شرح كتاب التوحيد 178

شرح كتاب التوحيد 178

الدرس في شرح كتاب التوحيد 178، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفاوت الناس في الإيمان والابتلاء

يشرح المقطع الأول تفاوت الناس في الإيمان والابتلاء، حيث يبتلي الله تعالى المؤمنين على قدر إيمانهم. يُظهر أهمية الإيمان العملي وليس فقط القولي.

الخوف من الله والتعامل مع الفتن

يتناول المقطع الثاني والرابع الخوف من الله والفتنة في الدنيا، ويبين أن الخوف من الله يجب أن يكون أكبر من الخوف من المخلوقين. ينبغي للإنسان ألا يخاف أحدا إلا الله.

مراتب الأذى والصبر عليه

يشرح المقطع الثالث مراتب الأذى التي قد يتعرض لها المسلم وكيفية التعامل مع كل مرتبة، مشيرا إلى أن بعضها يبيح التخلي عن بعض الواجبات تحت الإكراه الشديد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهو لا يزال رحمه الله تعالى يسرد لنا الآيات الدالة على مقام الخوف من الله سبحانه وتعالى، إذ أنه من المقامات العظيمة، بل من المقامات الواجبة التي يكمل بها التوحيد. فالإنسان يكمل توحيده بخوفه وخشيته من ربه جل في علاه. فأورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى عدة آيات، وها نحن في هذه الآية المذكورة في هذا الباب: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. هذه الآية احتوت على عدة مسائل. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن الناس من﴾ هنا تبعيضية، إشارة إلى أن من بعض المسلمين من يبتلى بهذه الخصلة. وفي ذلكم إشارة إلى أن الناس في الإسلام يتفاوتون تفاوتاً عظيماً، ليس الناس في هذا الدين سواسية. فمنهم من يكون في تمسكه بدين الله يصل إلى حد التضحية والفداء، إلى حد الكرم والسخاء، إلى البذل والعطاء، يتفانى. ومن الناس من هم بعكس ذلك، لربما هم في دين الله على وهن، على ضعف، على بعد من الاستقامة في شرع الله جل وعلا. فالناس في هذا الإسلام يتفاوتون، فلهذا قال ربنا: ﴿ومن الناس﴾، أي منهم، تبعيضية. ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾، فدل على أن هؤلاء من أهل التوحيد، ممن شهد لله جل وعلا بالوحدانية، فقال: "لا إله إلا الله"، وآمن بالله. لكن علينا إخواني في الله أن نعلم جميعا أن الإيمان بالله ليس فقط اعتقادا في الجنان بأن تعتقد، وأن تجزم، وأن تصدق بأن الله واحد أحد صمد. أو أنك تكتفي بهذه الكلمة أن تأتي بها بلسانك، بل ينبغي أن يظهر أثر ذلك على الواقع. وهذا من صميم عقيدة أهل السنة، على أن الإيمان الذي يقر في القلوب لابد أن يظهر أثره على الواقع. كما قال عليه الصلاة والسلام: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". فمن يدعي أنه مؤمن وأنه قد بلغ من الإيمان مبلغا عظيما، فليظهر هذا على جوارحه. وهذه الآية التي بين أيدينا فيها هذه الدلالة. فمن زعم أنه مؤمن وأنه قد وحد الله واعتقد بالله هو معبوده وهو خالقه وهو رازقه، فليبرهن على هذا. قال الجل في علاه: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي﴾. فلا أوذي. وبهذا استفاد العلماء على أن ما من أحد يدخل في الإسلام ويقول: "لا إله إلا الله"، ويعتقد بهذا الدين إلا وسيبتليه رب العباد. هذه من السنن الكونية. ﴿ألف لام ميم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم﴾. هل ظن الناس أن كل من دخل في الإسلام يترك؟ لا، ما يترك، وإنما يبتليه ربه جل وعلا. والعبرة من الابتلاءات التمييز، التمييز ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيثة من الطيبة. ومما يعين على التمييز بين الصفوف وتحري ما في الصدور ما يكون من نزول الابتلاءات والأذى والفتن والمحن. هنا ينقسم الناس بين المتمسك بدينه وبين المدعي وبين الكاذب وبين المنافق وبين الضعيف في إسلامه وتقواه. فالله جل وعلا ينزل البلاء لكل من أذعن لهذا الدين، والناس في هذا البلاء يتفاوتون. وتفاوت البلاء إخواني في الله مرده إلى الإيمان الذي أنت تدين الله جل وعلا به. البلاء على قدر الإيمان، وهذا من رحمة الله بالعباد، من رحمة الله بنا أنه يبتلينا على قدر إيماننا. وقد جاء في السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه، يبتل الرجل على قدر دينه". فمن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، ومن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه. لأن القصد من الابتلاء التمييز، ليس التنفير، وإنما يريد الله جل وعلا أن يميز الناس بين المدعي وبين الصادق. ولهذا يقع الفتن والمحن والامتحان إخواني في الله. والأذى الذي ينزله الله على العباد يتفاوت كذلك في صوره. فمن من يبتليه الله جل وعلا بالأذى الجسدي من حبس، من ضرب. ومنه من يبتلى بفقر وضنك وشد في المؤونة. ومنه من يبتليه الله جل وعلا بمرض وآفات وعاهات. ومن من يبتليه الله جل وعلا بأعداء يراقبونه يذلونه. وهكذا دواليك، ما من أحد إلا وسيبتليه ربه. بل حتى بعضهم يفتن بالمال، يفتن حتى بالمال يعطيه ربنا جل وعلا، قال الكثير الذي لربما به ضل عن سواء السبيل. يبتليه ربه جل وعلا بما أنعم عليه ليراه أيشكر أم يكفر، فتنة في النعم، فتنة في الأموال. فشاهد إخواني في الله أن من صور الفتن الذي ينزلها الله جل وعلا ما يكون من الأذى كما في هذه الآية. قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. جعل فتنة الناس كعذاب الله. وهؤلاء كما سماهم ابن القيم رحمه الله تعالى هؤلاء هم بلا بصيرة. هم بلا بصيرة إذا نزل عليهم الأذى ونزل عليهم الوجع من قبل الأعداء، وجدوا أن الفرار وأن النجاة من هذا الإذاء تكمن في أن يتابع الكفار على ماذا؟ آذيتموني على ماذا؟ قالوا على أنك مسلم، ما الذي تريدون؟ كن كما نحن، فأنا معكم. كفر وارتد يبغي من كفره وردته ومتابعته للكفار أن يتخلص من ألمهم، لكن على حساب ماذا؟ على حساب أنه انتقل من ألم أعداء الله إلى ألم الله جل وعلا وما سيقدره الله جل وعلا عليه من العذاب السرمدي الأبدي يوم القيامة. هؤلاء كما قال ابن القيم بلا بصيرة، أن الإنسان ينظر إلى هذا الألم والوجع المؤقت ويستبدله بألم لا نظير له أبدا. ولا خطر على قلبي بشر من العذاب والنكال وما أعده الله لأعداء الدين من الكفار. ولهذا المسلم إخواني في الله إذا استشعر وهذه الآية، وهذه الفقرة بالذات هي التي لأجلها الذي أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهو الخوف. أن أحيانا يصل الخوف بالإنسان أن يخاف المخلوقين أشد من خوفه من الله، فيتابعهم على