الدرس في شرح كتاب التوحيد 179، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول التحذير من إرضاء الناس على حساب سخط الله ومدحهم أو ذمهم بناءً على ما أعطاهم الله أو منعهم إياه. يُبين أن هذه الأفعال تدل على ضعف اليقين.
يُوضح أن الله هو الرازق الحقيقي وأن البشر وسيلة لتحقيق رزق الله، فيجب شكر الله على نعمه. كما يشير إلى أن الرزق مكتوب ولا يتغير بالحرص أو المعصية.
يوجّه إلى ضرورة التوكل على الله والسعي للرزق بالطرق الحلال مع الإيمان بأن الرزق مكتوب منذ خلق الإنسان.
يختم بالتأكيد على أهمية العمل بالنصوص الشرعية والدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بصخط الله، وأن تمدحهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر في بيان كلامه على مقام الخوف من الله جل في علاه. وهذا الأثر الذي بين يدي قد رواه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في «الشعب»، وهكذا أبو نعيم في «الحلية». إلا أنه من حيث الناحية الإسنادية ففيه ضعف، وضعفه شديد، إذ أن فيه محمد بن مروان السدي، وقد تكلم فيه، بل إن منهم من كذبه، فالطعن فيه شديد. وأيضا زد على ذلكم أن فيه عطية العوفي، وهذا الراوي كذلك تكلم فيه من حيث الضعف والتدليس. فالأثر، فالحديث بشكل عام من حيث الناحية الإسنادية لا يصح ثبوته عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن بالمقابل، قال العلماء إن هذا الحديث ومحتواه من فقرات المعاني فيه صحيحة، إذ أن ما في هذا الحديث من فقرات قد دلت عليها الأدلة الشرعية. في هذا المقال أو في هذا الحديث ما جاء في القول «أن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بصخط الله»، هذا من ضعف الإيمان يا عبد الله، أنك ترضي الناس لكن على حساب أن تجلب على نفسك سخط الله. وهذا الذي جعل المؤلف يورد هذا الأثر لأن من يفعل ذلكم إنما يرضي الناس خوفا منهم وطمعا فيهم، ولو كان ذلك على حساب أن يسخط عليه ربه جل وعلا. قال «أن تحمدهم على رزق الله»، أن تحمد الناس على رزق الله هذا من ضعف اليقين بالله، أنك تحمد الناس على ماذا؟ على رزق، هذا الرزق هو رزق من؟ هو رزق الله جل في علاه، هو رزق الله سبحانه وتعالى. وهذه الظاهرة إخواني في الله أن تجد أن من الناس من ربما كثيرا ما يلهج بالشكر والثناء على خلق الله، دائما ما يذكر عنده فلان إلا وأطنب في مدح فلان، جزاه الله كل خير، فلان ما قصر، فلان أعطى، فلان ما أحد عرفني في وقت ضيقي إلا فلان وفلان، فلا يزال ينهال عليه بالمدائح، فردا كان أو مجتمعا، لكن بالمقابل ما هو حظ شكر الله منك؟ لا شيء. وهنا تكمن البلية، أنك تتوجه بالشكر والحمد إلى الخلق على حساب أنك لا تعطي لله جل وعلا الذي يستحق على هذه النعمة الحمد والشكر. الرازق الحقيقي هو الله، وهؤلاء البشر ما هم إلا سبب فقط لا غير، سبب من الأسباب جعلهم الله هم في الظاهر فلان وفلان وفلان، أو مؤسسة أو مركز أو أي شيء ممن يعطيك بالمال، هذه الأشياء عبارة عن أسباب لهذا الرزق. ليس من شرط الرزق أن يكون مالا، قد يكون إنجابا، رجل ربما عاش ردحا من الزمن وهو عقيم، جلس ثلاثين أربعين سنة إلى أن وفق إلى طبيب ما أو إلى مركز من مراكز الإنجاب، أن وفق فأنجب من خلال هذا الطبيب أو هذا المركز، إذ به ينهال على هذا المركز بالثناء، يلهج دائما بشكرهم وحمدهم. السؤال: أين الله من الذي رزقك؟ من الذي وهبك الذرية؟ هؤلاء ما هم إلا سبب من الله، الله هو الذي سخرهم لك، أنت لك يعطوك هذه النعمة، وإلا الله عز وجل هو الذي أعطاك وحباك. فينبغي أن نعلم إخواني أن الرازق الحقيقي هو الله، هو الذي يعطي وهو الذي يمنع جل في علاه. ولهذا من الغلط أن ما جاء في هذا الأثر «أن تحمد الناس على رزق الله»، الأصل أنك تحمد الله على رزقه. الحاصل أن الناس يثنون على الخلق، ولا يثنون على الخالق. والله عز وجل يحب الثناء، جل في علاه أن يمدح، وأعظم المدح الذي يحبه الله من عباده الحمد، تحمد على كل شيء. قال عليه الصلاة والسلام «إن الله يحب من العبد أن يأكل