شرح الجوهرة الفريدة 42

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 42، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الإيمان برؤية الله يوم القيامة وأهميته

يشرح المقطع أهمية الإيمان برؤية الله يوم القيامة كجزء من الإيمان باليوم الآخر، ويبين اختلاف أهل السنة والجماعة مع فرق أخرى في إثبات هذه الرؤية. الأدلة على ذلك من القرآن والسنة.

الأدلة الشرعية على رؤية الله يوم القيامة

استدل العلماء بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على إثبات رؤية الله يوم القيامة، ونقلوا الإجماع على ذلك. جاءت الآيات والأحاديث واضحة في إثبات هذه الرؤية.

تفاصيل رؤية الله تعالى يوم القيامة وآراء العلماء

يتناول المقطع مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة، حيث يرى المؤمنون الله جل وعلا، بينما اختلف العلماء في رؤية الكفار والمنافقين له، واستدل كل فريق بالأدلة الشرعية.

ذكر أخطاء المخالفين وغلاة المتصوفة

المقام يحتاج إلى ذكر أخطاء الآخرين مثل غلاة المتصوفة، وقد توسع في هذا الموضوع وسيواصله في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته "الجوهرة الفريدة" في باب الإيمان بالنظر إلى الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. قال رحمه الله: والمؤمنون يرون الله خالقهم يوم اللقى وعده الصدق الذي وعدوا يرونه في مقام الحشر حين يناديهم ليتبع الأقوام ما عبدوا ليتبع الأقوام ما عبدوا فيتبع المجرم الأنداد تقدمهم إلى جهنم وردا ساء ما وردوا والمؤمنون لمولاهم قد انتظروا إذا تجلى لهم سبحانه سجدوا إلا المنافق يبقى ظهره طبقا إذ في الحياة إذا قيل سجدوا مردوا كذا الزيادة في يوم المزيد إذا على النجائب للرحمن قد وفدوا فالأنبياء كذا الصديق والشهد على منابر نور في العلا قعدوا وغيرهم من أولي التقوى مجالسهم كثبان مسك ألا يا نعمة المهد من فوقهم أشرف الرحمن جل وعلا داهم سلام عليكم سلام عليكم كلهم شهدوا يرونه جهرة لا ينكرون كما للشمس صحوا يرى من للشمس صحوا يرى ما به رمد هناك يدهش كل عن نعيمهم بذا النعيم فيا نعمة لهم حمد ودا لهم أبدا في كل جمعتهم بشرى وطوبى لمن في وفدهم يفدوا ذكر رحمه الله تعالى هذه الأبيات تبعا لما ذكر عن اليوم الآخر، وفي هذا إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان برؤية الله جل وعلا يوم القيامة. لأن الإيمان باليوم الآخر يضمن الإيمان بما يتقدمه من العلامات والأشراط وما يكون في ذلك اليوم، ومما يكون في ذلك اليوم الذي يجب الإيمان به الإيمان برؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. أهل العلم يذكرون مبحث الرؤية في كتب العقائد أولا لأنها من الغيب الذي يجب اعتقاده، والأمر الثاني للرد على المخالفين الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا الباب. قد خالف أهل السنة والجماعة في هذا الباب الجهمية والمعتزلة وكذلك الروافض وهكذا الخوارج وهكذا الأشاعرة، وإن أثبتوا الرؤية لكنهم لم يثبتوها كما أثبتها أهل السنة والجماعة أنها رؤية بالعين وهو جل وعلا في علوه. لأنهم لا يثبتون علو الله جل وعلا، وإذ منهم من يقول تارة يقولون رؤية بالبصيرة تارة يقولون رؤية إلى غير جهة وتارة يقولون رؤية من جميع الجهات، وكل هذا تناقض يدل على عدم إثباتهم للرؤية كما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة. فلذلك يذكر أهل العلم هذا المبحث في كتب العقائد. المؤلف رحمه الله تعالى يشير إلى هذا الباب وهو باب رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. والأدلة في رؤية الله جل وعلا يوم القيامة كثيرة في كتاب الله جل وعلا وهكذا متواترة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، فهنا أضاف النظر إلى الوجوه وذلك لأن الوجوه محل النظر لأن العينين في الوجه. وعدي النظر هنا بإلى، والنظر في لغة العرب وفي أدلة القرآن والسنة إذا عدي بإلى فإنه يفيد النظر بالبصر. استدل أهل العلم بهذه الآية ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾ على النظر إلى وجه الله الكريم. النظر الأول هو من النظارة وهو البهاء الحسن كما قال جل وعلا: ﴿ولقاهم نظرة وسرورا﴾ أي بهاء حسنا. والنظر الثاني الذي هو بالضاد فهو النظر بالبصر. قال العكرمة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: تنظر إلى ربها نظرا. وجاء عن مجاهد أنه نقل عنه أنه فسر النظر هنا بالانتظار، وتفسير مجاهد رحمه الله للنظر هنا بالانتظار إذا ثبت عنه فهو خطأ ليس بصحيح. قال سبحانه وتعالى: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾، جاء عن جمع من الصحابة أنهم فسروا المزيد هنا بالنظر إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنة وزيادة﴾، فسرت الزيادة بالنظر إلى رب العالمين جل وعلا. كما جاء في حديث صهيب عند مسلم، وإن كان قد انتقده بعض أهل العلم. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن جماعة من السلف أنهم نقلوا الإجماع على أن التحية إذا قرنت باللقاء فإنها تفيد النظر بالبصر. قال ابن مبارك رحمه الله تعالى في تفسير قوله جل وعلا: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾، أي من كان يرجو النظر إلى وجه الله جل وعلا. ففسر اللقاء هنا برؤية رب العالمين جل وعلا. جاءت أحاديث متواترة، منها حديث جرير بن عبد الله البجلي وحديث أبي هريرة وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته". وفي رواية: "لا تضامون في رؤيته" أي لا يلحقهم ضيم. لأن الرؤية إذا كانت ضعيفة يحتاج الناس إلى أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يروا ذلك، لكن رؤية رب العالمين جل وعلا رؤية واضحة فلا يحتاج لها إلى انضمام لوضوح تلك الرؤية. وأما الإجماع فقد نقله جمع من العلماء على رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في "منهاج السنة" وغيرها. وهذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مواضع منها كتابه "حادي الأرواح". قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: اتفق على إثبات الرؤية الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون. وأنكرها أهل البدع المارقون من الجهمية والمعتزلة والباطنية وغيرهم. أشار المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات إلى بعض الأدلة على رؤية رب العالمين يوم القيامة. وفيما تقدم ذكر شيء مما ذكر في الأدلة. وأشار هنا إلى المواضع التي يرى فيها رب العالمين يوم القيامة، وأنها تكون في الحشر وكذلك في الجنة. وفي الحشر كما جاء في الصحيحين وغيرهما أن أهل الإيمان يرون الله جل وعلا يوم القيامة. وكذلك أيضا في الجنة حين يأتيهم ربنا جل وعلا كما تقدم في الحديث فيرونه جل وعلا. وذكر هنا أن من المواضع يوم الجمعة، جاء في بعض الأحاديث أن أهل الجنة لهم موعد مع الله جل وعلا يوم الجمعة. أما الكفار فأهل العلم اختلفوا في ذلك، قد نقل الخلاف غير واحد من العلماء. فهم على ثلاث أقوال: من قال الكفار رأوا الله جل وعلا، ومنهم قال الكفار والمؤمنون رأوا الله جل وعلا، وقول ثالث المؤمنون والمنافقون وأولوا الألباب من أهل الكتاب. هذا الخلاف مبني على صحة الأحاديث من ضعفها. فمن صحت الأحاديث أثبت الرؤية للمنافقين وللكفار. ومن لم يثبت تلك الأحاديث تمسك بقول الله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. ففي حجب الرؤية عن الجميع. ومن استدل بتلك الأحاديث جعلها مخصصة لهذا العموم في الآية. وأن الكفار والمنافقين يرون الله جل وعلا ثم يحجبون بعد ذلك. لكن مع العلم أن هذه الرؤية للكفار والمنافقين لله جل وعلا ليس معها نعيم. استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم بقوله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ على إثبات الرؤية للمؤمنين. لأن مفهوم الآية أن المؤمنين يرون الله جل وعلا. وأما المخالفون لأهل السنة في هذه الباب فالجهمية والمعتزلة نفوا رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وسبب نفيهم اعتقادهم الفاسد. فهم لما وضعوا قواعد وأصولا ومصطلحات صاروا يعرضون كل ما جاء من النصوص على مصطلحاتهم التي أصلوها بعقولهم. فجاءوا إلى هذه النصوص في الكتاب والسنة وجدوها تستلزم بزعم عقولهم الفاسدة التحيز والتجزيم والجهة. قالوا إذا قلنا إن الله جل وعلا يرى إذن معناه في حيز، إذن معناه في جهة، إذن معناه جسم. فالعمل أن ترد هذه النصوص فلا يقبلونها. والرد عليهم أن أهل السنة والجماعة في مثل هذه الألفاظ المجملة كالحيز والجسم والجهة والجوهر يستفسرون عن معانيها. فإذا كان معناها يدل على معنى صحيح قد دل عليه الكتاب والسنة قبلوها. وأما إذا كان باطلا ردوه. قالوا الله جل وعلا قال لموسى: ﴿لن تراني﴾، ومعنى لن تراني أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولن هنا تفيد النفي المؤبد. وهذا باطل من وجوه قد ذكر ابن قيم رحمه الله تعالى في "حادي الأرواح" أمورا كثيرة ترد عليهم. منها أن موسى عليه الصلاة والسلام طلب من الله جل وعلا ما هو غير ممتنع. ولو كانت الرؤية ممتنعة لما جعلها الله سبحانه وتعالى ممكنة في الجبل. قال جل وعلا: ﴿لن تراني﴾ ولم يقل لم أر أو إني لا أرى. فإذا قال إني لا أرى هذا معنى أني لا أرى أبدا. وإنما قال جل وعلا: ﴿لن تراني﴾ لن تراني والمعنى في الدنيا لأن الرؤية غير ممكنة في الدنيا لضعف قوة المخلوق. وكذلك قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: ومن رأى النفي بلن مؤبد فقوله اردد وخلافه فعضبا. هذا المقام يحتاج إلى ذكر ذلة الآخرين من الذين خالفوا من غلاة المتصوفة وغيرهم. وقد أطلت بهذا وسنواصل إن شاء الله تعالى في درس لاحق. والحمد لله رب العالمين.