع التمائم عند طائفة من الناس من الأمور المسلمة- يعني لا إشكال فيها. فالأمر عندهم واضح وظاهر في نفع هذه التمائم. حتى قال صاحب «دلائل الخيرات» في كتابه الخرافي والمليء بالشركيات والبدع -وهو يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام في سجعه-: «وانظروا كيف البلية والبلوى أن يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام بالشرك بالله جل وعلا، يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى آل البيت بالشرك بالله سبحانه وتعالى، بزعم تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام ومدح النبي عليه الصلاة والسلام على حساب هضم ربوبية الرب جل وعلا». فيقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ما سجعت الحمائم وحمت الحوائم وسرحت البهائم ونفعت التمائم». سبحان الله، يصلي عليه الصلاة والسلام على البيت ما سجعت الحمائم، وما حمت الحوائم، وما سرحت البهائم، أي كلما سرحت البهائم فالصلاة عليك وعلى آل بيتك يا رسول الله، وكلما سجعت الحمائم فالصلاة عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك، وكلما حمت الحوائم فالصلاة عليك وعلى آل بيتك يا رسول الله، وكلما نفعت التمائم فالصلاة عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك. الصلاة على البيت وسلم على البيت بنفع التمائم كلما نفعت التمائم بالشرك بالله جل وعلا، فسبحان الله، فهذا من البلية أن يعظم النبي عليه الصلاة والسلام وأن يصلى عليه وعلى آل بيته بالشرك بالله جل وعلا. وهكذا يقولون: «لولاك ما كان شمس ولا قمر، ولولاك ما كان إنس ولا بشر، ولولاك... ولولاك». فالصلاة عليك يا رسول الله، الصلاة عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك لولاك لما كان كذا وكذا، صلاة على النبي وسلم وعلى آل البيت بالشرك بالله جل وعلا؛ لأن الشمس والقمر ما خلقت لأجل رسول الله عليه الصلاة والسلام أبدا، والله، وهكذا الإنس والجن ما خلقوا لأجل النبي عليه الصلاة والسلام أبدا. وليس لوجود النبي عليه الصلاة والسلام ما خلق الجن ولا الإنس أبدا. من أين هذا؟ ومن أين لو لم يخلق الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان شمس ولا قمر؟ من أين هذا؟ هذا من الغلو والعياذ بالله، وهذا من الشرك بالله جل وعلا؛ لأن جعل النبي عليه الصلاة والسلام سببا لوجود الشمس والقمر ولخلق الخليقة، هذا فيه جعل ما ليس بسبب سببا. الشرع ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام سببا لخلق الشمس ولا للقمر ولا الإنس ولا الجن ولا غير ذلك. فالذي يجعل النبي عليه الصلاة والسلام أسبابا لحصول هذا، قد جعل ما ليس بسبب لا شرعا ولا قدرا سببا لذلك، وهذا شرك بالله جل وعلا. هذا إذا لم يصحبه اعتقاد أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أوجد هذه المخلوقات كما قال البوصيري في قصيدته المعروفة: «فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم». وآخر ذلك الرافضة هكذا غنوا، المتصوفة يقولون: «لولاك يا رسول الله ما خلق لا شمس ولا قمر ولا إنس ولا جن». الروافض يقولون: «يا علي، لولاك يا علي ما خلقت لا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب ولا إنس ولا بشر». بل وهكذا يقولون: «لولا فاطمة ما خلق لا علي ولا رسول الله ولا شيء». وهكذا: «لولا الحسين ما خلقت فاطمة ولا علي ولا رسول الله ولا شيء». فإذا الحسين سبب لخلق علي وسبب لخلق فاطمة وسبب لخلق الرسول وسبب لخلق الشمس والقمر وسبب لخلق... من أين هذا؟ أن الحسين رضي الله تعالى عنه هو السبب في خلق النبي عليه الصلاة والسلام، ولولا الحسين ما خلق الرسول، من أين هذا؟ اليهود يغلون في عزير يقولون: «لولا عزير لولا عزير ما خلق لا موسى ولا عيسى ولا آدم ولا نوح والأنبياء كلهم ما خلقوا لولا عزير». والنصارى سيغلون في المسيح كذلك: «لولا المسيح ما خلق لا محمد ولا موسى ولا إبراهيم إلى آخر ذلك». وكل ذلك من الكذب ومن الدجل ومن الغلو، بل ومن الشرك بالله جل وعلا. نعم، مقام الأنبياء عظيم، ومقام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عظيم، لكن ليس معناه أنه لولا هو عليه الصلاة والسلام ما خلق الله جل وعلا الخليقة. هذا يحتاج إلى دليل، أين الآية التي فيها بيان أنه لولا النبي عليه الصلاة والسلام ما خلقت الخليقة؟ أين الحديث الذي فيه بيان أنه لولا النبي عليه الصلاة والسلام ما خلقت الخليقة؟ وأين الدليل على أن عليا لو لم يخلق لما خلقت الخليقة؟ أو لولا فاطمة... هذا الرافض يغلو في علي وفي فاطمة فيقول: «إن الله جل وعلا يقول: يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما، ولولا الحسين لما خلقتكم». إذن هكذا يعني يأتون بمثل هذه الأمور، هذا كله من الشرك بالله جل وعلا على حساب تعظيم الأنبياء بزعمهم أو تعظيم الصالحين الحسن والحسين أو تعظيم عيسى بن مريم أو تعظيم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك. فكل ذلك من الغلو والعياذ بالله، حتى تجعل الصلاة على النبي على هذا المنوال، وبهذا يرحبون على الناس أصلا. العامي المسكين ما يسمع إلا الصلاة على النبي، قال: «الصلاة عليك يا رسول الله»، ما يدري ما الكلام الذي بعده، ماذا يقال فيما بعد ذلك؟ «الصلاة عليك وعلى آل بيتك ما نفعت التمائم يا رسول الله»، ما يدري العامي ما معنى ما نفعت التمائم، أو كذا أو كذا أو كذا. فيقول هؤلاء: «صلى الله عليه وسلم». وهذا من الدجل ومن وضع السم في العسل، من وضع السم في العسل. ظاهر الكلام تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، ظاهر الكلام الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن من دقق في الكلام واجتمع فيه وقارنه بما جاء من نصوص الشرع بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، يتبين له أن هذا من الغلو بل من الشرك بالله سبحانه وتعالى. فلذلك لما غلوا صاروا يجعلون الصلاة عليه وسلم -يعني مثل هذه الأمور الشركية التي يعتقدون فيها- وتعليق التمائم والاعتقاد فيها اعتقاد جاهلي. حتى يقول القائل: «إذا المنية أنشبت أظفارها، فيئت كل تميمة لا تنفع». إذا المنية أنشبت أظفارها، فيئت كل تميمة لا تنفع، يعني إذا جاء الموت ما تنفع التمائم. إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك، قال: «خلاص إذا جاء الموت ما تنفعك هذه التمائم»، معناه أن الناس كانوا يعتقدون في هذه التمائم وأنها تجلب لهم النفع وتدفع عنهم المرض، لكن إذا جاء الموت إذا حان الأجل، فالتمائم هذه صارت غير نافعة، وإلا قبل حلول الأجل فيعتقدون أنها نافعة ترفع عنهم الأمراض والأسقام. قال رحمه الله تعالى: «ثم الرقى تكون بالوحي دون تصرف ولا صرف قلب، ليس ينتقد»، يعني ما دام أنها بالرقى الشرعية بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، بكذلك الأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي كثيرة. منها: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم رب الناس أذهب البأس، أشفي أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك». ويقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة». ويقول: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم». فهذه أذكار بإذن الله جل وعلا إذا حافظ عليها الإنسان كان من أسباب نفع نفسه بدفع بلاء عنه أو رفعه، إلا إذا قدر الله جل وعلا إصابة الإنسان بذلك. والإنسان لا يهمل هذه الأذكار. عجب من كثير من الناس يعلقون: «لماذا لا تقرؤون الأذكار؟ أجل تستفيد من الحبل تعلقها أو الخيط أو كذا وكذا». عندك الأذكار، عندك أذكار الصباح وعندك أذكار المساء، هذه الأذكار تأتي بها تنفعك بإذن الله سبحانه وتعالى، وهي من الأسباب الشرعية التي تدفع هذه الأمراض وهذه الأسقام. وهذا مجرب. حتى أنه ثبت عن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما أنه كان يحدث بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذكر الذي هو من الأذكار الواردة في أسباب الشفاء، يقول: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ومن قال ذلك الذكر فإنه لا يصيبه شيء بإذن الله». وكان رضي الله تعالى عنه -أبان بن عثمان- قد أصيب بالفالج، قد أصيب بالفالج، نوع من شلل في اليد. فلما حدث بذلك، كأن البعض نظر إليه نظر إليه ونظر إلى يده، فأبان بن عثمان رحمه الله تعالى تفطن لهذه النظرة التي نظرها ذلك الرجل، قال: «أظنك تريد هذا الذي بي -يعني من المرض- يعني لماذا أنا أعرف هذا الذكر ومع هذا أصيبت بذلك؟». فقال: «قد نسيت ذلك الذكر، قد نسيت ذلك، كنت محافظا عليه -يعني على الإتيان بهذا الذكر- بسم الله الذي لا يضره مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ذات يوم نسيت ذلك الذكر، ونسيت هذا الذكر فأصبت بالفالج، فأصبت بالفالج». يعني سبحان الله، أنظروا يعني يكون الشخص محافظا على الأذكار ثم يغفل عنها. لا تغفل عن أذكار كما لا تغفل عن الطعام والشراب. الإنسان لا يغفل عن الطعام والشراب دائما هو يتذكر الفطور يتذكر الغداء ويتذكر العشاء، ما يكون على اهتمام عظيم بذلك. كن كذلك على اهتمام عظيم بهذه الأذكار؛ لأن ذلك من أسباب سلامتك. وخذ القرطبي رحمه الله تعالى، ذكر عنه أنه لدغ في لدغة عقرب، فسئل رحمه الله تعالى عن سبيل ذلك، قال: «كنت محافظا على هذا الذكر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». أرشد إلى هذا الذكر: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». قال: «ذلك لن يضره شيء حتى يرحل من منزله». ذلك في مسلم: «خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها»، قال: «سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك». قال: «فدبت ليلة نسيت هذا الذكر، فدبت ليلة نسيت هذا الذكر، قال: فلدغتني عقرب لدغتها العقرب». سبحان الله، وكان محافظا من قبل على هذا الذكر. فالمحافظة على الأذكار وعدم الغفلة عنها هي من أعظم أسباب حصول الشفاء. أما تعليق الخيوط والتمائم، أما الذهاب إلى الكهنة والمشعوذين إلى غير ذلك، فكل ذلك لا يزيد صاحبه إلا مرضا، ولا يزيده كذلك إلا وهنا، ولا يفلح أبدا لا يفلح بذلك أبدا؛ لأنه لم يتعاط السبب الشرعي. فإن انتفع في وقت -يعني معين- فلابد أن يتضرر أكثر وأكثر. ونواصل إن شاء الله في درس لاحق، صلى الله عليه وسلم، مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.