حساب أن لا يخاف من الله، يخاف من أذيتهم يخاف من بطشهم من صولتهم. فيتابعهم من شدة خوفه منهم على حساب أنه لا يخاف من ربه وما أعده الله له. والمسلم إخواني في الله من كان ذا بصيرة على عكس ذلك، يجد أن من أعظم ما يجعله يخاف من الله أعظم من خوفه من المخلوقين ومن أذية المخلوقين. أن الله قد أعد لمن خالف أمره من العذاب والألم أشد مما أعده لك الخصوم. وتأمل يا عبد الله في قصة السحرة سحرة فرعون عندما أسلموا وآمنوا وأذعنوا، تهددهم فرعون بأعظم التهديدات أن ينكل بهم في حياتهم لا بعد موتهم، في حياتهم ليقطعن أطرافهم من خلاف أيديهم وأرجلهم، ليس هذا فحسب بل سيصلبهم في جذوع النخل وهم أحياء. تخيل حي وأعضاؤه تقطع، ما ظنك بالوجه الذي يصيب الإنسان الواحد منا إذا كان خج في جلده السطح خج لربما ما نام الليل. فما ظنك بالجراحة العميقة؟ فما ظنك بقطع الصبع؟ فما ظنك بذهاب عضو؟ فما ظنك بأعضاء تقطع منك؟ لربما كان الموت أرحم لك. ولأصلبنكم في جذوع النخل، ليس فقط الإيذاء البدني بل حتى الإيذاء المعنوي أن يشوي بسمعتهم وأن يلوث بمنظرهم أمام الخلق من الأقباط ومن كان في مصر. لكن بماذا تسل السحرة وقد أسلموا لله جل وعلا؟ علموا أن هذا الخوف من فرعون ماذا عسى أن يكون؟ خوف ماذا؟ مؤقت. لكن ما سيجنونه من عذاب لا أشد. ولهذا كان مما يخوفهم: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾. أشد من حيث الشدة، ما الذي عسى أن توقع قطع الأطراف؟ هذا لا شيء أمام ما سيكون من عذاب الآخرة. أن الجلود تبدل كل من صهرت من الجلود أعيدت، كل من صهرت أعيدت، طعامنا من نار وشرابنا من نار وفراشنا من نار، حياتهم نار جحيم سعير عليهم السلاسل والأغلال والأصفاد والأصوات تضرب عليهم، هذا لمدة متى؟ لمدة كم؟ التقطيع يا فرعون عبارة عن ساعات ثم سننزف حتى الممات وانتهينا، عسى أن يكون يوم. لكن في عذاب الآخرة أبقى، خلود يا أهل النار خلود بلا موت. فالإنسان متى ما علم ما أعده الله من المرتكبين لمحرماته وعدم الخوف منه وما عده الله لهم، لكان هذا أهون عليه من طاعة البشر أو طاعة نفسه بحجة الخوف. فالحاصل إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين في هذه الآية على أن الإنسان عليه أن يخاف من الله. وليكن حاله كحال بعض الناس ممن لربما يتابع أعداء الدين من الكفار والمشركين إلى حد الردة والكفر ومتابعتهم في كل شيء لأجل أن يتخلصوا من أذيتهم، يتخلصوا من أذيتهم على حساب عدم خوفهم من الله، فيوقعهم الله ذلك في العذاب السرمد الأبدي. فقال ربنا: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. وهل كذلكم؟ لا يا عبد الله، لا تقس أبدا ما ستجده من عذاب البشر بما ستجده من عذاب الله أبدا، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع. ومن هنا إخواني في الله استطرد العلماء إلى مسألة والشيء بالشيء يذكر حول مسائل الأذية وأنواع الأذى الذي يبتلى عليه ويبتل به المسلم. هذا المضمار فيه تفصيل، الواحد منا لو ربما يبتلى بأذى كيف يتعامل مع هذا الأذى؟ قال العلماء من صور الأذى ما يكون من الأذى الذي لا يتحمله البشر، لا يتحمله البشر من العذاب الشديد والحبس الطويل. وهذا يصل إلى ما يسمى عندهم بباب الإكراه، يسمى عندهم بباب الإكراه. إذا كان الأذى وصل إلى حد الإكراه الذي لا يتحمله بني البشر، هنا لا بأس أنك تفعل الحرام وتترك الواجب أو أنك تظهر الكفر، لكن بشرط: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، لا بأس أن تظهر الكفر لكن لفترة حتى تفر وتهرب من بين أيديهم. هذا قد جاء به العذر. والصف الثاني من صف صنف الأذى وهما فيه مشقة، لكن الإنسان البشري السوي يتحمله. قال لربما طلطم، لربما تضرب، لربما تضرب بالعيدان والعصي تتحمل، الإنسان يتحمل هذا أو تحبس لعدة أيام ومدة الإنسان يصبر عليها. هنا وجب الصبر ولا يجوز بحال أن تترك شيئا من دين الله بحجة أنك أوذيت، هذا الأذى تصبر عليه. بخلاف الأذى الأول الذي لا يطيقه أحد، هنا إكراه يجوز بشروطه. الصورة الثانية ما كان من الإكراه بمقام السب والشتم والاستهزاء والسخرية، هل هذا الأذى؟ نعم، يؤذى. لكن هل هذا الأذى يسوغ لك يا عبد الله أن تترك شيئا من دين الله؟ الجواب لا. كبعض الناس، كبعض الناس لربما إذا استقام فترة من الزمن، أسمعه بعض الفجار ما لا يرضى من القول. أوه على وقت مزجد ما شاء الله مطوع مطوع صلي، فيجرحونه، فأصبح ينظر إلى هذا الأذى يقول: إيش هذا يا رب؟ صبرني على هؤلاء كل ساعة أمر عليهم وهم يضحكون علي ويستهزئون بي. أخي بطنة ما لك يا عبد الله؟ تركت الصلاة يا أخي؟ هذا ليستهزئون بي؟ هل هذا عذر عند الله لأجل سخرية من سخر أو ضحك من يضحك عليك؟ هذا لا يعد شيئا عند الله عز وجل. المؤمن يصبر على البلاء، أنت مسلم لا تظن أن إذا أسلمت وآمنت وأصبحت مصليا صائما قائما أن الدنيا مفروش لك، بس تأتيك الدنيا بحربها. وهذا الذي وعد الله به من آمن: ﴿ألف لام ميم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾. هذه فتنة من فتن أن الله يصلي عليك من يسمعك ما لا ترضى من القول من الاستهزاء والاستخرية والاستفزاز، لكن لا تعر لها. هنا واجب أن تصبر على هذا الأذى. ومن الأذى الأخير ما يكون عبارة عن هلع وجبن، هلع وجبن. وهو عبارة عن تصورات يفكر، يفكر أحد الناس بإقامة شرع الله عز وجل أو يفكر بالإسلام إن كان كافرا، أو يفكر بالاستقامة إن كان مسلما وكان فاسقا أراد أن يستقيم. فأصبح تأتيه التصورات: أنت إذا أصبحت مستقيما ستذهب بك الشرطة بحجة أنك إرهابي. وأن يقول: لا، لا، لا. ولا أزال يفكر، ما فعل شيء، بس إنما ترك الخيال يسبح يسبح هنا ويسبح هنا، ويتصور المخاطر، ويضرب أخماسا بأسداس، ثم خلص: خلني على حالي أفضل، خلني على حالي أفضل. فما حرك ساكنا، لا أسلم ولا استقم ولا أصلح حاله. هل هذا عذره؟ وهو ما جعل في قلبه وعقله من التصورات من الأذية؟ حقيقي ولا يا عبد الله؟ فليس لك عذر عند الله، أنت جبان، أنت جبان وأنت خواف. وهذا النوع من الأذى ليس له واقع حقيقي، هذا لا تُعذر فيه، بل سيحاسبك الله على ما كان من تفريطك وإفراطك. فالشاهد إخواني في الله أن صور الأذى لها مراحل، فليس كل أذى يعامل كالمرحلة التي قبله. فالشاهد في هذا الباب أن إن الإنسان الأصل أن لا يخاف أحدا إلا الله، ولو أوذي، ولو أوذي، بل يجعل مرضاة الله عز وجل هي الغاية العظمى والغاية القصوى التي يريدها في هذه حياة الدنيا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.