الأكل فيحمده عليها، وأن يشرب الشرب فيحمده عليها»، يحب الله هذا منه. الله يحب الثناء، يحب المدح، يحب أن تحمده في كل شيء على أرزاقه وعلى نعمه. لكن تأتي البلية الآن أن الله يغدق علينا بأنعامه لكن عن طريق واسطة، عن طريق طرق، عن طريق أسباب، فالناس تنتكس عندهم الأحوال، فبدل أن يشكروا الواهب يشكروا الواسطة. قال «وأنت تذمهم على ما لم يؤتك الله»، من ضعف اليقين ما يكون من المذمة أن تذم الناس، تذم الناس في أمر لم يقدره الله عليك، لم يقدره الله لك. فحال ما نجده بعض الناس أحيانا يمر بالإنسان عوز وضعف وعجز وحاجة، ومع ذلك لا يجد من يتفطن له، ما يتفطن له أحد، فإذ به يذم الناس ويتشاءم من خلق الله، بل ولا يزال يسيء الظن بعباد الله. قال «إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره». رزق الله لا تظن أنه يأتي بالفتوة أو يأتي بالقوة أو أنك تستطيع أن تأتي بالرزق بالشدة، هذا ليس إليك. لو تجري الجري الوحوش غير رزقك ما تحوش، ما سيأتيك إلا الذي قدر الله عليك، هذا الذي كتب عليك، هذا الذي سيأتيك، جريت جريا كبيرا أو جريت جريا خفيفا. قال عليه الصلاة والسلام «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، ثم إلى آخر الحديث، ثم ينزل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». رزقك قد كتب، لا تعبأ أنت متى، لا تظن أن رزقك قد قدر أنت في الثانوية أو أنت في بداية المهنة، رزقك كتب عليك وأنت في بطن أمك. قال عليه الصلاة والسلام «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها»، ما تموت نفس منفوسة إلا وتأخذ رزقها كاملا مكملا، حتى الذي مات وعمره سنة قد نال رزقه، ناله ما ضيع عليه شيء، والذي مات وعمره خمس سنين قد أخذ رزقه كاملا، والذي مات وعمره مئة سنة أخذ رزقه كاملا، كل بعمره، ما هناك أحد أضاع الله رزقه. فيا عباد الله، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، تطلب الرزق لكن بروية، لا تظن أن الرزق إذا أخذته بحرص يأتيك الأكثر والأوفر، لا. إنما الإنسان يأخذ بالسعي، يسعى بما أمر الله «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه». اسعى، السعي المطلوب منك، لا على حساب أن تضيع دينك، أو على حساب ما يفعله بعض الناس يرى أن الأرزاق إنما تنال بالحرام. قال «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام». اجعلها قاعدة وانحتتها في عقلك وصدرك: ما عند الله لا ينال بالحرام، احذر يا عبد الله من الكسب الحرام. فهذا الأثر إخواني في الله، وإن كان الإسناد ضعيفا، لكن المعنى صحيح، ومعانيه قد دلت عليها الأدلة الشرعية، فيها مفادها على أن الله جل وعلا هو الذي يرزق وهو الذي يمنع، فإن كان كذلك فينبغي التوجه يكون إليه لا إلى خلقه، فالخلق ما هم إلا أسباب من الأسباب، لا تعول عليها. قل «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير». وعلينا أن نعلم بعد ذلك إذا علمنا أن الله هو الرازق وهو المانع وهو الواهب، عليك أن تعلم أمرا عظيما ألا وهو أن أفعال الله جميعا، وحاصة في مسألة الرزق، إنما تقوم على حكمة، على الحكمة. أفعال الله كلها لحكم علمها من علمها وجهلها من جهلها. هذا ملياردير وهذا فقير، هذا غني وهذا في الحضيض، تفاوت الناس هكذا الله قدر هكذا، هذا يكون غني وفقير، غني وفقير، أمور هكذا لا. إن كل شيء خلقناه بقدر، كل شيء ما أوجده الله إلا لقدر بمقدار معين، لماذا؟ لحكمة. قال الله في مسألة الأرزاق «إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر»، لماذا يا رب؟ «إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا». أرجع الله عز وجل التفاوت في الأرزاق بين العباد لحكمة، فالله خبير، الله بصير لعباده. فمن قوة اليقين أن يعلم العبد أن الرزق بيد الله جلبا ومنعا، إثباتا وإلغاء. هذا ما أذكر إخواني في الله في معنى هذا الحديث. وأكرر فإن الأثر والسند ضعيف، إلا أن المعاني صحيحة قد دلت عليها النصوص الشرعية. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.