الدرس في شرح فتح المجيد 114، ألقاها
يشرح الدرس مفهوم حلاوة الإيمان وثلاث خصال من وجدت فيه وجد حلاوة الإيمان، وهي تقديم محبة الله ورسوله على كل شيء، ومحبة المرء لله، وكره العودة إلى الكفر بعد النجاة منه. يُفسر الحديث بأن حلاوة الإيمان هي لذة ونعيم يحس به أهل الإيمان في قلوبهم نتيجة محبتهم لله ورسوله.
يتوسع الدرس في شرح معنى حلاوة الإيمان ومحبة الله ورسوله، ويبين أن هذه المحبة تتجلى في استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق وإيثار ذلك على أغراض الدنيا. كما يشير إلى أن حب الله ورسوله يجب أن يكون مقدمًا على محبة كل شيء آخر.
يشرح الدرس شروط نيل ولاية الله وذوق حلاوة الإيمان، وهي الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله، ويبين أن هذه الشروط تنبع من محبة العبد لله تعالى وطاعته. كما يشير إلى أن مخالفة المنهج الصحيح وادعاء الانتساب إلى السلف لا ينفع صاحبه يوم القيامة.
يختتم الدرس بالحديث عن أهمية دوام العمل الصالح، مشيرًا إلى أن الأعمال التي تُقدم لله تعالى تبقى وتدوم، بينما ما يُقدم لغيره ينقطع. يُؤكد على علو الله تعالى وعلمه، ويُنهي بالاستغفار والتوبة لله وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وله ما عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويحب المرأة لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقدف في النار». في رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى...» إلى آخره. قال الشارح رحمه الله تعالى: وله ما عنه، أي البخاري ومسلم عن أنس. قوله: «ثلاث»، أي ثلاث خصال. قوله: «من كن فيه»، أي وجدت فيه تامة. قوله: «وجد بهن حلاوة الإيمان»، الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه، وهو شيء محسوس يجدونه أهل الإيمان في قلوبهم. ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث المتفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، الذي فيه ثمار المحبة التي فيه تدل على ثمار المحبة لله والرسول صلى الله عليه وسلم. وأن من أحب الله ورسوله وقدم محبة الله ورسوله على كل محبوب ذاق هذه الحلاوة. وهذا من عاجل بشرى المؤمن أن يجد هذه الحلاوة وهذه اللذة وهذا الذوق بمحبته لله جل وعلى ومحبته رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وما ذكر كذلك من خصال التي من لوازم محبة الله جل وعلى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتي مردها إلى محبة الله جل وعلى وحده، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب لله ولأجل الله وفي الله عز وجل. وما ذكر من هذه الخصال ما ردها إلى هذه المحبة إلى الحب في الله ولأجل الله والبغض في الله ولأجل الله جل وعلى. قال الصيوطي في التوشيح: «وجد حلاوة الإيمان» فيه استعارة تخيلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه. والصحيح أن هذه حقيقة يجدها أهل القلوب المحبة، وليست استعارة تخيلية. قال النووي: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه من لوازم هذه المحبة، وليست هي الحلاوة ذاتها. قال يحيى بن معاد: حقيقة الحب في الله ألا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، لأنه لله. فالحب في الله أن تحب من تحب لما فيه من الطاعة ولما فيه من الخير، سواء جفاك أو أبرك. قوله: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، يعني بالسوى ما يحبه الإنسان بطبعه كمحبة الولد والمال والأزواج ونحوها. فتكون أحب هنا على بابها، وهي من أفعل التفضيل. قال الخطابي: المراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع. فحب الاختيار هو المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة، لا ميل الطبع وتقديم الطبع أمر جبل، أما تقديم الطاعة فهذا الذي هو يذم. وأما المحبة الشركية التي قد تقدم بيانها، فقليلها وكثيرها ينافي محبة الله ورسوله أصلا ورأسا، لأنها صرف العبادة لغير الله جل وعلا. فمن علامات محبة الله ورسوله أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى فيما يرضيه ما استطاع، ويبعد عما حرمه ويكرهه أشد الكراهة. قوله: «كما يكره أن يقدف في النار»، أن يستوي عنده الأمران، وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في حقه مطلقا وإن تاب منه. والصواب أنه إن لم يتب كان نقصا، وإن تاب فلا. قال شيخ الإسلام: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له. فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريغها ودفع ضدها. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس قال: «من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، وليجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه». رواه ابن جرير. قال الشارح: قوله «من أحب في الله» أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك. قوله «وأبغض في الله» أي أبغض من كفر بالله وأشرك به وفسق عن طاعته لأجل ما فعلوه مما يسخط الله. قوله: «ووالى في الله» هذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله تعالى. فمن أحب الله أحب فيه ووالى أولياءه وعادى أهل معصيته وأبغضهم. قال الطبراني: «لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله». وهذا الحديث ضعيف، لكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة. قال العلامة ابن القيم: فهؤلاء المتبعون كانوا على الهدى، واتباعهم ادعوا أنهم على طريقهم ومنهجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم. ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرؤون منهم يوم القيامة. فالحاصل أن ما كان لله بقى ودام، وما كان لغير الله جل وعلا انقطع سببه. والله تعالى أعلى وأعلم. وإلى الله سبحانه وتعالى وحده لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليه.